هل يكتب الشعر في أوقات الخطر

ما يقوم به البعض في هذه الأيام يتفوق بشعريته على ما يمكن أن يكتب بالكلمات.
الأحد 2020/03/29
رسمة للفنان صفاء سعدون

هل يكتب الشعر في أوقات الخطر؟ في الحروب، والزلازل، والجوائح الكبرى؟ أم أن واقعة الشعر أرهف من أن تتخلق في كلمات بينما العالم يضج بالمخاطر الكبرى والوقائع الفاجعة؟ وهل يكتب الشعر بالكلمات وحدها، أم يمكن له أن يتخلق بصيغ أخرى؟ وعندما لا يكتب الشعر بالكلمات كيف لنا أن نتعرف عليه؟ أسئلة قد تبدو مترفة، بينما العالم يشهد ما يشهد، لكن أكثرها حدة هو: هل الشعر ترف أم هو ضرورة؟

بين هذا السؤال وذاك، أمضي مع الفكرة الشاغلة: متى يكتب الشعر بالكلمات ومتى يخلي المجال لصيغ أخرى يتخلق من خلالها متحديا الكلمات؟

ذات مرة أتيح لمحمود درويش، بإذن من زعماء إسرائيل، أن يرجع إلى حيفا زائرا بيته الأول لساعات. بدت رحلة استثنائية ومدهشة، له ولمحبيه. بعدها بأيام سألته، في اتصال هاتفي، أيهما أجمل، البيت أم الطريق إلى البيت؟ صمت قليلا.. ثم علّق: هذا سؤال لعين. وأجاب على الفور «الطريق إلى البيت أجمل من البيت». في ما بعد تحولت هذه الجملة إلى أيقونة في حوار مع شاعر.

والآن أتساءل: هل فكرة البيت هي نفسها بالنسبة إلينا نحن الذين فجأة وجدنا أنفسنا حبيسي البيوت من بعد أن كانت ساعة البيت فضاء شخصيا حرا، ومساحة للراحة، ووقتا للتواصل مع أفراد العائلة؟

وما البيت؟ هل هو نفسه للجميع؟

أسأل هذا السؤال، وفي رأسي أفكار وأسئلة وصور تتصل بالشعر عبر الأوقات، وفي الأوقات الحرجة أيضا.

عشت في السنوات القريبة والبعيدة أوقاتا رائعة تخللتها أوقات عصيبة: خصام مع صديق مصحوب بانفجارات شعورية متلاطمة، حرب داهمة، مصحوبة بخبرة العيش في مدينة محاصرة، قلق كبير بفعل ترقب حدث منتظر وقد لا يحدث. وخلال هذه الوقائع وآثارها في النفس، ظل الشعر في المركز من وجودي الشخصي، يرجح الرؤية والتطلع والموقف من كل شيء، ما دام يجري مجرى الانفعال الوجودي العميق ليكسب اللحظة الشخصية طبيعتها الجوهرية، ويمنح وجود شاعر في العالم، عبر اللغة، أفقه ومعناه. فاللغة الصانعة الشعر هي الحديقة السرية في بيت الشاعر، واللغة كيانه المتأهب ليخطو في تلك الحديقة خطوات أبعد تتوارى معها الصور التي ألف رؤيتها هناك، وينفتح مع كل خطوة ذلك الباب اللامرئي الذي يبحث عنه كل شاعر لتتحول حديقته الشعرية إلى غابة.

***

اللحظة الراهنة للمقيم في البيت اليوم على سطح الكوكب المعذب، تجد تجسيدا لها في صورة كائن يجلس في جوار نافذة، تطل على حديقة صغيرة، ترتجف في فضائها شجرة تتأهب لتكتسي بأوراق خضراء، لكن عاصفة صامتة جعلتها شجرة مخطوفة اللون خائفة، كالجيران الذين هرعوا في الضباب إلى النوافذ وصفقوا طويلا لجيش من الإنسانيين العاملين في المستشفيات الميدانية للمدينة.

أحاول في وقت استثنائي، من حياة هذا الكوكب المتألم، أن أحرس بكلماتي صوت الشاعر ووصفته السريعة للأمل.

في وقت يسود فيه اعتقاد بأن الشعر لم يعد ضروريا للإنسان، وقد اخترع هذا الكائن الماكر ألعابا كثيرة غير لعبة الشعر، راجت في الثقافة العربية، وفي ثقافات أخرى أيضا، فلسفة بائسة رأت أن الشعر مات، وروّجت لموت الشعر.

رسمة للفنان مجدي ظواهري
رسمة للفنان مجدي ظواهري

***

ابنتي المراهقة لا تقرأ الشعر أبعد من كتاب الدرس، قرأت شيكسبير، وميلتون وجون كيتس ووردورث، وألكسندر بوب، وأوسكار وايلد وغيرهم من شعراء الإنجليزية على مقعد الدرس. لم يكن الشعر بين هواياتها.

