هل يلتقي شرق ليبيا وغربها قريبا

عوامل تأجيل توحيد شطري ليبيا، الشرق والغرب، عديدة وتزيد من تعقيد الواقع الليبي الذي يعيش أزمة متعددة الأوجه نظرا لغياب الدولة. ومن بين تلك العوامل نجد المحاولات السياسية لتعطيل تشكيل جيش ليبي قوي يكون منتشرا على كامل تراب السيادة الليبية ويقوده شخص عارف به، لكن، تبقى مخارج هذه الأزمة موجودة، وفرص التوحيد متوفرة.
السبت 2016/10/01
تراب ليبي واحد

طرابلس - قادت قوات الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر، هجوما مباغتا، يومي 11 و12 سبتمبر الماضي، تمكنت من خلاله من السيطرة على أربعة موانئ نفطية في منطقة الهلال النفطي بعد معارك قصيرة خاضتها ضد مجموعات “حرس المنشآت النفطية”، بقيادة إبراهيم الجضران، والتي تتبع حكومة الوفاق الوطني المعترف بها أمميا.

ورغم المخاوف من أن تجر هذه الخطوة البلاد إلى مواجهة عسكرية أكبر بين الجيش الليبي وتلك القوات الموالية لـ”حكومة الوفاق”، إلا أن ردود الفعل بشأنها سواء خارجيا أو محليا جعلت منها حجرا حرك المياه الراكدة في العملية السياسية الليبية. إذ شهد الأسبوعان الأخيران تحركات مكثفة من أطراف غربية وعربية تدفع باتجاه لمّ شمل الفرقاء في الشرق والغرب الليبي، وتوحيد جهودها ضد التنظيمات الإرهابية من قبيل القاعدة وداعش، والتي يشكل تنامي تواجدها في ليبيا هاجسا للمجتمع الدولي ولدول الجوار.

وأدان الموقف الغربي الخطوة التي قامت بها قوات حفتر، وأكد على ضرورة خضوع المؤسسة النفطية لحكومة الوفاق، لكنه دفع أيضا في اتجاه الضغط على الفرقاء الليبيين من أجل إحياء الحوار السياسي بينهما وتجاوز الخلافات، وإدماج الجيش الليبي في حكومة الوفاق.

وقال الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، خلال استقباله رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فايز السراج إن “مصلحة الأسرة الدولية هي أن تكون ليبيا مستقرة وآمنة، لذا نقدم دعما مهما لجهود حكومة الوحدة الوطنية في المصالحة، والرئيس السرّاج سيأخذ مبادرات ونحن نثق به لتوسيع الحكومة كي تضم جميع الأطراف”.

وبينما لم يذكر هولاند حفتر بالاسم عندما دعا السراج إلى توسيع حكومته لتضم كل الأطراف، كان وزير الخارجية الفرنسي جان مارك أيرولت، أكثر صراحة عندما قال في تصريحات للصحافيين في نيويورك على هامش مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 19 سبتمبر، إنه يتعين على حكومة السراج أن تبذل المزيد من الجهود لتكون أكثر احتضانا للفصائل الليبية، وأن تضم حفتر بصفة ما.

إمكانية التوصل إلى حلول للخلافات تظل مرهونة بوجود رغبة لدى الطرفين في تخفيض سقف المطالب

وفي روما، كان الموقف متشابها، إذ أعرب وزير الخارجية الإيطالي، باولو جينتيلوني عن أمله في أن تستخدم مصر نفوذها لتعزيز الحوار بين شرق ليبيا وحكومة الوفاق الوطني، حسب تصريحات أدلى بها لصحيفة “لاريبوبليكا” الإيطالية في 20 سبتمبر. ولإيطاليا روابط تاريخية بليبيا التي حكمتها كقوة احتلال في الفترة من 1911 إلى 1943، كما أن لها مصالح قوية في قطاع النفط الليبي.

ورحب بيان، صدر في 22 سبتمبر عقب اجتماع وزاري دولي بشأن ليبيا في نيويورك، بدعوة السراج إلى الحوار مع الشرق الليبي للحد من التوتر في منطقة الهلال النفطي. الاجتماع، الذي انعقد برئاسة وزيري الخارجية الإيطالي باولو جينتيلوني، والأميركي جون كيري، دعا حكومة الوفاق الوطني إلى أن تقوم خلال العام المقبل “بإعداد انتقال سلمي للسلطة إلى حكومة دائمة ومنتخبة”، في خطوة تبدو وكأن هدفها طمأنة مجلس النواب، ورجله القوي حفتر، بأن حكومة الوفاق الوطني ليست سوى حكومة انتقالية، ومن ثم تشجيع الطرفين على العمل مع هذه الحكومة.

ومنذ أشهر يقف الجيش الوطني الليبي في الشرق الليبي ضد تصويت برلماني لمنح الثقة لحكومة الوفاق، إذ رفض مجلس النواب تشكيلين وزاريين تقدم بهما المجلس الرئاسي للحكومة.

هل يستجيب الشطران

الضغوط الغربية والدولية متواصلة على الفرقاء الليبيين للجلوس معا في حوار لتقريب المسافات وتجاوز الخلافات، لكن هل يستجيب لها الطرفان المعنيان؟

قد يبدو السراج منفتحا أكثر على هذا الحوار، إذ أعلن، الأربعاء، عبر تصريحات صحافية عزمه تقديم تشكيلة وزارية جديدة إلى مجلس النواب المنعقد في طبرق، مؤكدا أن الباب مفتوح أمام حفتر للانضمام إلى هذه الحكومة. وكان السراج قد زار حفتر في مدينة المرج، شرقي ليبيا، في يناير الماضي بعد نحو شهر من إقرار اتفاق الصخيرات في 17 ديسمبر 2015، في مؤشر على أن الرجل يدرك مدى النفوذ الذي يتمتع به الأخير في الشرق، وأن نجاح حكومته يتطلب التوصل إلى صيغة توافقية معه.

