هل يكتسح المستقلون البرلمان الجزائري الجديد؟

الدعم الحكومي للمترشحين المستقلين الشباب يظهر عبر منح كل مترشح حرّ لا يتجاوز عمره 40 عاما، نحو 2250 دولارا لتمويل حملته الانتخابية.
السبت 2021/06/12
صعود لافت للمستقلين

يتابع المراقبون لمجريات الانتخابات التشريعية المبكرة في الجزائر باهتمام بالغ التغييرات الحاصلة في خارطة قوائم المترشحين قياسا بالاستحقاقات الماضية، والتي استحوذ فيها المستقلون على النصيب الأكبر، مما قد يجعلهم في طريق مفتوح على الأرجح للسيطرة لأول مرة على البرلمان رغم المخاوف من عزوف الناخبين.

الجزائر - يملك المرشحون المستقلون في الانتخابات البرلمانية الجزائرية المبكرة، فرصة تاريخية للفوز بحصة هامة من مقاعد البرلمان المقبل، في ظل ضعف الأحزاب إجمالا، لكن التساؤل يبقى حول قدرتهم على التكتل، والمشاركة في تشكيل الحكومة، وإثراء الحياة البرلمانية سواء من حيث تشريع القوانين أو الرقابة على نشاط الحكومة.

وتراهن عدة أطراف سياسية وأيضا شعبية على القوائم المستقلة والمرشحين الشباب لقلب المشهد السياسي في البلاد، بعدما طغت “شبهات فساد” حول العديد من نواب البرلمان المُنحل، لكن حظوظ هؤلاء في الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان في اقتراع السبت، تبدو متباينة أمام أحزاب متمرسة على مثل هذه المواعيد الانتخابية.

ولدى المستقلين أسبقية عددية على القوائم الحزبية، حيث لأول مرّة في تاريخ الانتخابات الجزائرية يتفوّقون على قوائم الأحزاب من حيث العدد. فمن إجمالي 2288 قائمة مترشحة توجد 1208 قائمة مستقلة، أي ما يعادل 52.8 في المئة، بينما تقدم 28 حزبا بحوالي 1080 قائمة أو ما يمثل نحو 47.2 في المئة.

ويتجلى الدعم الحكومي للمترشحين المستقلين الشباب عبر منح كل مترشح حرّ لا يتجاوز عمره 40 عاما، نحو 2250 دولارا لتمويل حملته الانتخابية. وهذا الأمر أثار الجدل على اعتبار أن الدعم لا يشمل بقية المتنافسين، وخاصة المترشحين الشباب في قوائم حزبية، والذين لا يحظى الكثير منهم بأي تمويل حزبي، مما يُخل بمبدأ تكافؤ الفرص.

القوائم المترشحة للانتخابات البرلمانية 2021

  • 2288 قائمة مترشحة للانتخابات بين مستقلين وأحزاب
  • 1208 قائمة مستقلة ستشارك في الاستحقاق التشريعي
  • 1080 قائمة قدمها 28 حزبا في السباق نحو مجلس النواب

ويبقى هدف الحكومة من وراء تمويل حملات المترشحين المستقلين، تشجيع الشباب غير المتحزبين في دخول عالم السياسة والتعبير عن أفكارهم وتطلعاتهم في التغيير عبر مؤسسات رسمية تمنحهم آليات قانونية ودستورية في تجسيد ما طالبوا به خلال الحراك الشعبي الذي أطاح بالولاية الرئاسية الخامسة للرئيس المستقيل عبدالعزيز بوتفليقة.

وتسعى السلطة، التي تأمل في إنجاح هذا الاستحقاق رغم سيل الانتقادات حوله، إلى أن يكون شباب الحراك الشعبي ممثلين بأغلبية في البرلمان الجديد، بما لا يدع مبررا لاستمرار المسيرات والمظاهرات، التي وصفها الرئيس عبدالمجيد تبون بأنها “تحمل مطالب وشعارات مختلفة”.

ونظريا، بإمكان القوائم الحرة الفوز بالمراتب الأولى في انتخابات السبت، على غرار ما حققته في انتخابات سابقة، لكن ذلك أمامه عقبات كثيرة، وحتى إن تمكنت من الحصول على إحدى المراتب الثلاث الولى، فذلك لا يعني بالضرورة أن هناك “تغييرا جذريا سيحدث”.

فالنواب المستقلون عادة ما تجمعهم كتلة برلمانية واحدة، لكنهم بالكاد يعرفون بعضهم بعضا مسبقا، ناهيك أن يمثلوا توجها سياسيا وفكريا مشتركا، بدليل أن عددا منهم ينضمون لأحزاب ذات أيديولوجيات مختلفة في كل ولاية برلمانية.

ولكن الطابع الأعم للنواب المستقلين انحدارهم من عالم المال والأعمال، وهم دائما الداعمون للحكومة والمؤيدون لبرامجها، إلا عندما تتعارض مع مصالحهم، لذلك فتأثيرهم على الحياة السياسية جدّ محدود، والإصلاح الجذري من خارج الحكومة ليس أولويتهم.

ولكي يفوز المرشح في الانتخابات البرلمانية دون أن يكون له غطاء حزبي، فإنه يحتاج إلى أن يتوفر على أحد الشرطين نادرا ما يكون خلافهما، أولهما أن يكون من طبقة رجال الأعمال أو كبار التجار المرتبطين بشخصيات نافذة في السلطة، وثانيا أن يكون مدعوما من عشيرة أو قبيلة كبيرة ومترابطة في ما بينها.