قد لا يقرأ البعض الشعر، لكنه يكتبه بالموقف والفعل. سألتها عما حدث مساء أمس، لما فجأة، ضجت المدينة بفعل راحات الأيدي المصفقة: ماذا يشبه هذا الذي حدث في تمام الثامنة من مساء أمس في لندن ومدن أوروبية أخرى؟

يشبه الشعر، قالت.

نعم، إنه الشعر، فبالأمس في ساعة محددة في المساء، فجأة وقف سكان المدينة، كل المدينة، بالأبواب وعند الشبابيك وراحوا يصفقون تحية لأصحاب الأردية البيضاء والأقنعة الزرقاء منقذي أرواح الآلاف من الناس في الجائحة التي ضربت الكوكب. وبالأبواب، تبادلوا الابتسامات، وتبادلوا نظرات الرجاء، فقد كانوا يصفقون للحياة على الأرض.

إنها لحظة فارقة، مشاركة مفتوحة بين من يعرف الآخر ومن لا يعرفه.. أعادت إلى ذاكرتي البصرية صورا من أوقات فارقة مضت في بيروت.

كانت لحظة فارقة، لحظة كاسرة للمألوف، وجودية وشعرية بامتياز، كتبها معا سكان المدينة والمدن الأخرى، نساء ورجالا صغارا وكبارا، فقراء وأغنياء، فهم الآن شركاء في مصير كوني.

فجأة تحول جميع السكان إلى شعراء يكتبون بأكفهم المصفقة بحرارة المشاركة الاعتزاز الجماعي بالمنقذين، والتوق الجماعي إلى الخلاص. تلك كانت قصيدة الأمل في عالم منكوب.

من يقرأ الشعر ومن لا يقرأه، من يهتم بالقصيدة وبالأفكار الشعرية ومن لا يهتم بهما، معا وفي اللحظة نفسها لجؤوا جميعا إلى الشعر، صنعوه بأيديهم بوصفه العاطفة القصوى، وبوصفه صوت الرجاء، صنعوا لحظته وسكنوا في أفقه، فالشعر ليس أفق الشاعر وحسب، فهو لا يكتب باللغة وحدها. إنه أفق الإنسان.

***

لا أريد هنا أن أكرر الكلمة/ الاسم الأكثر تداولا اليوم في نشرات الأخبار المتلاحقة دقيقة بدقيقة وفي مقالات المفكرين والعلماء، وتقارير الأطباء والمسعفين، عبر لغات الأرض، في وصف الوحش المرعب الذي فاجأ البشرية بأنياب لا مرئية، وقلب حياة البشر رأسا على عقب.

 لا حاجة بي إلى الأخذ بالشائعات الفالتة من كل عقال، ولا إلى نظريات المؤامرة، ولا إلى كلمات الاستخفاف الصادرة عن شخصيات ما تزال غير متأكّدة من أننا في منعطف وجودي كئيب. لا حاجة بي أنا أيضا إلى العبور عن كل هذه الانفعالات والتصورات كما لو أنها لم تحدث، ولم تصدر عن بشر، ولم تترَ أمام ناظري.

الاعتقاد الدارج اليوم، لدى ضيقي الأفق، بأن الشعر لم يعد ديوان العرب، ولا الكتاب الأول لقارئ في العالم، مصدره ولا شك منطق الربح والخسارة، ومن الطبيعي لهذا المنطق أن يرى الشعر عملا خاسراً والشاعر سيد الخاسرين

لكن هذه الصور والتعبيرات وردّات الفعل، كلها تقع في حيز المعقول الصادر عن بشر فاجأتهم البداهة في إهاب اللامعقول.

فلأتكلم، إذن، كحائر، ما دمت أنا أيضا لا أملك لحيرتي مخرجا، ولشعوري بأن الفاجعة تنذر بأسوأ مما هو في تصور البشر. فلننتظر ونر، إذن، كيف سيتصرف البشر والدول في العالم. وحتى ذلك الحين، لعلي أجد أنا أيضا المخرج مع من سيجدونه، ويعتبرونه مكافأة العابرين إلى آخر النفق.

***

حدث ذات مرة أن كنت في مدينة حاصرها من البر والبحر والجو عدو شرس، وكان هذا العدو بالنسبة لي ولغيري عدوا لامرئيا أيضا. كنت فتيا، وكانت القنابل تتساقط في كل جهة وطرف من المدينة. في اليوم الأول ومع الضربات الأولى التي تلقتها المدينة فوجئت كالآخرين، ونزلت إلى قبو وكان مطبعة للكتب. كانت العتمة مخيفة أكثر مما كانت أصوات القنابل المنهمرة خارجا، والبناء يهتز. تميزت لفائف الورق الضخمة المتأرجحة لكل ضربة في الأعلى، وفكرت أنني سأموت هنا، في الظلام، منسحقا تحت لفائف الورق.

فلأخرج إذن، فلأخرج، هتفت الروح التي يستضيفها جسدي، ووجدتني أسارع إلى الصعود على الدرج الذي أخذ يستقبل مزيدا من اللائذين بالقبو هربا من القنابل.

