هل يمكن أن تغوص الأمكنة وماهيتها في النسيان

محمود حجيج يُحاجج معاهدة سايكس بيكو جماليا من خلال "ترسيم" الحدود افتراضيا، ومعرض تجهيز فني مستفيض عن حدود غير موثقة.
الاثنين 2019/04/29
تظهير اللامرئي في صلب المرئي

قدم غاليري “أجيال” البيروتي معرضا للفنان اللبناني متعدد الوسائط محمود حجيج بعنوان “غير موثّق”، والذي ضم العشرات من الصور الفوتوغرافية التقطها بعدسته من وادي خالد إلى الناقورة، كما تضمن المعرض كولاجا ورسم خرائط وتجهيزا فنيا.

بيروت - يعرض غاليري “أجيال” بالعاصمة اللبنانية بيروت، حاليا، مجموعة أعمال فوتوغرافية للفنان اللبناني محمود حجيج تحت عنوان “غير موثّق”، حيث يهدف المعرض إلى توثيق الحدود التي تفصل الأراضي اللبنانية عن السورية، في مهمة “فردية” ووطنية شائكة أخذت على عاتقها الترسيم الخيالي/ الفني للحدود غير المرئية وغير الموثقة حتى اليوم للبنان من شماله إلى جنوبه.

وأشار الفنان حجيج إلى ذلك حينما قدم، على سبيل المثال، في صورة مشهد لشجرة يقع نصفها في لبنان ونصفها الآخر في سوريا، ويبقى الحاجز الصهيوني بين لبنان وفلسطين المحتلة الوحيد الذي يلقي بثقله على الأرض ويحسم أمر الحدود بكل ما تعنيه هذه الكلمة من علم ووهم.

رحلة محمود حجيج كانت طويلة ومرهقة في مناطق جغرافية وعرة ومهجورة ومراقبة كما واجهت صعوبات عديدة، ولكنها لم تكن كفيلة بأن تصيب الفنان الباحث باليأس.

وأثمرت جهوده ملصقا لخارطتين للبنان وزعت على زائري المعرض، الأولى هي الخارطة التي تبلغ مساحتها 10.452 كلم، والثانية مساحتها 10.234 كلم، أي بعدما اقتطع منها الأراضي المُتنازع عليها بين سوريا ولبنان.

هل إعلان القدس عاصمة لإسرائيل يعني أنها فعلا أصبحت كذلك؟ أم أن ثمة حقائق عابرة للحدود ستسترجع ما تم سلبه 

وللتقنية والتقديم الفني للمعرض قيمة كبيرة، فالفنان عمد إلى “ترسيم” الحدود افتراضيا من خلال استخدامه لوسائط فنية متعددة كالطبع والرسم واستخدم مواد مختلفة كالبيكسي غلاس والأمونيوم دخل عبرها إلى الصور الفوتوغرافية، حاذفا من ناحية العوالم والتماس بين المناطق بتقنية “التغبيش”، ومضيفا إليها من ناحية أخرى خطوطا وشقوقا عميقة تؤكد التحديد، كما تلاعب بالألوان دون أن يخرج عن تماهيها مع الأطياف اللونية الطبيعية للمشاهد من خلال تمتينها حينا و”تعتيقها” حينا آخر.

وانطلاقا من معاهدة “سايكس بيكو” التي قسّمت بها القوى العظمى منطقة الشرق الأوسط، قام حجيج بإعادة تشكيل حدود هذه المنطقة من العالم التي تشهد اليوم نزاعات حول موارد طبيعية كالغاز والبترول والماء والأرض، أيضا، كمجال لتوسّعها، وهي مناطق اليوم بصدد إعادة تشكيلها من ضمن اتفاقيات جديدة تلوح في الأفق وتؤكد على استمرار المهزلة الأممية التي تجعل من الشرق الأوسط تحت سيطرة هؤلاء وبتصرف أكبر لم يعرفه تاريخ المنطقة من قبل.

ويمكننا القول إنه تحت شعار “الموت للعرب”، التعبير الذي كتبه جنود الاحتلال بالعبرية خلال حرب يوليو 2006 على أحد الجدران في الجنوب اللبناني، أمعن الفنان/ الباحث في تظهير اللامرئي في صلب المرئي وإشكالياته.

