هل يكون الدستور التونسي الجديد محل توافق؟

الثلاثاء 2014/01/21
القوى السياسية أبدت رغبتها في الوصول إلى دستور

المصادقة على دستور تونس الجديد ستمثل نقطة أولية في مسار الانتقال الديمقراطي، ذلك أن المرحلة النهائية شارفت على الختام حيث ناقش أعضاء المجلس التأسيسي جميع الفصول ولم يبق إلا الفصول المتبقية ضمن الباب الأخير المتعلق بالأحكام الانتقالية إلى جانب العودة إلى عدد من الفصول التي لم يتم التوافق عليها سابقا.

وقد عرفت العديد من الفصول خلافات وتجاذبات واضحة وشهدت الجلسات منذ انطلاقها في الثالث من الشهر الجاري توترا ونقاشات حامية بين الكتل النيابية خاصة حول الفصول المرتبطة بصلاحيات رئيسي الجمهورية والحكومة ضمن باب السلطة التنفيذية وعدد من الفصول المرتبطة بباب السلطة القضائية إلى جانب فصول أخرى في باب الحقوق والحريات، لكن لجنة التوافقات نجحت في تجاوز النقاط الخلافية بين الإسلاميين والمعارضة والتوصل إلى صيغ مرضية لمختلف الحساسيات. وحافظ الدستور التونسي الجديد وهو الثاني في تاريخ البلاد بعد دستور عام 1959 لدولة الاستقلال على مكاسب مهمة ترتبط أساسا بحقوق المرأة والدولة المدنية لكنه عزز في المقابل أيضا المطالب التي قامت عليها الثورة بأن منح تمييزا إيجابيا للتنمية في المناطق الأكثر فقرا.

ونعرض هنا موقفين متباينين من الدستور التونسي الجديد الأول لرضا بلحاج الناطق الرسمي باسم حزب التحرير الذي يرى أنّه دستور مرفوض ويخالف الشريعة والثاني لعياض بن عاشور أستاذ القانون الدستوري الذي يذهب إلى أن الدستور الجديد يعدّ مقبولا بصفة عامة وله نقاط قوة.


وقعت صياغته وفق توافقات وإكراهات غربية

بلحاج: الدستور التونسي "كارثة"


يصف رضا بلحاج الدستور التونسي الجديد بالكارثة والفضيحة، قائلا إن “الدستور الجديد يخالف العقيدة الإسلامية ويخالف أحكام الشرع، ووصفه أيضا بالدستور الاستعماري، معللا ذلك بأن الدول الاستعمارية هي التي تقف وراء صياغته”.

ويقول بلحاج: “نحن نحمل أعضاء المجلس التأسيسي المسؤولية أمام الله والشعب وكذلك التاريخ لأن الدستور الحالي معادٍ للإسلام، لأن صياغته وقعت وفق توافقات وإكراهات غربية ووفق أحداث سياسية مصطنعة حتى يكون هذا الدستور خاليا من عناوين الثورة”.

وينتقد رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير تدخل جهات أجنبية حتى في صياغة ألفاظه، قائلا إن هذا الدستور ليس إلا وضعية تسلطية علمانية أتت لاغتصاب الفكر الإسلامي، حسب تعبيره، ويؤكد بلحاج أن الدساتير لدى الأمم هي تجسيد لما هو ثابت في الشعوب إلا أن الدستور التونسي أنشئ في غرف مغلقة وتحت وصاية غربية.

ويذهب رضا بلحاج إلى أن حزب التحرير طرح منذ مدة بديلا إسلاميا من خلال دستور يوافق الشرع ووفق أحكام شرعية مضبوطة، مثل أن السيادة عندنا للشرع وللأحكام الشرعية والسلطة بيد الأمة والأمان بيد أهل البلد، ويعتبر أن عدم التنصيص على مناهضة كل أشكال التطبيع مع إسرائيل في الدستور بالفضيحة الكبرى. ويعلن حزب التحرير، على لسان رضا بلحاج أنه “لن يترشح للانتخابات رغم حصوله على تأشيرة العمل الحزبي القانوني، كي لا يكون شاهد زور على ما يقع”.

وعن الدعوة إلى حل حزب التحرير، قال بلحاج إن من دعا إلى ذلك هو مكلف بمهمة ونحن نعرف الجهة التي تحركه ولا نلقي لها بالا، لأن حزب التحرير موجود في تونس منذ السبعينات، وقال في تصريحات سابقة أن حزبه منع عدة مرات من عقد ندوات صحفية وكانت إدارات النزل تتعلل دائما بعدم حصول الحزب على الترخيص القانوني.

