هل يمكن اعتبار تجربة بهاء طاهر مسيرة جيل أدبي

الكاتب المصري بهاء طاهر يجلد في أعماله ذات شخصياته في نوبة من محاكمات وتأنيب وتحمّل للأخطاء دون التنصل منها.
السبت 2018/12/22
بهاء طاهر كاتب جلد شخصياته

ما زالت ظاهرة جيل الستينات في الأدب المصري، تلقى الاهتمام والمتابعة النقدية، على الرغم من رحيل الكثير من أفراده، وتوقف البعض عن الكتابة. وفي ضوء هذا الاهتمام بإبداع هذا الجيل يأتي كتاب الناقد شوقي عبدالحميد “بهاء طاهر في إبداعاته مسيرة جيل”.

يتوقف الناقد شوقي عبدالحميد في كتابه “بهاء طاهر في إبداعاته مسيرة جيل” عند مسيرة الأديب بهاء طاهر الإبداعية، باعتباره واحدا من كتاب جيل الستينات، وإن كان المؤلف يراه يتميّز عن بقية جيله، وأيضا يخالف ثقافة مصرية وعربية متأصلة؛ فهو لا يبحث عمن يحمّله الذنب من أجل تبرئة الذات، بل على العكس تماما، فهو في أعماله نراه يجلد ذات شخصياته في نوبة من محاكمات وتأنيب وتحمّل للأخطاء دون التنصل منها.

مسيرة جيل

جاء الكتاب، الصادر مؤخرا عن سلسلة كتاب الهلال، في قسمين؛ الأول أقرب إلى رحلة في أعمال بهاء طاهر الإبداعية الروائية، والثاني اقتصر فيه على المجموعات القصصية، حيث إنه أشبه بقراءة للسياق السياسي من خلال كتابات بهاء طاهر الإبداعية على تنوّعها ما بين قصة قصيرة ونوفيلا ورواية. فأعمال طاهر أشبه بالمرآة التي تتلاقى عندها هموم الوطن وانكسارات الأحلام والخيبات. فكما يقول “لا يخلو عمل لبهاء طاهر من الحضور المجتمعي، والحب المحبط”.

يقدم المؤلف بقراءته لأعمال بهاء طاهر رؤية مغايرة حيث لم يبحث عن تمثّل الرواية لثيمات معينة في الواقع أو للقضايا السياسية والوطنية، وإنما ينطلق من الأعمال ليكشف عن فداحة الواقع وآثار هذه الانتكاسات على الشخصيات التي تعدّ هنا من لحم ودم. كسيّد في “قالت ضحى”، والرواي في “شرق النخيل”، وحربي وصفية في “خالتي صفية والدير”، ومحمود عبدالظاهر في “واحة الغروب”، وفريد في “أنا الملك جئت”.

ومع هذا التقسيم الظاهري إلا أن المؤلف لم يلتزم به، فهو يطوف حول الفكرة أيّا كان حضورها وتجليها، فيبدأ القسم الأول وهو يتحدث عن “شرق النخيل” بقصة اللكمة ضمن مجموعته “الخطوبة”، ثم منها يعرج إلى “شرق النخيل”.

لكل فرد من أفراد جيل الستينات الأدبي في مصر مسيرته المتميزة، ولغته الخاصة، وعالمه الفريد ومنهجه الخاص

وبذلك يعمد الناقد إلى استخلاص رؤية بهاء طاهر حول القضايا الوطنية بدءا من ثورة 1952 وقد كان عندما قامت في السابعة عشرة من عمره، مرورا بالانتكاسة الكبيرة التي اعتبرها الناقد بمثابة “اللكمة” أو الصدمة لجيل الكاتب، عبر صورة الموظف الذي كان يقضى لياليه في الشراب، وهو ما فسّره بأنه كان يعيش في غيبوبة لم يفق منها إلا بما حدث له؛ “اللكمة”، كما أشارت القصة، وإن كان في الحقيقة ثمة كتابات استشرفت حدوثها، وتنبّأت بكارثيتها وصولا إلى سياسة الانفتاح الاقتصادي التي راجت في زمن السادات.

ومن مزالق الكتاب أنه لا يتوخى منهجا نقديّا، معينا أو حتى يضع لنفسه ظاهرة فنية يسعى لدراستها عبر تمثلات من أعمال الكاتب. وإنما هو يصول ويجول في مجمل أعمال الكاتب وينتخب ما يتواءم مع فكرته التي يطرحها. وهو ما يجعله لا يراعي سياقات الكتابة الزمنية، فيقرأ “لم أكن أعرف أن الطواويس تطير” قبل “بالأمس حلمت بك” رغم الفارق الزمني بين المجموعتين.

ثمة تحفظ يتوقف عنده قارئ الكتاب، وهو ما توقف عنده الناقد صبري حافظ في المقدمة التي اختصه بها. وقد تحدث فيها عن علاقته ببهاء طاهر، والمشتركات بينهما حتى في الطبقة الاجتماعية، والهجرة إلى الغرب. فعنوان الكتاب الخارجي غير صحيح بالمرة، فليست مسيرة بهاء طاهر مسيرة جيل بأكمله. فلكل فرد من أفراد هذا الجيل مسيرته المتميزة، ولغته الخاصة، وعالمه السردي الفريد ومنهجه الخاص في بناء النص الأدبي، وفوق هذا موقفه من القضايا السياسية التي تراوحت بين التأييد والحذر والرفض كليّا.

