هل يمكن اعتبار الولايات المتحدة قوة فاعلة للخير في الشرق الأوسط

في ظل غياب القيادة الأميركية، تحول "نظام المساعدة الذاتية" في الشرق الأوسط إلى حروب بالوكالة ولكنه تجنب كارثة أكبر. لقد تجنبت المنطقة نشوب حروب مباشرة بين القوى العظمى الإقليمية.
الأربعاء 2019/01/16
لا سياسة متماسكة حيال الشرق الأوسط

صرح وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في خطابه خلال زيارته إلى القاهرة أن “الولايات المتحدة تعتبر قوة فاعلة للخير في منطقة الشرق الأوسط”. وانتقد الرؤساء الأميركيين السابقين لأنهم كانوا “غائبين أكثر من اللازم” وأنهم أظهروا “ترددا في ممارسة النفوذ”. وقال بومبيو “عندما تتراجع أميركا، غالبا ما تأتي الفوضى. وعندما نهمل أصدقاءنا، تنتج مشاعر الاستياء”.

كانت كلماته هذه تشير إلى صراع إيران مع حلفاء الولايات المتحدة من الدول العربية. وتضمن خطاب مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، نفس الرسالة التي وجهها إلى حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين في منطقة الشرق الأوسط.

هذه الدول العربية لديها كل الأسباب التي تجعلها راضية عن خطاب وزير الخارجية الأميركي وعن تأكيدات مستشار الأمن القومي، ولكن لديها أيضا كل الأسباب لأن تقلق وتشكك في ما إذا كان بومبيو وبولتون يتحدثان بالإنابة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته.

كيف يمكن لأي شخص أن يصدق وعود وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي عندما يتم وضع هذه الوعود إلى جانب تصريحات الرئيس الأميركي؛ والأمثلة على ذلك كثيرة: فقد قال بومبيو قبل ذلك إن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بمحاربة تنظيم داعش في سوريا، لكن في ديسمبر الماضي أعلن ترامب أن انسحاب الولايات المتحدة من سوريا بات وشيكا. وفي 11 يناير، قال متحدث باسم التحالف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة في سوريا إن الانسحاب “المتعمد” للقوات الأميركية جاري تنفيذه.

ويؤكد بولتون لحلفاء واشنطن من الأكراد في سوريا أن الإدارة الأميركية لن تتخلى عنهم. ويجدد بومبيو التأكيد على موقفه المعروف بأن القوات الإيرانية والقوات المتحالفة معها “يجب أن تغادر سوريا”، ولكن، في الآونة الأخيرة، أعلن ترامب أن الإيرانيين “يمكنهم فعل ما يحلو لهم” في سوريا.

كما انتقد بومبيو إدارة باراك أوباما بسبب تخليها عن الشعب الإيراني في مواجهة قمع النظام لهم، لكن ترامب، في أكثر من مناسبة، أعلن استعداده للتوصل إلى اتفاق مع النظام في طهران، ولكن مثل هذه الصفقة لن تشمل حقوق الإنسان بالنسبة للشعب الإيراني.

وبوجود مثل هذه التناقضات السياسية على أعلى المستويات في الحكومة الأميركية، لا يمكن للمرء أن يلوم آية الله علي خامنئي على وصفه لرجال الدولة الأميركية “بالحمقى”.

وبعد مرور عامين على توليه الرئاسة، لم تنشئ إدارة ترامب بعد سياسة متماسكة حيال الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط حتى تتمكن واشنطن من تجنب إرسال هذه الإشارات المختلطة.

وفي غياب هذه السياسة الشاملة، قد يسعى حلفاء وأعداء واشنطن على حد السواء إلى تحقيق أجنداتهم الخاصة. وهذا من شأنه أن يساهم في إثارة المزيد من الأوضاع غير المستقرة في المنطقة.

ويعزز تنظيم داعش، بناء على رغبة ترامب في فصل الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط، من وجوده العسكري في سوريا. كما تحافظ ميليشيا حزب الله المتحالفة مع طهران على لبنان تحت سيطرتها، في حين يشن حزب الله الحرب على إسرائيل. وتستمر الحرب في اليمن رغم المحادثات الدبلوماسية.

وفي ظل غياب القيادة الأميركية، تحول “نظام المساعدة الذاتية” في الشرق الأوسط إلى حروب بالوكالة ولكنه تجنب كارثة أكبر.

لقد تجنبت المنطقة نشوب حروب مباشرة بين القوى العظمى الإقليمية، ولكن إذا استمر مسار الولايات المتحدة في المنطقة على نفس الشاكلة، إذن فليس هناك ما يضمن إمكانية تجنب نشوب مثل هذه الحرب الكارثية في المستقبل.

ويمكن للمرء حينها أن يشكك في ما إذا كانت أميركا في عهد ترامب تعتبر قوة للخير في منطقة الشرق الأوسط أم لا.

6