هل يقتل كورونا صناعة النشر في العالم العربي؟

رغم وجود حالة من التفاعل مع القراءة في عالمنا العربي فإن صناعة النشر تواجه بعوائق عديدة من أهمها مزاحمة الكتاب الإلكتروني والصوتي للكتاب الورقي.
الثلاثاء 2020/07/14
صناعة النشر تحتاج إلى إنقاذ

الكثير من الأرقام تحاول الإحاطة بواقع القراءة والنشر في العالم العربي، لكن أغلبها تنقصه الدقة، وهناك منها ما هو مغلوط، ومن ناحية أخرى يواجه قطاع النشر في العالم العربي أكثر الأزمات حدة بتراجعه مع اشتداد أزمة كورونا، ما يدعو إلى الوقوف بجدية وتوفير إحصائيات دقيقة وحلول عاجلة لحماية هذا القطاع الحيوي.

يؤكد مؤشر رقمي شاع تداوله في العالم العربي منذ سنوات أن المقياس الزمني السنوي لما يقرأه مواطن عربي تقريبيا هو ست دقائق مقابل أضعاف ذلك عالميا. وقد تم تداول هذا الرقم وتبنيه في العديد من البيانات والأبحاث المختصة على نحو واسع، وبعض هذه الدراسات كان حكوميا.

  لكن متابعين يؤكدون أن هذا المعدل زائف وأن المعدل الحقيقي هو أعلى من ذلك بكثير فالعالم العربي لم يفقد تفاعله الجيد مع القراءة يوما. وفي دراسة رسمية أعدتها مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة عام 2016 نتجت عن استبيان شارك فيه قرابة 150 ألف شخص، ومن خلال تحليل حيثياته تم الوصول إلى أن عدد ساعات القراءة لدى المواطن العربي سنويا يتراوح بين 7.5 في الصومال و63.5 في مصر بمعدل 35 ساعة سنويا وليس 6 دقائق.

وفي دراسة صدرت سابقا من منظمة اليونيسكو بشكل رسمي ثم تراجعت عنها بينت أن معدل قراءة المواطن العربي هو ربع صفحة سنويا. ولكن ذات الدراسة التي صدرت في دولة الإمارات وصلت إلى أرقام مختلفة، فأشارت إلى أن معدل قراءة المواطن العربي يتأرجح بين 1.5 كتاب في الحد الأدنى وصولا إلى 28.5 في الحد الأعلى بمعدل وسطي هو 16 كتابا سنويا.

أرقام متباينة

حال القراءة في العالم العربي ليس كارثيا إلى الدرجة التي يوحي البعض بها
حال القراءة في العالم العربي ليس كارثيا إلى الدرجة التي يوحي البعض بها

من خلال هذا الواقع يجد المتابع أن حال القراءة في العالم العربي ليس كارثيا إلى الدرجة التي يوحي البعض بها، ودليل ذلك ما صرح به رئيس اتحاد الناشرين السوريين ونائب رئيس اتحاد الناشرين العرب هيثم الحافظ الذي أكد أن الاتحاد يوافق سنويا على انضمام دور نشر جديدة للقطاع رغم وجود حالة الحرب في سوريا. وهذا مؤشر على تنامي هذا القطاع وتطور العمل فيه على النحو الذي يجعله فعالا.

ولكن ورغم وجود حالة من التفاعل مع القراءة في عالمنا العربي، فإن صناعة النشر لم تكن من الصناعات الناجحة أو التي تعيش حالة صحية مستقرة في أحسن الأحوال، بل كانت تعترض هذه الصناعة العديد من العوائق، لعل من أهمها مزاحمة الكتاب الإلكتروني والصوتي للكتاب الورقي والتشويش الكبير الذي يحوط هذه المسألة عبر سنوات طوال.

وفي تحليل رياضي لمجموعة من المؤشرات الرقمية التي وفرتها دراسات وأبحاث رسمية صدرت من خلال منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة والتربية (اليونسكو) أو بعض الدراسات العلمية المختصة كما في كتاب الاقتصاد الثقافي للباحث الحبيب إمام، يمكن التعرف أكثر على حقيقة مسار وفعالية القراءة في العالم العربي. وبلغة هذه الأرقام سنجد أن لكل مليون عربي ثلاثين كتابا سنويا بينما يرتفع الرقم في أميركا إلى 212 ليصل في أوروبا إلى 584.

مؤشر آخر على القراءة يأتي من خلال توزيع الصحف اليومية الذي يدلنا عليه الباحث الحبيب إمام يقول إن معدل توزيع الصحف عربيا هو 1.52 في المئة بينما أوروبيا 24 في المئة. وفي ألمانيا يطبع سنويا مئة ألف عنوان وحجم دورتها المالية ما يقارب الخمسة مليارات يورو وفي فرنسا هنالك عشرة آلاف ناشر أما في بريطانيا واسبانيا فيطبع في كل ساعة عشرون كتابا.

أمام هذه الأرقام التي تعطي إشارات خطيرة على جوهر الموضوع وخطورته وبالتالي على جانب هام من جوانب التنمية الوطنية في العالم العربي، فإن ضرورة تلمس سبل الحل الصحيح والسريع لتحسين الأداء وتقويمه تبدو ذات أهمية قصوى. لكن المفاجأة الكبرى تكمن في مشكلة عدم وجود قاعدة بيانات صحيحة وعلمية قادرة على تبني مؤشرات حقيقية تكون بين يدي المخططين لكي يضعوا وفقها الخطط اللازمة والناجحة للمستقبل.