ويمكن الإشارة إلى هذا الأمر من خلال مثالين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في عام 2017، حيث من إجمالي 48 ولاية (محافظة) لم تفز القوائم المستقلة بالمرتبة الأولى إلا في ولايتين، وهما برج بوعريريج شمال شرق البلاد وغرداية الواقعة في الجنوب.

Thumbnail

ففي برج بوعريريج، فازت قائمة حرة واحدة بثلاثة مقاعد من إجمالي 8 مخصصة للولاية، وعند التدقيق في رأس القائمة، لوحظ أنها تضم أشخاصا من بين أبرز رجال المال والأعمال في الولاية، المرتبطين بشخصيات نافذة في الدولة. أما في غرداية، التي يقطنها أغلبية من قبائل بني ميزاب، الإباضية المذهب الأمازيغية اللسان، فقد اكتسحت 4 قوائم حرة مقاعد الولاية الخمس، ولم تبقِ سوى مقعد وحيد لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم حينها.

وهذان المثالان يوضحان أنه حتى الأحزاب الكبيرة سواء كانت في السلطة أو المعارضة، تجد صعوبة في مواجهة القوائم الحرة المدعومة بـ”المال الفاسد” أو عصبية القبيلة والمذهب واللغة.

وتحاول السلطة الوطنية المستقلة لمراقبة الانتخابات، وحكومة رئيس الوزراء عبدالعزيز جراد، تخليص قوائم المستقلين من “المال الفاسد”، عبر تشجيع الشباب الجامعي لأخذ مكانه في البرلمان، بدل الأثرياء الجدد الذين صنعتهم الأزمة الأمنية. لكن سلطة القبيلة يصعب التحرر منها بـ”القانون”، وإن كان نفوذها على الشباب المتعلم يتقلص، خاصة وأن الطابع الغالب على البلاد يتصف بالتمدن، مقارنة مع دول مجاورة مثل ليبيا أو النيجر.

وحدد قانون الانتخابات المعدل نسبة العتبة بخمسة في المئة، لمنع تفتيت مقاعد البرلمان على عدد كبير من الكتل السياسية، وهذا يخدم الأحزاب الكبيرة، لكنه يمثل مقصلة للقوائم الحرة. فأغلب المرشحين الشباب في القوائم المستقلة لا يملكون خبرة واسعة في العمل السياسي وإدارة الحملات الانتخابية، باستثناء أولئك الذين حرموا من الترشح ضمن أحزابهم، فشكلوا قائمة مستقلة.

ورغم غياب معاهد لسبر الآراء في الجزائر، فإن عدة أحزاب خاصة الإسلامية منها تملك قاعدة بيانات لعدد من مناضليها وتوزيعهم على حسب الولايات التي لها قواعد شعبية فيها، وهذا ما يفتقده المرشحون الشباب المستقلون.

ولجأ المرشحون المستقلون في حملة انتخابية فاترة إلى شبكات التواصل الاجتماعي، وإلى الاتصال الجواري المحدود في إطار العائلة أو الأصدقاء ومحيطهم، فيما لوحظ قلة للتجمعات الانتخابية التي ميزت الحملات الانتخابية للأحزاب.

وبالنظر إلى أن المستقلين عادة ما يكونون شخصيات مغمورة في ولاياتهم فإنه من الصعب عليهم تجاوز عتبة الخمسة في المئة، لكن نقطة قوة القوائم المستقلة، عدم ثقة الكثير من الناخبين بالأحزاب التي تم تجريبها في أكثر من مناسبة انتخابية ولم تحقق لهم ما كانوا يأملونه منها.

Thumbnail

ويقدم المرشحون المستقلون أو جزء منهم أنفسهم على أنهم بديل للأحزاب باختلاف توجهاتها، والتي تراجعت شعبيتها إجمالا، بدليل نسب المشاركة الضعيفة، وأيضا الأوراق البيضاء التي تعبر عن عدم رضا الناخبين عن القوائم المرشحة.

ويقول مراقبون إن النواب المستقلون قد يشكلون قوة وازنة في البرلمان من حيث العدد، ويثير صعودهم قلق الأحزاب، التي ترى بأنهم لا يملكون القدرة على تقديم إضافة فعلية للعمل البرلماني.

وعلى الرغم من غيابهم عن انتخابات عام 1991 التي لم تكتمل، إلا أنهم حصلوا على 11 مقعدا في انتخابات عام 1997، واحتلوا المرتبة السابعة، قبل أن يقفزوا إلى المرتبة الخامسة في انتخابات 2002، بواقع 29 مقعدا.

ورغم أنهم حققوا أفضل نتائجهم في انتخابات 2007، بعد فوزهم بواقع 33 مقعدا ليصبحوا القوة الرابعة في مجلس النواب، بعد كل من جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي (موالاة) وحركة مجتمع السلم الإسلامية، غير أنهم تقهقروا في انتخابات 2012 إلى المرتبة الخامسة ولم يحصلوا سوى على 19 مقعدا، ليعودوا في انتخابات 2017 ويحصدوا 28 مقعدا ويستعيدوا المرتبة الرابعة.

وخلال ربع القرن الماضي، لم يقدم النواب المستقلون أي مقترح قانون أو شكلوا لجان رقابة وتحقيق في قضايا فساد، باستثناء مداخلات روتينية لم تكن لتشكل علامة فارقة في تاريخ البرلمان.

7