هل يمكن الاستغناء عن دور المدرسة في حياة الطفل

مع تراجع دور المدرسة في العملية التعليمية وشبه سيطرة الدروس الخصوصية على تحصيل وتعليم الطالب، بدأ يظهر توجّه قوي نحو نظام الدراسة من المنزل، ويلجأ إليها الكثير من الأشخاص نتيجة رفضهم للدراسة التقليدية، ورغبتهم في إحداث تغيير إيجابي في قدرات المتعلم التحصيلية والتعليمية، وهذه الفكرة لا تعدّ جديدة على المجتمعات العربية، بل كان لها تواجد محدود، إلا أنها بدأت تلقى رواجا وانتشارا كبيرين في الأوساط التعليمية وبين الطلاب خلال الفترة الأخيرة.
الثلاثاء 2016/10/25
خبراء يقترحون دمج التعليم المنزلي والمدرسي

القاهرة - انتشر أسلوب التعليم المنزلي مؤخرا في العالم العربي، فنجد العديد من الدول العربية التي بدأت في تطبيقه بالفعل للهروب من منظومة التعليم التقليدية، فعندما يصل الطفل إلى سن الدراسة تبدأ كل أسرة بالتفكير في إلحاقه بمدرسة حكومية أو خاصة أو حتى دولية، واختيار النوع الأفضل له، وذلك وفقا لما يتناسب مع مستواه الاجتماعي والفكري رغبة في أن يحصل على أفضل تعليم يؤهله لسوق العمل، ويكسبه المهارات للتعامل مع الحياة.

تقول الباحثة وفاء البسيوني في كتابها “مصر بلا مدارس”، والذي تحلل من خلاله واقع التعليم في مصر بمرحلة التعليم العام قبل الجامعي ومشكلاته “إن الآباء بإمكانهم توفير تعليم أفضل لأبنائهم في المنزل، لأن المدارس المصرية أصبحت فقيرة في التعليم والتربية، ولا تعطي للطفل ما يحتاجه لكي يستفيد منه في المستقبل، فالطالب يضطرّ للذهاب إلى المدرسة صباحا بسبب درجات الغياب والحضور، ثم يتوجه إلى الدروس الخصوصية في المساء، ما يؤكد قصور المنظومة التعليمية والتدريسية في مصر والعالم العربي”.

ويشير خبراء التربية إلى أنه من أهم الدوافع القوية لاختيار التعليم المنزلي هو الاستياء من مستوى التعليم في المدارس العامة، لأنها مازالت مؤسسة جامعة للمشكلات، كما تعمل الفصول الدراسية على تطوير الأفراد بشكل سلبي، مؤكدين أن العالم الحقيقي يختلف عن العالم داخل المدرسة، لأن المدارس جامدة وصلبة، ولا تستجيب للمتغيرات التي تطرأ على المجتمع، كذلك عبّر الآباء والأمهات عن معاناتهم من ذكريات غير سارة خلال تجاربهم الشخصية في المدارس العامة، وكيف أنها تعلم الطفل الكثير من الألفاظ النابية والتصرفات غير المرغوب فيها، وأبدت الأسر أسفها لأن المدارس تعدّ مضيعة للوقت لا أكثر ولا أقل، وأن آمالهم تنحصر في تزويد أبنائهم بتجارب تعليمية إيجابية بعيدا عن المدارس العامة، مشيرين إلى أن المدارس تجعل الأطفال أكثر عنفا، مما يؤثر على بيئة التعليم وعلى التحصيل العلمي للطلاب.