كورونا وشفير الهاوية

لكل مليون عربي ثلاثين كتابا سنويا بينما يرتفع الرقم في أميركا إلى 212 ليصل في أوروبا إلى 584
لكل مليون عربي ثلاثين كتابا سنويا بينما يرتفع الرقم في أميركا إلى 212 ليصل في أوروبا إلى 584

مع بداية عام 2020 وتفشي وباء كورونا واتباع الدول سياسات منع السفر والحجر الصحي على مواطنيها، دخلت صناعة النشر عربيا في مهوى خطير، يهدد وجودها بكامله، فبسببه تراجعت معدلات البيع حتى نسبة 80 في المئة وتعطلت حركة المعارض التي كانت تشكل أحد أهم روافع هذه المهنة، كما تضررت المهنة بسبب صعوبة شحن الورق والأحبار ومستلزمات الطباعة الأمر الذي عقد عملية نشر الكتاب وتوزيعه.

كما أن العامل الاقتصادي العام والمضطرب الذي ولده تفشي كورونا سبّب ارتفاع كلفة إنتاج الكتاب وبالتالي بيعه، في الوقت الذي يعاني فيه المواطن العادي من غلاء فاحش في الأسعار الأمر الذي عقد مهمة شراء الكتاب. وصار موضوع شراء الكتاب في أولوية متراجعة أمام العديد من الاحتياجات الغذائية والتعليمية والصحية الموازية.

يكاد صناع الكتاب في العالم العربي يقسمون مسيرة حياة الصنعة إلى قسمين، ما قبل وما بعد كورونا. كونه قد شطر مسيرة الصناعة إلى مرحلتين الأولى قلقة والثانية خطرة. ولمقاومة هذا الحال أطلق اتحاد الناشرين العرب نداء خاطب فيه الحكومات العربية بيّن فيه ضرورة تضمين قطاع صناعة النشر ضمن حزم الدعم المختلفة التي تم رصدها في دعم اقتصاديات الدول، مشيرا إلى أن هناك “شرائح مجتمعية واقتصادية كثيرة تتأثر بشكل مباشر بقطاع صناعة النشر ومنهم المؤلفون والمترجمون والباحثون وكذلك المصممون الفنيون والرسامون وقطاع المطابع بكافة أنواعها”.

وطرح اتحاد الناشرين بعض الحلول للمساهمة في تخفيف وطأة الأزمة منها “تخصيص مبالغ مالية لشراء الكتب من الناشرين من خلال وزارات التربية والتعليم لتعزيز المكتبات المدرسية” و”إلغاء الضرائب على قطاع النشر” وتقديم “حزم تحفيزية لقطاع النشر”.

وكان محمد رشاد رئيس اتحاد الناشرين العرب قد بيّن حال صناعة النشر في العالم العربي، مشيرا إلى أنه إذا لم تتدخل الحكومات العربية بتخصيص مبالغ مالية من التي تم تخصيصها من الحكومات لمجابهة التداعيات الاقتصادية من تأثير كورونا، وتخصيص جزء منها لقطاع النشر فسينهار هذا القطاع، وستتوقف صناعة النشر في عالمنا العربي، وتوقّف الصناعة في عالمنا العربي سيؤثر على النمو والازدهار في الفترة القادمة.

يكاد صناع الكتاب في العالم العربي يقسمون مسيرة حياة الصنعة إلى قسمين، ما قبل وما بعد كورونا

ويضيف محمد رشاد “إن صناعة الكتاب والنشر في العالم العربي صناعة ضعيفة وليست قوية، وهنالك فارق زمني بين نشأتها في أوروبا سنة 1440 على يد يوحنا غوتنبرغ وبيننا، فهنالك أكثر من 4 قرون. هذا الفارق الزمني سمح لهم بتأسيس قواعد المهنة، وأصبحت صناعة قوية جدا، بينما لم يوجد ذلك في عالمنا العربي وهي الصناعة التي ولدت منذ 200 سنة، وهذه الفترة لم تسمح بتأسيس صناعة قوية”.

ويقول عبدالحليم صالحي مدير دار نشر المكتبة الخضراء في الجزائر “في سنة 2007 عندما كانت الجزائر عاصمة للثقافة العربية، شهد عالم النشر وصناعة الكتاب انتعاشا حقيقيا، لكن للأسف كان غالبية المستفيدين انتهازيين ومتطفلين ودخلاء على القطاع. وما بين 2007 وحتى 2014، كانت هناك صناعة لا بأس بها قبل أن ينهار القطاع بشكل مخيف ليأتي وباء كورونا ليقضي على ما تبقى منه، بينما رهنت التظاهرات الثقافية آليات النشر في أيدي بعض الناشرين الذين عمدوا إلى إعادة طباعة بعض المؤلفات دون ضوابط ولا احترام للقارئ أو المؤلف”.

الكاتب والروائي كمال قرور مدير نشر “دار الوطن اليوم” كان قد بيّن رأيه في الإجراءات التي ذهبت إليها الحكومة في معالجة وباء كورونا وتأثيره على صناعة النشر في الجزائر فقال “شلت شبكة صناعة الكتاب، وسيكون تفعيلها من جديد في كل الحالات أصعب مما نتصور. والخطر الأكبر سيكون على دور النشر الصغيرة والناشئة التي راهنت منذ البداية على القارئ لبيع كتبها، ولا تملك شبكة توزيع ولا دعم لها بأي شكل من الأشكال من الدولة أو من مؤسساتها الثقافية”.

15