هل يكفي الحجر المنزلي لمواجهة كورونا؟

منظمة الصحة العالمية تشهد تفاوتا في إجراءات مواجهة فايروس كورونا على المستوى الإقليمي، فلم تطبق الكثير من الدول نهجا يشمل الحكومة والمجتمع معا.
الاثنين 2020/03/23
لا يمكن الجزم بسلوك كورونا المستقبلي

القاهرة- اعتبر أحمد المنظري، مدير المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط أن إجراء العزل المنزلي والتباعد الاجتماعي وحده غير كاف لمواجهة فايروس كورونا المستجد. وانتقد، في حوار بمشاركة “العرب”، غياب الشفافية وعدم إفصاح بعض دول المنطقة عن الأعداد الحقيقية للمصابين.

لقد عكس المؤتمر الصحافي الذي عقده المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية، بمقره في القاهرة عبر “فيديو كونفرانس”، حالة القلق الشديدة لدى خبرائه من تفشي الفايروس في المنطقة. وجلس الحضور الذين لم يتجاوز عددهم السبعة في قاعة فسيحة لا تقل المسافة بين أي منهم عن ثلاثة أمتار وتبادلوا الحديث عبر أجهزة الصوت، واكتفى كل منهم بابتسامة تخلو من الترحاب الحار المعهود في مثل هذه اللقاءات.

وقال المنظري “بعض الدول في الإقليم، (لم يسمها)، تحجب المعلومات حول كورونا رغم الحالة الراهنة الحرجة”، لافتا إلى أنها “لا تُبلغ المنظمة إلا عن أقل من 20 في المئة من إجمالي حالات الإصابة المؤكدة بشكل رسمي، بما يمنع تعظيم الدروس المستفادة مت تجربة كل دولة”.

حمى السباق بين الصين والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وروسيا حول تطوير لقاح للوباء، لا تستطيع منح المكتب الإقليمي لشرق المتوسط جرعات كافية من التفاؤل

وتخطت الحالات الإيجابية المسجلة في المناطق التابعة للمكتب في الشرق الأوسط مستوى 18 ألف إصابة، وكل يوم تعلن إحصائيات تؤكد ازديادها، على الرغم من الحملات الدؤوبة لتقليل الاتصال المباشر بين الأشخاص بهدف إبطاء انتشار الفايروس.

وأكد المنظري أن الدول التي توفر المعلومات لشعوبها في الوقت المناسب بشكل دقيق وشفاف حول الحالة الراهنة لانتشار الفايروس، والتي اشتركت فيها جميع الوزارات والقطاعات بفاعلية كالقطاع الخاص والمجتمع المدني، أحرزت تقدما كبيرا في إجراءات التأهب التي يتم اتخاذها، والتدابير الواجب على الأفراد اتباعها لحماية أنفسهم وأسرهم.

وقال إن على دول المنطقة تقييم المخاطر باستمرار ووضع منظومة متكاملة للمواجهة لا تركز فقط على التباعد الاجتماعي، واتخاذ إجراءات متواصلة للتعامل مع الحالات المصابة والمشتبه في إصاباتها بشكل سريع، وتجهيز الكوادر الطبية المدربة للتعاطي مع الأزمة، وفوق ذلك كله تبادل المعلومات.

وأضاف المنظري، المتخصص في طب الأسرة والمجتمع، أن كل دولة لديها الحرية في اتخاذ الإجراءات التي تناسبها لتقليل المخاطر بما يتناسب مع إمكانياتها وقدراتها على التنفيذ، لكن توصيف كوفيد-19 بالجائحة لا يعنى التركيز فقط على فرض تدابير إضافية على السفر وحركة التجارة، بل يجب على جميع الدول الموازنة الدقيقة بين حماية الصحة، والتقليل من الاختلال الاقتصادي والاجتماعي.

أحمد المنظري، مدير المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، ينتقد غياب الشفافية في تعامل دول المنطقة مع الوباء
أحمد المنظري، مدير المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، ينتقد غياب الشفافية في تعامل دول المنطقة مع الوباء

وأوضح المسؤول أن المنظمة تشهد تفاوتا في إجراءات مواجهة الفايروس على المستوى الإقليمي، فلم تطبق الكثير من الدول نهجا يشمل الحكومة والمجتمع معا، ما يسمح بالتأهب والاستجابة بفاعلية، فالحكومات على أعلى مستوياتها عليها الالتزام الكامل بمكافحة الوباء، وليست الأمر من مسؤولية وزارات الصحة فقط.

وتزيد بعض السياسات الحكومية المتعلقة بمكافحة المرض الطين بلة، كما يقول المنظري، فتخلق تكدسات بشرية بدلا من تقليل الاختلاط، فلا يمكن للمواطنين الالتزام بالانعزال، وعدم التحرك في خضم قلقهم من نقص الإمدادات الطبية والغذائية أو ابتعاد أماكن بيعها عن الأماكن التي يعيشون فيها.