الآباء بإمكانهم توفير تعليم أفضل لأبنائهم في المنزل، لأن المدارس المصرية والعربية أصبحت فقيرة في التعليم والتربية

من جانبها، تقول المتخصصة في التعليم المنزلي، مروة رخا “التعليم في المنزل لا يعتبر مجموعة من الأنشطة والأدوات التي يقدمها الوالدان إلى الطفل وفقا لعمره فقط، بل إنه يعتبر أسلوب حياة تتبعه الأسرة بأكملها، وهو يقوم على احترام قدرات الطفل وإمكاناته، وتقبّل الاختلاف والفوارق مع أصدقائه، وقد تكون هناك البعض من العوائق في التعليم المنزلي كعدم تأهيل الأبوين للتدريس، وهو ما يحتاج إلى جهد واطلاع كبيرين من جانبهما على المناهج الدراسية، بالإضافة إلى الحصول على درجة التأهيل العلمي والنفسي لاتخاذ هذا القرار، مشيرة إلى أن دور الوالدين يتمثل في قيامهما بدور المعلم في المدرسة من خلال دراسة العلوم ومختلف التخصصات، والتركيز على القيم والسلوكيات الإيجابية لإكسابها للطفل والاعتماد على مناهج مرنة، مؤكدة أن التعليم العملي يعدّ هو الأساس، لأن الطالب يجد الإجابة عن الأسئلة التي تدور في ذهنه في مختلف مراحله العمرية، ويتم ذلك باستخدام الطرق العلمية التي تعتمد على الملاحظة والتجربة والإبداع والابتكار، بما يتناسب مع قدرات الطفل”.

ويوضح الباحث في المركز القومي للبحوث التربوية بالقاهرة، كمال مغيث، أنه من الصعب التحدث عن جودة التعليم في ظل منظومة تعليمية تصل فيها كثافة الفصول إلى 120 طالبا في البعض من الفصول بالمدارس الحكومية، مؤكدا أن المدرسة تحولت إلى مكان غير صحي وغير آمن بالنسبة إلى الطالب، حيث من المفترض أن دور المدرسة يعتمد على غرس قيم سامية كالعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص في نفس الطالب، لكن هذا يتمّ عندما تكون المدرسة مكانا للقاء أبناء الطبقات المختلفة، كما أنها تعدّ مكانا لغرس المبادئ والسلوكات الحسنة في الطفل، فالمعلم هو القدوة وقد يكون له تأثير كبير في تكوين وجدان الطفل وشخصيته، وفي البعض من الأحيان يكون التأثير أكبر من الوالدين، لكن كل هذا لن يتحقق إلا عندما تكون المدرسة مؤهلة لاستيعاب الطالب من الأساس، وليست مجرد جدران لا يستفيد فيها من أي شيء، فهنا يكون التعلم في المنزل أفضل له من تضييع الوقت في الذهاب والعودة، ويقترح مغيث دمج النظامين؛ التعليم المنزلي والمدرسي، حيث يرى أنه في خضم التطور التكنولوجي لا بدّ أن تصبح المدرسة مكانا للأنشطة ولتنمية المهارات الاجتماعية فقط.

في مقابل ذلك، تؤكد استشارية الطب النفسي للأطفال والمراهقين، هالة حماد، أنه لا يمكن الاستغناء عن دور المدرسة في حياة الطفل، فلا بد من ذهابه إلى المدرسة، لأن هذا الصرح هو الذي يكسبه المهارات الاجتماعية كالتواصل مع الآخرين، ومنهجية العمل الجماعي، والتعايش مع المجموعة، وغير ذلك من المهارات التي من شأنها أن تحسّن من مستوى ذكاء الطفل، وتزيد من تفاعله مع العالم الذي يعيش فيه، وتؤهله لسوق العمل والحياة الاجتماعية في ما بعد، لافتة إلى أن الطفل الذي يتعلم في المنزل يفتقد كل هذه الفرص، وينشأ معزولا ومحروما من جزء مهم من ذكريات الطفولة التي لها تأثير كبير على سيكولوجيته وتكوينه، كما أن الروتين اليومي الذي يفرضه اليوم الدراسي على الطفل يغرس في داخله قيما مثل الالتزام وضرورة تنظيم الوقت، مشيرة إلى إمكانية توفير نمط التعليم المنزلي لفئة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة فقط، كمرضى التوحّد الذين يعانون من ضعف التركيز أو الإعاقة الذهنية، أما الأسوياء ففوائد الذهاب إلى المدرسة بالنسبة إليهم أكبر بكثير من التعليم في المنزل.

21