هل يكفي تجميع الأسماء لإقامة مهرجان شعري؟

أيام قرطاج الشعرية، في نظر الكثيرين، لم تكن حاجة احتفالية أملتها ظاهرة فنية كما هو الحال بالنسبة للمسرح والسينما والموسيقى، بل جاءت نوعا من الترف المهرجاناتي.
الجمعة 2019/03/22
هناك وجوه أخرى للشعب

بعد دورة أولى كانت مثار جدل في الساحة الشعرية التونسية، تأتي تظاهرة أيام قرطاج الشعرية في دورة جديدة، تحاول من خلالها ترسيخ فعالياتها كوجهة للشعراء التونسيين والعرب والأجانب، ولكن يبقى الجدل رفيق هذه التظاهرة، حتى قبل انطلاقها الفعلي.

تحت شعار “احتفاء بالشعر.. احتفاء بالحياة” ينطلق في مدينة الثقافة بالعاصمة التونسية مهرجان أيام قرطاج الشعرية في نسخته الثانية، وتمتد من 22 إلى 29 مارس، تحت إشراف وزارة الثقافة التونسية، وبإدارة الشاعرة جميلة الماجري.

يشارك في المهرجان ما يقارب الأربعين شاعرا من الإمارات والسعودية ومصر والعراق والسودان وفلسطين وليبيا وسوريا ولبنان واليمن والمغرب والجزائر والأردن والكويت وسلطنة عمان، إلى جانب شعراء تونسيين. وكذلك نجد شعراء من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وروسيا والمملكة المتحدة.

أيام شعرية

تتضمّن هذه التظاهرة، أمسيات شعرية ومنابر حوارية وعروضا فنية، فضلا عن رصد ثلاث جوائز للفائزين في مسابقات “الجائزة الكبرى” و”العمل الشّعري البكر” و”المخطوط الشّعري الأوّل”. تُفتتح الأيام بحفل موسيقيّ للتونسي عبدالرّحمن العيّادي، يحتضنه مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة، تليه قراءات شعرية لكلّ من حبيب الصّايغ (الإمارات) ومحمد الغزّي (تونس) وسامي مهدي (العراق) وراشد عيسى (الأردن) وجاسم الصحيح (السعوديّة) ومحمّد البريكي (الإمارات) وشميسة النّعماني (سلطنة عمان) وعلا خضارو (لبنان) وأماني الزّعيبي (تونس).

وتنطلق أولى المنابر الحواريّة في 24 مارس بقاعة محاضرات معهد تونس للترجمة، تُخصّص أشغالها لـ”أزمة نقد الشعر”. أمّا المنبر الحواري الثاني، فيُنتظم في 25 مارس، ويبحث المشاركون فيه مسألة “الشّعر وما بعد الحداثة”. ويتطرّق المنبر الحواري الثالث في 27 مارس، إلى محور “الشعراء الروائيّون”. أما المنبر الحواري الرابع، فينتظم في 28 مارس بعنوان “شعراء مترجمون”.

وبرمج القائمون على التظاهرة يومًا للشعر العربي (23 مارس)، كما تحتفي الأيام أيضا بالشعر بلغات أجنبية، حيث ستخصّص أمسية 24 مارس للشعر الفرنسي و25 مارس للشعر الإسباني ثم الشعر الروسي في 26 مارس، يليه يوم الشعر الإيطالي (27 مارس). وسيكون روّاد التظاهرة على موعد مع أمسيتيْن للشعر الشعبي. كما أعدّت الهيئة المديرة للأيام مجموعة من السهرات الموسيقية.ويُسدل الستار على المهرجان في 29 مارس بقراءات شعرية وتويج الشعراء الفائزين في المسابقات الثلاث.