ولا يخفي المنظري قصور القدرات المالية لدى مكتب شرق المتوسط عن الوفاء بالاحتياجات المتزايدة لمواجهة كورونا وسلسلة التنقلات المستمرة لوفوده لرؤية الأوضاع على الأرض، وتوثيق التجارب الناجحة لكل دولة على حدة للاستفادة منها في أماكن أخرى، لكنه يراهن على المانحين والشركاء في سد تلك الثغرات.

وطالب المكتب الإقليمي جميع دول المنطقة بتقوية أنظمتها الصحية لتفادي انتشار أوسع لكورونا، والتعاون المستمر في ما بينها عبر تجارب المقاومة، ومن بينها الدول التي تشهد اقتتالا داخليا مثل سوريا واليمن وليبيا، بالتعامل مع جميع الأطياف على قدم المساواة، في المناطق التي يسيطرون عليها وتنحية الخلافات السياسية جانبا.

وأشار المنظري إلى أن الدول التي تمر بصراعات داخلية لم تسجل حالات بعد، لكن ذلك لا يمنع من عدم تقديم الدعم لها، فتركيز المكتب الإقليمي حاليا على إعطائها أولوية للتأكد من وجود أنظمة ترصد اتباع الإرشادات الصحية.

ويدرك الطبيب العماني الذي سبق له إدارة مستشفى جامعة السلطان قابوس، صعوبة الوضع في الإقليم الذي يعمل داخله منذ توليه المنصب قبل قرابة العامين، ففي خطابه للمجلس التنفيذي للمنظمة إبان اختياره، أكد أن شرق المتوسط يواجه تحديات كبرى بسبب الأزمات الطبيعية والاضطرابات الاجتماعية السياسية والاقتصادية، وحدد في حينه طريقة التعامل مع الطوارئ بما في ذلك الأوبئة والأمراض السارية وغير السارية، وتعزيز النُظم الصحية.

وتمثل مشكلة اللاجئين تحديا للمكتب الإقليمي، مع وجود أكثر من 5.5 مليون لاجئ سوري في الدول المجاورة، التي غالبيتها تعاني من أزمات مالية، ويجري المكتب اتصالات على مدار الساعة مع مفوضية اللاجئين من أجل ضمهم إلى الخطط الوطنية الموضوعة لمواجهة كورونا في الإجراءات الاحتياطية أو حالات الإصابة وتوفير الخدمات الصحية لهم.

وتحاول منظمة الصحة العالمية النأي بنفسها عن توظيف أزمة كورونا بين الدول المتناحرة سياسيا في منطقة الشرق الأوسط، والتي يتم فيها توظيف وسائل إعلامية لتكيل الاتهامات حول إجراءات مقاومة الفايروس محليا أو تعطي أرقاما غير مؤكدة حول أعداد المصابين.

وبدا المنظري مقتنعا تماما بأن البيانات هي المشكلة الأساسية التي تواجه منظمة الصحة العالمية حاليا في التعامل مع كورونا المستجد، فرغم العشرات من الدراسات الصادرة عن باحثين في المجال إلا أنها غير كافية لفهم ديناميكية الوباء التي يتم عبرها التحديد السليم لتدابير المكافحة المطلوب تنفيذها، وتقدير طبيعة الضغوط التي تواجهها البلدان في الاستجابة لها.

تخطت الحالات الإيجابية المسجلة في المناطق التابعة للمكتب في الشرق الأوسط مستوى 18 ألف إصابة، وكل يوم تعلن إحصائيات تؤكد ازديادها

ولا توجد معلومات حتى الآن حول عودة الإصابة مجددا لبعض المتعافين، فمعروف أن تعافي أي شخص بالمرض يمنحه بعض المناعة، لكن الدراسات المتعلقة بكورونا عاجزة حتى الآن عن حساب المناعة التي قد يكتسبها الشخص قبل إمكانية الإصابة مرة أخرى.

وحمى السباق بين الصين والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وروسيا حول تطوير لقاح للوباء، لا تستطيع منح المكتب الإقليمي لشرق المتوسط جرعات كافية من التفاؤل، ففي رأي المنظري لا تزال المحاولات في مراحلها الأولى، وتجربة اللقاح ستستغرق مدة طويلة قد تمتد من عام إلى اثنين.

ويتفق البعض من الخبراء على أن الفايروسات التاجية ليست سريعة التحوّر، لكن مسؤولي منظمة الصحة لا يمكنهم الجزم بسلوك كورونا المستقبلي، وأمامهم الكثير من العقبات لمعرفة طبيعة الفايروس وتتبُّع انتشاره عن كثب، وتوثيق التقدم المُحرز في التدبير العلاجي للمرضى، وسرعة تطبيق تدابير الصحة العامة المعتمدة والتي تساعد على احتوائه.

6