لثلاثة أشهر بعد تلك الحادثة، وهي أشهر الحصار الذي شهدته بيروت صيف 1982، لم تُلجئني القنابل ولا الضربات الصاروخية المريعة، ولا مشاهد الأجساد الممزقة هنا وهناك في تلك المدينة إلى قبو ألوذ به. والخلاصة أنني لم أسقط قتيلا في تلك التجربة الفارقة في حياتي رغم المجازفات الجنونية التي قمت بها طوال أشهر الحصار لما كنا نعتبره يومذاك أروع المدن العربية. ولأعترف اليوم، أنني لطالما رددت بشيء من شاعرية الممتن للقدر. لم أمت في بيروت لذلك كل حياتي الباقية هدية غالية لن أضحي بها أبدا.

ذاكرة الشاعر قدمت لي الحل، لا تجعل القلق مصدرا للخطر بينما أنت في قلب الخطر، فعلا.

هذه تداعيات شخص في جوار نافذة، يتأمل ويقارن. انطلاقا من السؤال عن الشعر وقيمته ومعناه بالنسبة إلى البشر في أوقات الخطر. إن ما يقوم به البعض في هذه الأيام يتفوق بشعريته على ما يمكن أن يكتب بالكلمات.

***

في التجربة البيروتية، في فصلها الدامي ما بين يوليو 1981 وسبتمبر 1982، وكان الأبرز بين وقائعها حصار مخيمي صبرا وشاتيلا، وارتكاب مذبحة مروعة في مكان طالما زرته ولي مع أهله من اللاجئين الفلسطينيين ذكريات شخصية. في تلك التجربة التي استمرت ثلاثة أشهر كانت لحظة المقاومة الخلاقة في مواجهة الآلة المدمرة لأحد أعتى جيوش العالم هي الملحمة، أما القصيدة المكتوبة فكانت تمرينا على الشعر.

لم تكن أفضل قصائدي ما كتبت إبان الحصار، ولكن تلك التي جاءت بعده. كانت اللحظات الإنسانية العنيفة تستأثر بطاقة الشعر ووحشيته، وتستحوذ على كل شيء، فتتراجع الكلمات لتتقدم اللحظات بقوتها المدهشة وأبطالها الإنسانيين مصحوبين بقدراتهم الأسطورية على البذل والعطاء لأجل الآخر وصولا إلى التضحية بالنفس لأجله. باتت اللفتات الإنسانية هي الشعر.

***

اللحظة الشعرية هي ذلك الشيء البارق الخارج على المألوف في اللغة وكذلك في الموقف من العالم
اللحظة الشعرية هي ذلك الشيء البارق الخارج على المألوف في اللغة وكذلك في الموقف من العالم

في صحيفة “المعركة” التي أسسها الشعراء المقاومون في بيروت نشرت قصائدي التي كتبت يوما بيوم خلال المواجهة. كانت هناك في الصحيفة نفسها قصائد لكوكبة من الشعراء من تيارات شعرية مختلفة، كان بينهم معين بسيسو، عزالدين المناصرة، محمود درويش، أمجد ناصر وغيرهم. اليوم أستطيع أن أجزم أن أيا من أولئك الشعراء لم يكتب في أيام الحصار قصائد ذات قيمة فنية عالية.

لكن القصيدة كان لها شرف المواجهة في معركة شرسة، باتت سلاحا في خندق الدفاع عن الحياة، أكثر منها شعرا في قصيدة تريد أن تنتصر للكلمات لتعيش وتُقرأ في المستقبل.

شيء من هذا القبيل حدث مجددا في الأشهر الأولى للانتفاضات العربية، شعراء كتبوا نصوصا حماسية في الميدان، في تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، وسوريا، ومؤخرا في العراق. نصوص توسلت الشعر، لتطلق هتاف الحنجرة في مقاومة الطغيان، كان لا بد أن تكتب تلك النصوص، وكان لا بد، من ثم، أن تمحو نفسها وتفسح الطريق لشعر سيكتب في ما بعد. لحظة الانفجار أقوى بشعريتها من الشعر في الكلمات الشعر، فهي الخروج الكامل على المألوف في ذروة عاصفة.

اللحظة الشعرية هي ذلك الشيء البارق الخارج على المألوف في اللغة وكذلك في الموقف من العالم. وهي لحظة تتخلق في أقصى الخطر.

أما الاعتقاد الدارج اليوم، لدى ضيقي الافق، بأن الشعر لم يعد ديوان العرب، ولا الكتاب الأول لقارىء في العالم، فمصدره ولا شك منطق الربح والخسارة، ومن الطبيعي لهذا المنطق أن يرى الشعر عملا خاسراً والشاعر سيد الخاسرين.

يكتب الشعر بالكلمات ويكتب بأكثر من الكلمات. والشعر في قصيدة هو ذلك العمل الفني الدقيق إلى درجة الحذاقة والمبتكر المفاجيء. إنه الرائع كالفتنة والخلاب كالسّحر. نضر كالصحة، وآسر كالفتوّة. وهو في تشكيلاته وصوره الفنية ذلك الحدث المدهش كقوس قزح على أوتستراد معاصر.

10