دون خيمة نقدية

المهرجان يجب ألاّ يكون مجرد تجميع عشوائي لأصوات متباينة كمّا وجودة ليقول المشرفون إنهم أسسوا مهرجانا شعريا
المهرجان يجب ألاّ يكون مجرد تجميع عشوائي لأصوات متباينة كمّا وجودة ليقول المشرفون إنهم أسسوا مهرجانا شعريا

بعد هذا البرنامج الذي يبدو مكتظا ومتنوعا، وقد أعلنت عنه الهيئة المشرفة على المهرجان في ندوة صحافية تعالت فيها أصوات تحتج على ما أسمته حالات إقصاء أو انتقاء لبعض الأسماء دون غيرها في المشهد الشعري التونسي، غامزة باتهام اللجنة المنظمة بالمحسوبية والمحاباة على غرار ما يحدث في بقية التظاهرات التي تشرف وتغدق عليها وزارة الثقافة، يطرح السؤال نفسه: هل أن تونس، تحتاج، فعلا، إلى مهرجان بهذا الحجم الموسّع كي تقول إن لديها حركة شعرية صاعدة تحتاج إلى الرعاية والاحتضان، وإقامة الملتقيات التي من شأنها أن تخصب المشهد الشعري بالتفاعل والنقاش أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تجميع عشوائي لأصوات متباينة في الكم والجودة والتأثير لكي يقول المشرفون على هذه التظاهرة إنهم أسسوا مهرجانا شعريا؟ ثم ما معنى الزج بأسماء من مختلف المشارب والاتجاهات والمستويات في متاهة مسابقة وجوائز وتتويجات تقررها لجنة تحكيم مجهولة الأعضاء، ولا يقع الإفصاح عنهم إلا في الاختتام تحت ذريعة “المصداقية”.

 كثيرون يقولون إن كثرة وتنوع المهرجانات في تونس تقليد حميد وليس غريبا على هذا البلد الذي عُرف بثقافته الاحتفالية، لكن البعض يرى فيها نوعا من الهوس والحمّى بل شكلا من أشكال “الجعجعة الثقافية” التي تخفي وراءها محسوبيات ومصالح فئوية. ومهما يكن من أمر، فإن السؤال الملحّ هو هل أن الشعر التونسي الذي مازال في مجمله “تفعيلي النزعة”، كلاسيكي الطرح والملمح، وبالكاد نذكر منه شاعرين أو ثلاث كسروا الطوق المحلي، وسجلوا حضورا عربيا لافتا، يستحق مهرجانا بهذا الصخب الإعلامي على شاكلة السينما والمسرح، وحتى الغناء والموسيقى؟

وفي هذا الصدد علق أحد النقاد الساخرين على نزعة الاحتفاء بما هو نادر وعزيز الوجود بقوله “هل رأيتم بلدا غير ساحلي يقيم مهرجانا للأسماك؟ إن الأمر يشبه سوقا للتمور في أسكتلندا، مثلا”.

قد تكون هذه المقاربة قاسية، وتجانب الإنصاف في بلد أنجبت أبا القاسم الشابي، الشجرة التي أخفت غابة الشعر التونسي لعقود طويلة، ومن قبله الحصري القيرواني، صاحب “يا ليل الصب”، كما أوضحت مديرة الدورة جميلة الماجري في الندوة الصحافية. رافق الشعر تاريخ تونس منذ القدم، وارتبط بالحركة الوطنية والإصلاح الاجتماعي، ذلك أن أحد رواد تحرير المرأة كان شاعرا في ثلاثينات القرن الماضي، وهو الطاهر الحداد. هذا بالإضافة إلى الشعر الشعبي التونسي الأشد التصاقا ببيئته، والأكثر ابتكارا وتجديدا في مواضيعه وصوره الفنية من الشعر الفصيح كما تؤكد دراسات نقدية حديثة.

تقول الهيئة المشرفة على أيام قرطاج الشعرية، في تساؤل يبدو مشروعا، بأنه ينبغي تسجيل أمر في غاية الأهمية والحساسية، وهو أنّ أسماء الشّعراء كانت تفوق دائما أسماء النّقّاد، وهذا دليل على أنّ الخطاب الشّعريّ يفوق كمّا الخطاب النّقديّ، ممّا يجعل متابعة النقّاد للإبداع الشعري محدودة.