ويذكر بلحاج أن دستور “دولة الخلافة” الذي أعده حزب التحرير هو “مشروع بديل لتونس” لبناء “دولة إسلامية تسعى إلى تحقيق الرفاه للجميع استنادا إلى مبادئ الشريعة الإسلامية”، ويرى أن الهيئات التي تشكلت بعد الثورة وعلى رأسها الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة تمت بطرق وبأساليب دبرت بليل لتبقى ثورة 14 يناير وفق رأيه “رهينة المساومات والمحاصصة الحزبية الضيقة”.

ويعتبر رضا بلحاج أن الانتخابات الحقيقية في تونس “حدثت يوم خرج الآلاف من التونسيين إلى الشارع للتعبير عن رفضهم المساس بالمقدسات”، داعيا السياسيين إلى “قراءة ما يختزن في عقول ونفوس المواطنين وخاصة الشباب من صحوة وانحياز لمبادئ الدين الإسلامي”.

ويرى أن حزبه يعتبر أن المشروع الحالي للدستور لا يستمد مرجعيته من الشريعة ويتضمن ثغرات معتبرا إياه (الدستور) نوعا من أنواع الالتفاف على الثورة واحتقارا لها، مبينا أنه يفتقد أي عنوان من عناوين الثورة الحقيقية رغم أنه أمّ القوانين.

كما يذهب إلى أن الدستور خليط من التلفيقات والتسويات والترضيات باسم التوافق بين أيديولوجيّات نكرة لا وجود لها في الشعب والأمّة، قائلا: “هناك تعمّد لوضع كل ما يهيئ لإزاحة الإسلام حتى في التفاصيل عن العلاقات العامّة وشؤون البلاد والعباد في ما هو حق وفي ما هو عدل”.


مقبول بصفة عامة ويحتوي نقاط قوة

بن عاشور: هناك بعض الإشكالات في الدستور


على خلاف بلحاج يؤكد عياض بن عاشور أن الدستور الذي تتم مناقشة فصوله في المجلس الوطني التأسيسي يعد مقبولا بصفة عامة وله نقاط قوة على غرار الفصل الثاني الذي يؤكد على مدنية الدولة والفصل 6 المتعلق بحرية الضمير رغم وجود بعض الإشكالات في بعض الفصول.

ويضيف بن عاشور على هامش مشاركته في الندوة التي عقدتها شبكة عهد للثقافة المدنية حول الموقف من الدستور التونسي الجديد أن الفصل 45 المتعلق بالمساواة والتناصف بين الرجل والمرأة والفصل 48 المتعلق بشروط تحديد الحريات التي تطابق المعايير الدولية تعد أيضا جوانب إيجابية جدا في الدستور. ويشير الخبير القانوني إلى وجود بعض الإشكالات في الدستور وخاصّة الفصل 38 والذي يركز على الهوية قائلا: “يمكن لحكومة تميل إلى الاستبداد أن تجعل من هذا الفصل أداة للقمع عبر غرس مسائل الهوية في ذهن الناشئة وهي مسائل يختلف تأويلها حسب وجهة النظر إن كانت حداثية أو متزمتة ومحافظة وهو ما يجعله فصلا خطرا حسب تعبيره”. ويوضح أنّه كان أحرى وأولى التركيز على الهوية التونسية ومبادئ الحداثة والانفتاح على العلوم واللغات الأجنبية في هذا الفصل ملاحظا صعوبة تعديله، لأنّه سيفتح الباب للتراجع في فصول أخرى تمّ التصويت عليها وهو باب يصعب غلقه.

ويبرز بن عاشور أنّ الحلول التوافقية التي تمّ التوصل إليها في باب السلطة القضائية والفصول المتعلقة بالمحكمة الدستورية تعدّ قفزة لا بأس بها في مجال تحسين الدستور في باب السلطة القضائية. لكن بن عاشور يحذر من أن المشروع “النهائي” لدستور تونس الجديد الذي نشره المجلس الوطني التأسيسي(البرلمان)، يؤسس في آن واحد لدولة “دينية” وأخرى “مدنية”.

وجاء التحذير خلال مؤتمر نظمته “الجمعية التونسية للقانون الدستوري” و”جمعية البحوث في الانتقال الديمقراطي” غير الحكوميتين. ويقول بن عاشور: “هناك تناقض في الفلسفة العامة لهذا الدستور، فهو من ناحية دستور متجذر في منطق الدولة المدنية ومبادئ المواطنة وعلوية القانون والفصل بين السلطات، ولكنه يتحدث من ناحية أخرى بمنطق الدين مع ما يترتب عن ذلك من آثار على دور الدولة وطبيعتها”.

