هل يكون مصير الديكتاتور الجديد للعراق كسابقه

الأربعاء 2014/05/28

يستنسخ حزب الدعوة الإسلامية في العراق تجربة خصمه اللدود البعث الصدامي. ولو شئنا الدقة لقلنا إن نوري المالكي وحلقته الضيقة من الأهل والأصدقاء، هم الذين بدأوا استنساخ تجربة البعث وتقليد الرئيس السابق صدام حسين في كل تفاصيل حياته السياسية والاجتماعية والنفسية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن صداما لم يكن سارقا، وقد حافظ على وحدة العراق وحدوده الجغرافية من الأطماع الإيرانية، وكانت نقطة ضعفه نزعته الدكتاتورية التسلطية التي هيّجت عليه نقمة الأميركان والغرب الأوروبي فأزاحوه عن السلطة.

كان حزب الدعوة الإسلامية بأجنحته الثلاثة المنشقة التي تشرذمت بين طهران ودمشق ولندن جزءا من المعارضة العراقية التي تطمح إلى إسقاط النظام الشمولي في العراق، ولولا جورج بوش الابن لظل الحلم قائما في مخيلات المعارضين من كل الأطياف. غير أن بوش لم يحتمل الانتظار في الرد على تفجير برجي التجارة والبنتاغون ولابد من خلق ضحية حتى وإن لم تتوفر الحجج والذرائع المنطقية. ففي الوقت الذي أيقنت فيه السي آي أي الأميركية أن الجناة الحقيقيين هم القاعدة التي تبسط نفوذها على أفغانستان، صبّت القوات الأميركية جام غضبها على العراق وأحرقت فيه الأخضر واليابس بحجة إسقاط الدكتاتورية.

وحينما تصل المعارضة إلى سدة الحكم عليها ألا تكون دكتاتورية على الأقل لأنها كانت تقاتل الدكتاتورية وتناصبها العداء كما تزعم، بل عليها أن تُثبت أنها تعمل على ترسيخ نظام ديمقراطي يحترم الحقوق العامة والخاصة، ويسمح بالعمل المعارض لها ولتوجهاتها الفكرية، لكن ما حدث هو العكس فقد مارست أجهزة المالكي كل أشكال التنكيل بالمعارضين العراقيين في الداخل حيث لجأت إلى سياسة تفكيك الكتل المعارضة، وهي ذات الخطوة التي اتبعها الرئيس العراقي السابق حينما فكك الأحزاب السياسية التي كانت متحالفة معه ومنها الحزب الشيوعي العراقي، وبعض الأجنحة من الأحزاب الكردية التي انسحبت من الجبهة الوطنية ولاذت بجبال كردستان قبل أن تتوزع في المنافي.

قام المالكي بتفكيك القائمة العراقية ذات التوجهات الوطنية التي لا تعترف بالمذهب أو الطائفة، بل تقدّم الهوية العراقية على كل الهويات الفرعية التي تحترمها لكنها لا تريد تكريسها لأن العباءة الوطنية العراقية كافية لضم الجميع، وضمان حقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

دأب المالكي على تعليق كل أخطائه على شمّاعة التحاصص التي أوجدها هو وأقطاب بيته الشيعي، وبعد ثماني سنوات من الفشل في كل الملفات، شرع في المطالبة بحكومة الأغلبية الساحقة التي تتيح له أن يعمل بحرية ودون معوِّقات، بينما لا يكف عن اعترافاته الصارخة بأنه فشل في تحقيق الأمن، وتوفير الكهرباء والمياه الصالحة للشرب، والقضاء على البطالة.

معضلة المالكي لا تكمن في خلافاته مع خصومه من البيت الشيعي، بل في نزعته الدكتاتورية وتوجهه الاستبدادي وحقده الطائفي الذي يعبِّر عنه بكلام صريح تارة، وبفلتات اللسان تارة أخرى متناسياً أن الشعب العراقي هو من الذكاء بمكان يؤهله لأن يقرأ أفكار قادته، فكيف يريد من العراقيين أن يغضوا الطرف عن توجهاته الدكتاتورية التي راح ضحيتها آلاف العراقيين، ونتج عنها تشريد لم يألفه العراق على مرّ تاريخه.

ولو أخذنا حزب الدعوة الإسلامية على علاته فقد تعرض بدوره إلى تصفيات خطيرة تمثلت بأبعاد عدد من عناصره القيادية التي ارتكبت أخطاء جسيمة في حق العراقيين، لكن الذي فعله الدكتاتور الجديد هو استقطاب أهله وأقربائه وعشيرته وصارت الدعوة الإسلامية حزبا عائليا بامتياز، إذ تمكن من إزاحة كوادر الدعوة الرئيسيين وأحلّ محلهم نماذج غير كفؤة من أهله وذويه وبعض المتملقين من “سُنّة المالكي”.

لم تكن المرجعية الدينية بعيدة عن المناخ الدكتاتوري الذي صنعه المالكي لذلك حرّمت انتخابه، لكنه لجأ إلى عملية تزوير غير مسبوقة قامت بها مفوضية الانتخابات التي تبيّن أن غالبيتها من أقربائه والمؤازرين لمشروعه الطائفي، حيث قاموا بتزوير الانتخابات ليمنحوه (92) مقعدا برلمانيا وهو لا يستطيع أن يحصل على ربع هذا العدد بعد أن ارتكب جريمة إغراق المناطق السنية المحيطة ببغداد، إضافة إلى قصفه اليومي المتواصل لمحافظة الأنبار ومدينة الفلوجة.

يسعى المالكي إلى تفكيك قائمة “متحدون” وبقية الكتل والقوائم السنية ليبقى متربعا على عرش العراق الذي يُفترض أن يكون ديمقراطياً، لكن العراقيين الشرفاء في كل الكتل، وعلى رأسها التحالف الوطني المتمثل في كتلتي المواطن والأحرار، مصرون على منعه من تحقيق الولاية الثالثة، وتكريس نهجه الدكتاتوري المقيت. فقد انتبه العراقيون إلى ألاعيبه فبعد مرحلة التزوير وشراء الأصوات يلجأ المالكي إلى عملية غير قانونية، وبعيدة عن الدستور العراقي، حينما يقدم على شراء ذمم بعض البرلمانيين بمبالغ طائلة من أموال العراقيين كي يتمكن من تشكيل حكومة الأغلبية المزعومة.


كاتب عراقي

9