هل يكون حل المسألة اللغوية في الجزائر باستلهام الدرس الهندي

يثير هذا المقال السؤال حول المسألة اللغوية في الجزائر، انطلاقا من وضع الغة الأمازيغية في المجتمع الجزائري بوصفها لغة مكون أساسي من مكونات الهوية الوطنية في البلد الشمال إفريقي والذي يوصف بأنه بلد عربي عضو في الجامعة العربية. وتعتبر المشكلة اللغوية في الجزائر مشكلة موروثن من الزمن الاستعماري، ولم تتمكن الدولة الوطنية غداة الاستقلال وعلى مدار أكثر من نصف قرن من حل المشكلة، لا على صعيد لغوي ولا على صعيد ثقافي ولا على صعيد اجتماعي، وبالتالي تفاقمت المشكلة لتتجول مع ما لابسها من تعقيدات إلى مشكل سياسي، وقضية عامة متفجرة ليس فقط في فضاءات النخب، كما كانت من قبل، ولكن في الشارع أيضا، انقسمت من حولها البلاد إلى تيارين عريضين، لايني الصراع بينهما يستعر، لا سيما في ظل وجود متشددين صقور على كلا الجانبين. هنا في هذا المقال محاولة لقراءة المستجدات التي طرأت على الصراع اللغوي في الجزائر مؤخرا.
الخميس 2016/01/28
من يخاف من الأمازيغية

العام الجديد لم يبدأ، على ما يرام، في الجزائر، فقد انتعش، مجددًا، «الصّراع» اللغوي، بين معسكر «اللغة العربية» ومعسكر «الدّاعمين للغة الأمازيغية»، وازداد حدّة، بعد الإفراج عن مسوّدة تعديل الدّستور، التي تضمّنت، في المادّة الثالثة مكرر منها، إدراج الأمازيغية كلغة رسمية ووطنية، والتزام الدّولة بدعمها وتطويرها، هكذا تعالت أصوات رافضة للخيار ذاته، قابلتها أصوات أخرى أكثر «تعصبا» في تشبثها بالحقّ في دسترة الأمازيغية، فإلى أين ستؤول الأمور مستقبلا؟

من الإجحاف حصر الأمازيغية في بعدها اللّساني فقط، فهي واحـد من الثّوابت الهويـاتي للأمـازيـغ (أكثـر مـن 25 بالمئـة مـن التعداد السكاني الإجمالي)، ومن المبالغة أيضا أن يتهجم البعـض على العـربيـة، وعلى تاريخ التعريب في الجـزائر، بحكـم أن العـربية هي اللغة الغالبة في البلد، لهـذا بات من الضروري التفكيـر في إيجـاد منطقـة وسطـى، للجمـع بين هاتين اللغتين المختلفتين، والسماح لهمـا بالتّعـايش في بلـد واحد.

قد يبدو الأمر، من وجهة نظر طوباوية، هينا، وأن قرارا سياسيا سيسمح للعربية والأمازيغية، بالاقتراب من بعضهما بعضا، لكن الأمر ليس كذلك، فالأمازيغية تشكّل «عقدة» لدى البعض، نظرا لارتباطها بمكوّن إثنوغرافي صدامي، وتشبعها بتاريخ الأمازيغ العريق، ليس في الجـزائر وحدهـا، بـل في دول شمال أفريقيا إجمالا، يُضاف إلى ذلك أن غالبية «الرّافضين» لدسترة الأمازيغية، يستندون في رفضهم لجهلهم بهذه اللغة، وعـدم تحكمهـم فيهـا، ممـا يجعلهم أمام خيـار صعـب، فالعـدد الأكبر من الجزائـريين لا يتحـدّثون الأمازيغية ولا يفهمونها، من هنـا تتأتى «مقـاومتهم» للقرار السّياسي، الذي يرى فيه البعض «تحرشا» بمكتسباتهم اللغويـة العـربيـة، التـي ترسخت منذ الاستقلال (1962).

منذ الاستقلال، تأسست الدولة الجزائرية على المركزية، وعلى الإفراط في توظيف مفهوم «السّيادة الوطنية»، تكوّرت الدّولة حـول نفسهـا، وكرّست العربيـة كلغـة وحيـدة في البلد، رغم أن الغالبية من الشّعـب لـم تكـن تتحكم في هـذه اللغـة، وتتـواصـل بالفـرنسية، التـي كـانت ومـا تـزال لغـة رسميـة غيـر معترف بهـا، «غنـيمـة حـرب» لـم تتنــازل عليهـا شرائح واسعـة مـن الشعـب، ومعهـا الإدارة.