رؤية أوسع

 في التمهيد الذي سبق الدراسات تحدث المؤلف عن علاقته ببهاء طاهر، وأسباب عودته من جديد إلى أعماله، حيث الرغبة في تعميق الرؤية وإعادة القراءة على نحو ما فعل مع مجموعة “الخطوبة”، وأيضا رغبة في توسيع دائرة القراءة والربط بين أكثر من عمل، على نحو ما فعل بدمجه “أنا الملك جئت” مع “واحة الغروب”.

 في نهاية التمهيد يحصي الخصائص التي تميز بها إبداع بهاء طاهر بصفة خاصة، وما اشترك فيها مع أبناء جيله، وهي الصفات التي أهلته على حدّ رأيه إلى اعتباره “رمزا لمسيرة جيل” وعدّدها في: الشخصيات المُحْبِطة والحب غير المكتمل والتركيز على التغيرات المجتمعية والنفسية والاعتماد على تقنية الحلم للهروب من مأزق الهزيمة. ومنها أيضا على مستوى التقنيات لجوء طاهر إلى استخدام أشياء من الواقع الخارجي للدلالة على أعماق شخصياته، أو ما وصفه بالمعادل النفسي.

كتاب يعيد قراءة النصوص على ضوء الواقع
كتاب يعيد قراءة النصوص على ضوء الواقع

اللافت أن المؤلف يفترض لبهاء طاهر موقفا مسبقا ويسعى من خلال أعماله للتدليل على صدق هذا الموقف؛ فيربط بين “شرق النخيل” واسترداد الأرض التي كانت حلم كل الثائرين على حالة اللاسلم واللاحرب، ويرى أن بطل الرواية مات معنويّا بعدما فقد المخلّص الذي كان يراه جديرا باسترداد الأرض، في إشارة إلى مقتل عمه وابنه.

وهذا العم الذي ارتسمت في ذهنه صورة الفارس الموازي لصورة المنقذ في تحرير الأرض. وهو ما كان يتجسّد في شخصية عبدالناصر الذي مال إليه الكثير من أبناء هذا الجيل فكريا وفقا لمؤلف الكتاب، على عكس السادات الذي أخفقت على يديه الأحلام الكبيرة، التي تطلّع إليها هؤلاء الكتاب حيث ينتمون إلى أسر محدودة الدخل، متواضعة المستوى الاقتصادي.

لا يختبر الناقد تقنيات وأساليب الكتابة عند بهاء طاهر إلا في أقل القليل، حيث التركيز على استقصاء الرؤى السياسية التي تطرقت إليها أعماله، وما انبثق عنها من رؤى خاصة ببهاء وإن كان الناقد يعممها على جيل الستينات بأكمله ويرجع هذا إلى أن رواية “قالت ضحى” كتبت قبل تاريخ صدورها بفترة طويلة، بل يرجح أنها كتبتْ قبل موت عبدالناصر عام 1970.

 فالرواية أشبه بنقد ومحاكمة لجيله، الذي كان أحد الأسباب لانهيار الحلم وتسرب اليأس والإحباط. كما يستشف من أعماله انتقاده لليسار حيث يرى أن خيانة اليسار جاءت من داخله أولا بما طرأ على الغالبية التي ما إن وجدت الفرصة للخروج من الحالة الاجتماعية حتى تنكرت لتلك المبادئ. كما ظهر جليا في رواية نقطة النور.

يشير المؤلف إلى أهمية الرمز في أعمال بهاء طاهر، فمع كل حكاية تروى ثمة في باطنها معنى رمزي يعكس توجهات بهاء طاهر ذاته. فصفية والدير على الرغم من قصة الحب بين صفية وحربي إلا أنها تتحول إلى عداء سافر بعدما تعلم صفية أن حربي هو من رشح صفية لخاله القنصل حتى تكون زوجته. إلا أن الناقد يرى أن هذه الحكاية ليست إلا مدخلا لحكاية أعمق، فيمكن النظر إلى حربي باعتباره واحدا ممن رحبوا بالسلطة الجديدة إلا أنه أضرّ منها عند أول إحساس لتلك السلطة بالخطر.

وعبر قراءته لرواية “الحب في المنفى”، ينتهي إلى تفسير أسباب انهيار اليسار، ويتمثل في نسيان الدافع الشخصي والاحتياجات الفردية في تحريك الإنسان وانتمائه كي يصبح إنسانا لا مجرد ترس في عجلة الحياة. بل يعتبر الرواية استشرافا مبكرا لما حل بالمنطقة من عنف ممول وأيضا تلك التغيرات الجذرية التي تحدث، وما يتبعها من تبدل في المواقف وقبول العدو كشريك في التوجهات والسياسات.

15