هل يمكن الفصل بين الفنان المبدع وموقفه الأخلاقي من عصره

الثلاثاء 2014/10/07
زياد الرحباني متهم بتنصله من ماضيه الثوري

دمشق - علينا أن نعترف أن الربيع العربي، بكل ما حمله من دم وخراب وسوء، نتج عن ردة فعل الأنظمة تجاهه، ورغم فداحة الخسارات، وتضخم الخيبات، إلّا أن هناك الكثير من الإيجابيات.

إن الربيع العربي، جعل معايير تقييم الناس مختلفة، حتى نقد الأشخاص والأفكار والقيم والمعتقدات أصبح أكثر حرية، الأهم من ذلك، أنّ الربيع العربي اكتشف حقيقة المثقف العربي وتناقضه وبعده عن الجمهور الذي يعطيه حجمه!

خوف المثقف من الربيع لا يختلف كثيرا عن خوف الطغاة منه، فالأنظمة الفاسدة المتخلفة هي التي جعلت هذا المثقف أو ذاك يطفو على السطح، وإن كان في كثير من الأحيان لا يستحق هذه الصفة حتى.

ولا يمكنني الحديث هنا عمن وقفوا على الحياد، فلم يعادوا الثورة ولم ينخرطوا فيها، فهؤلاء لهم مبرراتهم التي قد لا نقبل بها، وقد نقبل ولهذا سياق آخر، إلاّ أن المصيبة كانت في المثقفين الذين تناقضوا مع ماضيهم ومع مواقفهم التي جعلتهم في مكانهم، فمجدوا الطغاة وصفقوا للقاتل ودافعوا عنه.

هذا الانفصام الذي يعاني منه المثقف العربي، والذي جعله متناقضا مع ماضيه يحتاج إلى دراسة حقيقية، فهذه الظاهرة غريبة عن الطبيعة إن افترضنا أن الطبيعة تفرض أن يكون المثقف منسجما مع خطابه متوازنا في طرحه.

وأنا هنا لا أتحدث عن مثقفي السلطة، وهؤلاء كانوا عادة أبعد ما يمكن عن الثقافة، هذه الظاهرة يجب أن تُدرس وتُبحث جيدا، فإما أننا شعوب مغفلة تم استغباؤها لعقود بأشباح وُضعت في أعلى الهرم، أو أن هؤلاء المثقفين النخبة قد أصيبوا بمجموعة أمراض نفسية دفعة واحدة أولها “ألزهايمر”، وثانيها “الشيزوفرينيا”، وثالثها وليس آخرها “البارانويا”.

قد لا يلام أحد على انفصامه كما يلام زياد الرحباني، فقد أثبت تناقضه مع ماضيه وما ادّعاه بطريقة غريبة، وتعلم كثيرا من السياسة الرسمية لكل من سوريا وإيران بشكل كبير، قد لا نحتاج إلى كل ما كتب ضد زياد، لو أنه أخذ موقف مثقف السلطة منذ ثلاثة عقود!

الربيع العربي اكتشف حقيقة المثقف العربي وتناقضه وبعده عن الجمهور الذي يعطيه حجمه

كنا ببساطة سنصنفه ونقفز عليه، ولن يضعه جيل الشباب الذي تربى على مسرحياته ضمن آماله الخائبة!

المشكلة الأساسية مع النظام السوري قبل أن يكون مجرما بهذا الشكل الفضائحي، أنه -إضافة إلى كل سلبياته التي يتمتع بها أي نظام شمولي أمني- غير منسجم مع خطابه ومع ما روّجه من شعارات مزيفة تتعلق بالمقاومة والممانعة والاشتراكية والحرية!

بالأساس هي التي جعلته في مكانه، وتساق هذه المشكلة على النظام الإيراني الذي وُجد على قاعدة أنه نظام معاد لأميركا وإسرائيل وحليف لشعوب المنطقة، وقوة إقليمية إلى جانب هذه الشعوب.

هذه تماما مشكلة المثقف العربي، إذ أن هذه الهالة والحصانة والشعبية التي حصل عليها مرتبطة تماما بمواقفه وشعاراته، ويجب أن يُحاكم على تناقضه معها وانتقاله إلى المعسكر الآخر!

وكما كان لهذه الأنظمة الكاذبة مؤيدون ومريدون، كان ذلك لهؤلاء المثقفين أيضا، يكاد التطابق السريالي أن يصبح قصة ستجعل الأجيال القادمة تسخر منا وتحتقرنا، أكثر ممّا نحتقر أنفسنا اليوم، لأننا كنا مغفلين.

وما يزيد في القلب غصة، أن تخرج أصوات مطالبة بالفصل بين موقف المبدع أو المثقف ونتاجه الإبداعي، وكأن القضية في الأصل قضية صراع أحزاب سياسية على سلطة.

هذه الأصوات تريد أن تصاب الشعوب بشيزوفرينيا المثقف، ليصبح الأمر عاديا، إلّا أن الأمر ليس كذلك، فالمبدع ليس مقطوعة موسيقية نأخذ الجمال منها ونحتفظ بها في خزانتنا ونهديها لمن نحب.

المبدع إنسان أولا ومنظومة أخلاقية فكرية ثقافية إنسانية متكاملة، ومن يسقط في الصعيد الإنساني تسقط عنه هالة المثقف، نعم يبقى نتاجه الإبداعي جميلا ومؤثرا، إلاّ أن منظومته الفكرية كلها تصبح غير صالحة، بل ومضرة أيضا.

ها هو الرحباني يعيد تناقضه مرة أخرى في تصريحاته الأخيرة ويقول “سوريا هيّي وبالثورة سابقتنا 100 سنة”، ليعترف بأن هناك ثورة في سوريا بالتزامن مع قراره مغادرته لبنان إلى روسيا، ويتهرب من دفاعه عن حزب الله، ويعتب على فردانيته في القرار وديكتاتوريته حتى في خطاباته عندما لا يذكر شركاءه الشيوعيين! كيف يمكننا أن نتعامل مع عقلية من هذا النوع على أنها عقلية إبداعية نخبوية ونفصلها عن الموقف السياسي!؟

إن من يطلب الفصل بين المسألة الأخلاقية-الإنسانية والإبداعية، تماما كمن يطالب بالفصل بين إجرام بشار الأسد ومواقفه الجيدة -إن وجدت-، ويتناسى هؤلاء أن من جعلهم يجدون شيئا جيدا في الأسد هو وجوده في رئاسة سوريا، ولو كان رجلا عاديا لما كان هذا الموقف الجيد موجودا. وكذلك المثقف، لو لم يكن قد سوّق نفسه على أنه ثوري وحليف للشعب والفقراء ورسول الحرية، وأصبح رمزا لما كان نتاجه الإبداعي وصل لكل هذا الجمهور حتى!

من يستطيع أن ينكر أن هناك الآلاف من الموسيقيين من هم أفضل بمراحل من زياد الرحباني (موسيقيا)؟ وأن هناك الآلاف من الموسيقيين والمغنين من هم أفضل من مارسيل خليفة صوتا وعزفا وتأليفا؟ وأن هناك الآلاف أيضا من الممثلين من هم أفضل من دريد لحام؟!

الأمر إذن، لا يقتصر على النتاج الإبداعي فحسب، بل كما ذكرت سابقا هو منظومة أخلاقية-إنسانية متكاملة تجعل المبدع أو المثقف في مكانه النخبوي المستمد من الجمهور الذي آمن بمنظومته المتكاملة.

16