هل يمكننا التأقلم مع تغير طبيعة القوة في القرن الحادي والعشرين

الاثنين 2014/07/21

في عالم يزداد ترابطا – حيث نجد التجارة والتمويل والسفر والاتصالات متشابكة بالأساس – يمسك الفاعلون والمنظومات (غير الحكوميون) المتصلون بشبكة (من شركات إلى مستخدمي التويتر المؤثرين) بمفاتيح القوة والنفوذ على المستوى العالمي. إن التباكي على فقدان القوة والنفوذ الأميركيين والعجز عن ممارسة سياسة الشارع إضافة إلى سياسة الدولة، خاصة في أعقاب الثورات العربية، أمر يعكس منظومة معتقدات تعتمد بالأساس على إظهار القوة عبر القوة الكلاسيكية للدولة.

القوة والنفوذ الآن كثيرا ما يكمنان خارج الهيكل الكلاسيكي للدولة والنماذج الوستفالية التي حددت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وليس كافيا القول إنّ القوة تحولت، بل يجب أن ندرك أن القوة القائمة على الدولة قد تكون غير ضرورية لممارسة النفوذ في هذه البيئة الجديدة. ومن ثمّ قد لا تكون قضايا الحوار المطروحة في البيت الأبيض وبرامج المساعدة الأميركية وقوة الجيش الأميركي كافية في هذا العالم الجديد.

مثلما هو الشأن في النظام المالي الدولي، لا يوفر هذا المشهد العالمي الجديد تهديدات عابرة للحدود يجب مواجهتها فحسب بل وكذلك فوائد وحلفاء جدد محتملين. لقد تركز اهتمام الأمن القومي منذ 11 سبتمبر بصفة كبيرة على التهديدات التي جلبتها لنا العولمة والطبيعة المتغيرة للقوة، فلم تكن صدمة 11 سبتمبر ناتجة فقط عن الهجوم المدمر ضد المدنيين على الأراضي الأميركية بل كونها نفذت من قبل شبكة صغيرة من الأفراد المخلصين لأهدافهم والذين يرفضون الحداثة لكنهم استخدموا عناصر أساسية من العولمة لمهاجمة القوة العظمى.

لقد قضينا معظم العقد الأخير منشغلين بفاعلين وشبكات شائنة من القاعدة إلى الجريمة المنظمة الروسية استمدت قوتها من العولمة والوصول إلى المعلومة والتكنولوجيات الحديثة، لكننا فشلنا على الدوام في إلقاء نظرة على الجانب الآخر من المسألة، أي الحلفاء والفاعلين والمؤسسات التي تتناغم مصالحهم مع مصالحنا.

ومثلما تمكن دافيد هادلي الأميركي من استخدام خرائط غوغل للمساعدة على التخطيط لهجمات مومباي في سنة 2008، استخدم أوسكار مورالس المهندس الكولومبي العاطل عن العمل الفايسبوك في سنة 2007 من أجل تعبئة 11 مليون شخص حول العالم للقيام بمسيرة ضد تنظيم ‘فارك’ وتمكين الحركة المناهضة للاختطاف من إسماع صوتها.

وفي مجتمع تتنقل فيه المعلومة بسرعة تويتر، بإمكان أشخاص مثل جوليان أسانج من نشر أسرار الدولة عمدا مما ينجر عنه من تشنج في العلاقات الدبلوماسية وتعريض حياة أناس للخطر. ومع ذلك، نفس الترابط الذي استغله هذا الأخير يمكّن شركات مثل أمازون وماستركارد وبايبال من إغلاق موارد تمويله بطرق أسرع وربما أكثر نجاعة من التتبعات القانونية التي تقوم بها الحكومة.

وبشكل مشابه، في حين عبرت الحكومة الأميركية عن انشغالها من وجود مجموعات شبابية أميركية صومالية في مدن مينيابوليس وكولومبس تسافر إلى الصومال للتدرب والقتال (وكثيرا ما تشترك في هجمات انتحارية) الى جانب حركة الشباب، فرع القاعدة في الصومال، لم تفعل شيئا يذكر لتقديم الدعم للنخبة الصومالية الأميركية من رجال الأعمال مثل رئيس الوزراء في الحكومة الفدرالية الانتقالية الذي عاد إلى الصومال من أجل تأسيس حكومة جديدة وتوفير حالة من الاستقرار.