وتضيف الهيئة التي تحوي نقادا قد يتهمهم البعض بالجمود والكلاسيكية، بأن تجارب الشّعر ما فتئت تبتعد، بثورتها على الأغراض والأوزان والاستعارات التقليديّة وبحثها عن الجديد عن أفق انتظار القارئ ابتعادا يتفاقم كلّ يوم، ممّا جعل تقبّل الشّعر وقراءته وتذوّقه ونقده مأزوما. هذه الأزمة يعسر تشخيصها. فهل هي أزمة نصّ شعري أم أزمة النصّ النّقدي؟ أم هي أزمة مسافة وتواصل أم هي أزمة تربية وثقافة؟

لا بد من القول في هذا الصدد، بأن تجارب شعرية كثيرة ظلت منفردة دون حاضنة نقدية، ومع الزمن، وقع إهمالها وتناسيها. فمشكلة المنشغلين بهموم الشعر ونقده في البلاد العربية، أنهم لا يلتفتون إلا إلى “النجوم” وكأنهم بذلك يركضون نحو “نجومية نقدية” تخصّهم، ولا يريدون المغامرة بتناول أعمال لشعراء خارج الأضواء، فسقطوا في آفة تلميع الملمّع وتهميش المهمّش.

مشكلة العرب المنشغلين بالشعر ونقده، أنهم لا يلتفتون إلا إلى "النجوم" وكأنهم يركضون نحو "نجومية نقدية" تخصهم

محنة النص الشعري أنه ـ وعلى عكس الأجناس الأدبية والفنية الأخرى ـ لا يتطلّب تعقيدات إنتاجية، إذ يبدو سهل الأدوات، وفي متناول كل من توفر لديه جمهور افتراضي على صفحات التواصل الاجتماعي أو حتى حقيقي، في المقاهي والحانات، وبعض الأندية والمنابر الضيقة، لذلك ـ وبسبب كل ذلك ـ وقع النص الشعري في شر سهولة أدوات انتشاره، لكنه، وفي المقابل، يعاني صاحبه من ندرة أو انعدام المنابر النقدية المتخصصة.

والجمهور العريض كسول بطبعه إزاء فن الشعر، ويكتفي بنجمين شعريين أو ثلاث على أقصى تقدير ثم ينظر إلى البقية بعين الازدراء وعدم الاهتمام. أمر آخر في غاية الدقة، ولم يوله النقاد الاهتمام الكافي أو هم غضوا الطرف عنه في الاهتمام بالأصوات الشعرية الصاعدة.

الحقيقة أن أيام قرطاج الشعرية، في نظر الكثير من المهتمين، لم تكن ضرورة حتمية وحاجة احتفالية أملتها ظاهرة فنية كما هو الحال بالنسبة للمسرح والسينما والموسيقى، بل جاءت نوعا من الترف المهرجاناتي، يود أن يسجل حضوره أسوة ببقية الفنون في بلد متخم بالمهرجانات الفنية.

الشعراء بطبعهم أصوات منفردة وطيور تغرد خارج أسرابها، فما الداعي لمحاولة جمعهم في تظاهرة ستزعج حتما كل من وقع استثناؤه أو حرمانه من تكريم أو من جائزة؟ ولماذا تتحرش الهيئة المنظمة في عش دبابير، يقول قائل؟ أما كان الأجدر أن تكرّم الهيئات الثقافية الشعراء بطبع دواوينهم، وتلتفت إليهم المنابر الإعلامية بالمزيد من الاهتمام وتسليط الضوء على أعمالهم بدل “إغاظتهم” بمهرجانات ذات صبغة انتقائية؟ أسئلة تبدو متسرعة وسابقة لأوانها في دورة مازالت في مرحلة التأسيس، وتتلمس ملامحها وآفاق تطورها في ثقافة عربية لطالما قيل إنها جعلت من الشعر ديوانا لها.

14