ويتساءل: “لا أعرف كيف يمكن لنا أن نوفق بين منطق الدولة المدنية ومنطق الإسلام دين الدولة؟”. ويضيف أن المشروع “يقول إن الدولة راعية للدين وحامية للمقدسات، ولكنه يدرج في الوقت نفسه “حرية الضمير” وهي الحرية الأكبر على المستوى الديني، وهي الوحيدة التي تسمح لإنسان له دين موروث أن يترك دينه إما لدين آخر، وإما لفلسفة لا دينية (الإلحاد) وهذا تناقض”. ويتساءل بن عاشور: “أمام هذه الأفكار المتعارضة والمتنافرة كيف يمكن لنا أن نطبق الفصل 144 من الدستور الذى يقول “تفسر إحكام الدستور، ويؤول بعضها البعض كوحدة منسجمة” والحال أن الدستور ليس وحدة منسجمة وإنما وحدتان غير منسجمتين”.

ويعتقد أن هذا هو الإشكال، فالدستور مزدوج الخطاب مزدوج الأحكام مزدوج الطبيعة، ومع ذلك يراد له أن يكون دستورا موحدا منسجما”.


الدولة المدنية ضامنة لحماية الحريات


سعت كل النخب السياسية ما بعد ثورة 14 يناير في تونس إلى وضع أسس واضحة وقوانين حامية للمؤسسات المدنية رغم التباين في وجهات النظر والخلافات البينية في المواقف.

والجدل الذي رافق المصادقة على مشروع الدستور التونسي يؤكد هذا المنحى على اعتبار الرغبة التي بدت من قوى سياسية في الوصول إلى دستور يضمن الحريات ولا يعيد الاستبداد ويحمي الحقوق ويضع الجميع سواسية أمام القانون، فقد عبرت كتل في المجلس التأسيسي التونسي على رغباتها الجلية في دستور يحافظ على مدنية الدولة ويبعده على تغول الجانب الديني الذي سعت أطراف في النهضة الإسلامية إلى تمريره.

ومن الأحزاب التي أصرت على دستور مدني، التحالف الديمقراطي والجبهة الشعبية وحزب المسار ونداء تونس التي عبرت جميعها عن أن الدستور التونسي الجديد لا يجب أن يؤسس لدولة دينية وإنما العمل على بناء دولة ديمقراطية ضامنة للحريات والحقوق، ونجحت تلك الجهود مثلا في تأكيد بعض الفصول على ضمان حقوق المرأة وتساوي المواطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات.
الحلول التوافقية التي تم التوصل إليها في باب السلطة القضائية والفصول المتعلقة بالمحكمة الدستورية تعد قفزة لا بأس بها في مجال تحسين الدستور

وينص الفصل 45 على أن تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها وتضمن تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات في جميع المجالات وتحقيق التناصف بين الرجل والمرأة في المجالس المنتخبة وتتخذ الدولة تدابير للقضاء على العنف ضد المرأة. أما الفصل 20 فينص على أن “المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز. تضمن الدولة للمواطنين والمواطنات الحقوق والحريات الفردية والعامة وتهيء لهم أسباب العيش الكريم”.

كما ترغب أغلبية أفراد الشعب التونسي من منظمات وجمعيات ونشطاء من المجتمع المدني في إنجاز دستور يكرّس مدنية الدولة ويؤسس لنظام جمهوري يقوم على الديمقراطية ويضمن التداول السلمي على السلطة.

غير أن هذه الرغبات والأماني تصطدم دائما ببعض الساعين إلى الحد من المؤسسات المدنية من خلال التركيز على الرؤية الخاصة التي يتبناها بعض صقور حركة النهضة الساعية إلى إثارة بعض الخلافات والتمسك بمطالب حزبية ضيقة.

من ذلك ما أثاره مؤخرا القيادي في الحركة الصادق شورو الذي اعتبر أن دستور بلاده الجديد “ولد ميتا”، ما دفع العديد من النواب إلى استنكار مثل هذه المواقف التي وصفت بـ”الجنائزية”.

وقال شورو: “إن الدستور الجديد لتونس جاء ليرضي كل الأطراف الداخلية والخارجية، إلا الشعب وقليل من النواب في هذا المجلس، وأنا منهم”. وأثارت تصريحات شورو حفيظة العديد من نواب المجلس التأسيسي، منهم الصحبي عتيق، رئيس كتلة حركة النهضة بالمجلس التأسيسي، الذي قال إن ما ورد على لسان شورو”لا يُعبّر عن موقف حركة النهضة، ولا يلزمها”.

كما لقيت تصريحات القيادي الآخر في النهضة الحبيب اللوز بخصوص القيادي في الجبهة الشعبية المنجي الرحوي والتي يتهمه فيها بعدائه للدين الإسلامي وانتمائه للفكر العلماني الذي يتوتر من كلمة الإسلام الرفض التام. ورغم كل هذا الجدل إلا أن الشعب التونسي يطمح إلى دستور يحافظ على الدولة المدنية التي تدعم الحريات وتكرس الديمقراطية.

12