وتبدو حاجة السراج إلى الحوار مع الشرق أصبحت أكثر إلحاحا بعد سيطرة القوات الموالية لمجلس النواب على منطقة الهلال النفطي (راس لانوف والسدرة والزويتينة والبريقة)، إذ أن هذه الموانئ يتم عبرها تصدير نحو 80 بالمئة من النفط الليبي، وكان أحد أهم أهداف حكومة الوفاق زيادة صادراتها من النفط من أجل تحقيق استقرار اقتصادي، واستعادة الخدمات الأساسية التي يغيب الكثير منها بسبب العجز المالي، ما يثير غضبا في الشارع الليبي. ويبلغ إنتاج النفط في ليبيا حاليا نحو 200 ألف برميل يوميا، وهو أقل من خمس الصادرات في العام 2012، ويمثل ما نسبته 12.5 بالمئة من صادرات ليبيا النفطية قبل سقوط نظام معمر القذافي في العام 2011، والتي كانت تبلغ آنذاك 1.6 مليون برميل يوميا.

فرنسوا هولاند: السراج سيتخذ مبادرات ونحن نثق به لتوسيع الحكومة كي تضم الجميع

خلافات جذرية

ولا يمانع السراج الحوار مع الشرق ومنفتح على ضم حفتر إلى حكومته، لكن الأمر ليس بالبساطة التي يعتقدها البعض، فحفتر يرى أنه الأحق بقيادة الجيش، بينما يؤكد السراج أن قيادة الجيش يجب أن تبقى في أيدي السياسيين حسب اتفاق الصخيرات، وهذا أمر صعب جدا في المناخ الذي تشهده ليبيا اليوم.

ويخشى خليفة حفترة قائد الجيش الليبي من أن يقود اتفاق الصخيرات إلى الإطاحة به، إذ تنص المادة الثامنة من هذا الاتفاق على “نقل كل صلاحيات المناصب الأمنية والعسكرية والمدنية إلى مجلس رئاسة وزراء حكومة الوفاق بعد توقيع الاتفاق مباشرة، على أن يتخذ مجلس الوزراء قرارا بشأنها خلال مدة لا تتجاوز عشرين يوما، وفي حال عدم اتخاذ قرار خلال هذه المدة، يقوم المجلس باتخاذ قرارات تعيينات جديدة خلال مدة ثلاثين يوما”. حفتر أعلن أيضا في أكثر من تصريح صحافي سابق رفضه الانضمام إلى حكومة الوفاق، ما لم تقم الأخيرة بإبعاد الميليشيات من الجيش الموالي لها، في إشارة إلى الفصائل الإسلامية التي ساهمت بشكل كبير في تسهيل عمل المجموعات الإرهابية الأخرى من بينها داعش، والتي تتمتع حاليا بنفوذ قوي.

ولا يستطيع السراج ومجلسه الرئاسي في المقابل إحداث قطيعة مع هذه الفصائل الإسلامية، وإلا فقدا كل أوراق قوتهما، التي تعتبر بشكل أو بآخر مناقضة للمسار الذي يريد الجيش الليبي فرضه وهو السيطرة العسكرية والأمنية على كامل التراب الليبي كجزء من نظام أي دولة تريد أن تحافظ على السلم الأهلي.

ولا يصعب على السراج أيضا إقناع كل الكيانات السياسية في الغرب التي انبثقت عن اتفاق الصخيرات بـالرضوخ لمطالب حفتر، إلى جانب عدم التوافق في الموقف الذي أبداه المجلس الأعلى للدولة، بعد سيطرة الجيش الليبي على الموانئ النفطية حيث أعلن توليه للمهام التشريعية، معللا خطوته بـحساسية المرحلة وأن مجلس النواب المنشأ وفق الاتفاق السياسي لم يوجد بعد.

وأوضح مسؤول في هذا المجلس أن مجلس النواب انتهت ولايته في أكتوبر الماضي، وأن شرعيته الجديدة مستمدة من موافقته على الاتفاق السياسي برمته، وتضمينه للإعلان الدستوري وهو ما لم يحدث، على حد قوله.

وفي المقابل، يستغل حفتر سيطرته على الموانئ كورقة جديدة للضغط على المجتمع الدولي وحكومة الوفاق لإدخال تعديلات على الاتفاق، وتلك التعديلات تصب في سياق إنشاء جيش ليبي قوي يكون حفتر قائدا له، لأن الرجل يرى أنه قاد الجيش لمدة طويلة وفيها الكثير من المعارك وقد خبره.

ولم ينس حفتر أن يوجه رسالة طمأنة للغرب، فبعد يوم من استكمال سيطرة قواته على الموانئ، أعلنت الأخيرة أنها سلمت إدارة موانئ التصدير في الهلال النفطي إلى المؤسسة الوطنية للنفط التابعة لحكومة الوفاق، لكن الأمر ليس بهذه البساطة، إذ أن سيطرة القوات المسلحة الليبية على الموانئ تعني أنه بإمكان هذه القوات التحكم بمصير عمليات التصدير عبر إقفال الموانئ وإعادة فتحها وفق ما ترتئيه.

وما بين المطالب والضغوط والمراهنات والطمأنات، يبقى الوضع في ليبيا مفتوحا على كل الاحتمالات بشأن إمكانية التقريب بين الشرق والغرب.

6