كما إن الإسراف في التمسك بنموذج «الدّولة القومية» أو «الدولة الأمة»، في بلد يعرف تنوعًا عرقيًا، عزز منطق «الإقصاء» الممنهج للاختلاف، ووضع «الأمازيغية» لعقود، في خانة غير المرغوب فيها، مما ساهم، بالمقابل، في الرّفع من حدّة التّعصب عند الأمازيغ، الذين خرجوا في «ثورتين مجهضتين»، عامي 1980 و2001، للمطالبة بحقّهم في المساواة اللغوية.

في الجزائر الأمر مختلف، فالأمازيغ يستمدون مطلبهم اللغوي من عمقهم التاريخي، ومن أحقية سوسيو-تاريخية

قد يذهب البعض للقول إن ترسيم لغة واحدة يُساعد على تمتين «وحدة الأرض والشّعب»، وهو منطق صائب، مال إليه الماهاتما غاندي (1869-1948)، عقب استقلال بلده، في مسعاه لتوحيد الهند المتعدّد لغويًا، والتّشبث بلغة واحدة، وتعميمها على كامل جغرافيا الوطن، هو طرح سيقلّل – نظريًا – من حدّة الصّراعات الدّاخلية، ومذهب تبنته دول أوروبية، على غرار فرنسا وإنكلترا وأسبانيا، التي ألغت التّعددية اللغوية داخلها لصالح لغة واحدة جامعة.

لكن في الجزائر الأمر مختلف، فالأمازيغ يستمدون مطلبهم اللغوي من عمقهم التّاريخي، ومن أحقية سوسيو-تاريخية في امتلاك المكان قبل وصول العرب والعربية بقرون، واستبعاد لغتهم ينظرون إليه باعتباره تناقضًا مع واحدة من مواد الدّستور الجمهورية التي تقرّ بالمساواة، وهو ما لا يُشاركهم فيه المدافعون على خيار اللغة الواحدة للبلد: العربية، الذين ينظرون للأمازيغية باعتبارها من بقايا «ماضٍ متوحّش»، في ظلّ هذا التّفكّك، وإصرار كلّ واحدة من الطّرفين على موقفه، باتت الجزائر تقسّم، من الدّاخل، جغرافيًا، بحسب اللغة المستعملة في كلّ منطقة، ويتداول الجزائريون، فيما بينهم هذه التّقسيمات المناطقتية: هؤلاء عرب وهؤلاء أمازيغ! هذا الواقع يعزّز الصّدامات، بسبب اللغة وباسم الانتماء، في المدرسة وفي الجامعة، في الشّارع وفي الإدارة.

العامل اللساني الأمازيغي ليس يحدّ فقط في اللغة، هو – كما أسلفنا – جزء ثابت من هوية واحد من شعوب شمال أفريقيا، فهل ستنحاز الجزائر لخيار «الوحدة في التّنوع»؟

بالعودة إلى النّموذج اللغوي في الهند، سنجد تقاطعات مع الحالة الجزائرية، باعتبار أن الصّدام اللّساني في الهند تكرّس، خصوصا بعيد الاستقلال، وتفادت الهند مزيدًا من التّمزقات بتخليها عـن السّلطة الأحادية، التي كانت تقوم على ثـلاثية «الدّولة، اللغة، الوطن»، وأطفأت بؤر توتر بتبنيها لغتين وطنيتين رسميتين، مما سمح لها بالحفاظ على استقرار وتوازن نسبي، رغم ما يشوبه من سقطات، ورغم التّعدد الإثني الذي تعرفه، ويمكن للجزائر أن تكسب كثيرًا من الوقت باستلهام الدّرس الهندي، كي لا تتوه في حلقات مكرّرة، وتتجنّب إشعال مزيد من الخصومات بين «العربية» و«الأمازيغية»، وهي خصومات لم تظهر، كما يشير البعض، غداة الاستقلال، بل ظهرت قبل الاستقلال، فهل سيكون الدّستور القـادم، المنتـظر ترسيمه هذا العام، نقطـة بدايـة وقف الأزمة اللغوية في البلد؟

14