واتجه حجيج إضافة إلى تقديم هذه الصور الغنية في المعرض إلى استقدام وسائل التجهيز الفني الذي أعطى لمشروعه حسية عالية كان لها تأثير مباشر على زائري المعرض، فقد أحضر عينات من الأتربة الموجودة في تلك المناطق (ألوان وخشونة متنوعة) ووضع بعضها في حناجر زجاجية مختومة بالشمع الأحمر، كدلائل حسية وعلامات لا يمكن نفيها وتحدث المُشاهد عن الاختلاف والشرذمة والتقسيم.

تبدو قيمة معرض “غير موثّق” مُضاعفة في كونه أثار أسئلة كثيرة، منها: ما الذي يرسم الحدود فعليا في جغرافيا تصبح أكثر فأكثر ذات نسيج وهمي وقابل للتحول؟ ما الذي يفصل بين الخاص والعام، وما بين الفرد والجماعة؟ لا بل ما هو الفرق ما بين الجنسية والهوية؟ ومن هو المخوّل بترسيم هكذا حدود؟ هل هو المعني مباشرة أم من يملك السلطة والمال؟ وهل يمكن أن تغوص الأمكنة وماهيتها في النسيان؟ وإن كان هذا ممكننا ومقبولا هل ثمة “مقاومة” جديدة غير السلاح والقتال باللحم الحي لاسترجاع أرض مسلوبة؟

الأمر لم يعد مطروحا فقط بسوريا ولبنان، بل بكل المنطقة  العربية، هل تحديد “ملكية” القدس أو الجولان أو غيرهما من المناطق المُتنازع عليها عربيا يبقى فوق التصنيفات المُنتجة في مختبرات القوى العظمى؟ فعلى سبيل المثال هل إعلان القدس عاصمة لإسرائيل يعني أنها فعلا أصبحت كذلك؟ أم أن ثمة حقائق عابرة للحدود ستسترجع حتما ما تم سلبه “صوريا”؟

ماذا يعني اليوم “المجال الجوي” لبلد من البلدان؟ لا بل ما هي “المياه الإقليمية” لبلد دون آخر؟ وهل انطلاقا من ذلك نشهد اليوم قيام نظام مقايضة الأرض مقابل بقاء أحد الرؤساء في السلطة؟

استطرادا نصل إلى هذا السؤال: هل بتنا في زمن يعطي فيه الضعيف أرضه مقابل محظيات تافهة نسبيا كما “يبيع” الرجل المُدقع الفقر أطرافه أو أحد أعضائه لكي يكون له عيش ضئيل؟ كل هذه الأسئلة يطرحها معرض محمود حجيج.

أما تجهيزات التراب المذكورة آنفا، فتُضاعف من درامية المعرض، إذ بدت وكأنها “عينات” طبية عرضية وعمودية لدمائنا “المُؤرشفة” والمهدورة على السواء، كي يصار إلى مزجها أو التلاعب فيها لاحقا، وفي المعرض أيضا وضع الفنان بعضا من هذا التراب داخل مصل ليؤكد لنا أننا دخلنا لمختبر علمي يديره جراحون “أشرار” من القوى العظمى.

وفي النهاية يدوي سؤال واحد تتشعب منه أسئلة أخرى مترابطة تلفح بكل موجودات المعرض: ما هي “المخلوقات الجيوبوليتيكية” التي يفكر في تخليقها هؤلاء إرضاء لجشعهم ومرآة لجبروتهم وتقنياتهم المتقدمة؟ ماذا سيترتب عن هذا التخليق؟ كوارث متتالية كما حدث في رواية “فرانكشتاين”؟ وهل سيكون مصير هذه المخلوقات الجيوبوليتيكية ومصير صانعيها  شبيها بمصير الطرفين في الرواية؟ مصير الطبيب المُتمرس فيكتور فرانكشتاين كان الموت، وهو يستجدي الغفران من مخلوقه المشوّه الذي ارتعب حينما اكتشف تشوّهه، فتتالت أفعاله نتيجة لهذا الاكتشاف.

17