وفي حين عقدت المجموعات الإرهابية تحالفات وكونت شبكات خطيرة عبر تكوين معسكرات تدريب مشتركة، يبقى الجنود ورجال الشرطة الدوليين البالغ عددهم أكثر من عشرة آلاف فرد، والذين يتلقون تدريبات سنوية في الولايات المتحدة، موردا غير مستغل في مجال التنسيق والتعاون في مجال الأمن العالمي سواء بشكل رسمي أوغير رسمي. وفي الوقت الذي نقوم فيه بالقضاء على زعماء القاعدة على الحدود الغربية الباكستانية ونجاهد من أجل الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية مع اسلام أباد، نقضي وقتا أقل من ذلك بكثير في دعم استثمارات رجال ونساء الأعمال الباكستانيين الأميركيين الذين يمارسون نشاطاتهم على طول هذه الحدود.

في القرن الواحد والعشرين، البلد الذي يحصل على أغلبية هذه الأصوات العالمية الجديدة سيكسب أكثر قوة ويمارس نفوذا أكبر مما كان ممكنا في أي وقت مضى. وتتمتع أميركا بأسبقية على أيّة دولة أو ثقافة أخرى في التأثير على انتشار القوة والنفوذ بطرق تتماشى مع أمننا الاستراتيجي المستديم وازدهارنا.

وتنبثق هذه الفرصة من الاستخدام النشط للإقناع الاستراتيجي الفذ، ويتمثل هذا الإقناع الاستراتيجي في الاستعمال الموجه للقوة والنفوذ الأميركيّين لجعل الشبكات والفاعلين والحكوميين وغير الحكوميين المؤثرين ينسجمون مع المصالح الأميركية.

إن تقوية القطاع العام والفاعلين غير الحكوميين لا تهدد مصالحنا، فهؤلاء يعدّون بالفعل حلفاءنا الطبيعيين في القرن الواحد والعشرين. لكن لا يمكن أن يبقى تعاملنا معهم سلبيا أو خاصا، بل يلزمنا تطوير هياكل ومبادئ جديدة تمكن حكومتنا وهؤلاء الفاعلين من العمل بانسجام وبالتوازي لتحقيق أهداف ومصالح مشتركة.

على الرغم من أن القوة في شكلها التقليدي مازالت ذات أهمية، يجب على النموذج الجديد للأمن القومي أن يأخذ في الاعتبار مسألة الإقناع الاستراتيجي والدور الذي يضطلع به الفاعلون المتصلون بالشبكة غير الحكوميين للتأثير الايجابي والموازي لقوة الدولة في شكلها التقليدي. يجب أن يتم توجيه سياسة الأمن القومي نحو جعل مصالح الفاعلين غير الحكوميين تنسجم مع المصالح والقيم الأميركية، ويجب ألا يقتصر هدف أمننا القومي على الدفاع عن مصالحنا وتعزيزها، بل يجب أن يضم خلق ظروف متناغمة مع المصالح والقيم الأميركية على الصعيد العالمي.

ومن ضمن هذه الأهداف والقيم نذكر: حرية التعبير والصحافة وتدفق المعلومة وقابلية الحكومات للمساءلة، واحترام حقوق الانسان، وحماية الأقليات، وتمكين المرأة، وحرية التجارة والنظم المصممة من أجل تقوية المقاولين والتعبير الفردي، وبناء مؤسسات مدنية شفافة.

وهذه الأهداف ليست حكرا على الحكومة الأميركية ولا هي أيضا ممكنة التحقيق عن طريق عناصر الحكومة. وهذا المبدأ أساسي لفهم وتشكيل علاقات القوة، ومن ثم الأمن القومي في القرن الواحد والعشرين.

باحث بالمركز الأميركي للدراسات الاستراتيجية والدولية

7