هل يمكن تجديد الثورة الشعبية؟

الجمعة 2013/12/06

لم يتوقف النقد للثورة السورية منذ بدأت، ولكن الميل العام لها، لم يتوقف عن السير بعكس ما يريد النقد. حيث تمّ تكريس فهم محدّد وضيّق للثورة، باعتبارها ثورة عفوية وتريد الخلاص من النظام، وبأية طريقة كانت. وأضيفَ للتعريف ذلك إنها ثورة حرية وكرامة، وقُصد فيه، أنّها ثورة لا رؤية لها ولا برنامج ولا سياسات، بل هي لديها هدف واحد اسمه إسقاط النظام، وعمّم لاحقاً كتعويذة بعنوان: إسقاط النظام بكامل رموزه؛ وكأن بذلك يتحقق الإسقاط؛ هذا تفكير سحري، لا علاقة له بالواقع الفعلي.

الواقع أن هناك موازين قوى للصراع؛ فهناك شعب يثور ويثور ونظام يقمع ويقمع. وإن أغلبية السوريين متضررون؛ ودون التفكير بهذه القضية وبكيفية تطوير الثورة، ربما تنجح ولكن تكلفتها ستكون كبيرة، وقد صارت كذلك. وهنا سادت نزعة سياسية (تماحك)، أي تناقِش، بقصة أيّة ضمانات ستعطى لمن لم يشارك، وهل يعطى من يقتل- لاحظ مسحة التعميم الفاسدة والطائفية- ضمانات لمن يقاتل؛ هذا النمط التخويني من التفكير، سيّده مثقفون ليبراليون وطائفيون، معممين كذلك، وبذلك مُنع أيّ تحليل عقلاني جاد.

التفكير السحري ذلك هو ذاته ما دفع أصحابه للتبعية الإقليمية والامبريالية، وفي هذا يتحمل كل من المجلس الوطني والائتلاف الوطني وكل من سار بهذا المسار، مسؤولية كبيرة عن إخفاقات الثورة؛ كلامنا يخص الثورة.

أما النظام فهو الطرف الأول في الصراع، وهو سبب كل ما حدث كسبب رئيسي، أما في إطار الثورة فالسبب الرئيسي للإخفاق هي تلك المعارضة.

هيئة التنسيق لا تدخل ضمن الحساب، لأنّها مجرد مجموعة قوى سياسية ضعيفة وهامشية، وليست وزانة لا في الثورة ولا في التبعية الإقليمية ولا الدولية، هي فقط قريبة سياسياً من الروس، وتُقرأ سياساتها ضمن إطار التحرك الروسي إزاء كل ما يخص الثورة.

وبالتالي، ولأن الوضع كذلك، فشلت كل الانتقادات والعرائض التي حاولت التغيير من داخل المجلس الوطني ولاحقا الائتلاف الوطني، ومنع كل تقارب بين قوى المعارضة.

طبعاً سيرورة الهيئة والمنبر اليتيم، وسواهما لم تكن أفضل حالاً؛ فقد انفضت قواها عنها، وتشتتت معظم الحركة السياسية المعارضة، ومن بقي فيها، بقي طمعاً في منصب سياسي ما، وربما رغبة في ملء وقته وغير وقته كذلك. هكذا نجد أن النقد رُفض، وكان مقابل ذلك فشل القوى السياسية، ليتكرس العمل العسكري في الثورة، بلا أي إستراتيجية عسكرية ولا سياسية، وساد تخبط كارثي في كل ما يخص العمل العسكري، والأسوأ ارتهان حربه ضد النظام لأجندات إقليمية وإمبريالية، ليخبو الاتجاه الثوري فيه، أي صار الجانب الشعبي والوطني قليلاً فيه، رغم أن الكتائب المنخرطة في الجيش الحر، تعدّ الأكثر تمثيلاً للثورة بالمعنى الوطني والشعبي.

أما كتائب النصرة وداعش وسواهما ولاسيما المنخرطة في الجبهة الإسلامية ولاحقا الاتحاد الإسلامي، فهي لا علاقة لها بالثورة، بل ويُعتقد أنّ نشاطاتها، تخضع شبه كلياً إمّا لدول خارجية وإمّا لأجندات مرتبطة بالنظام كذلك. هذه القوى، تقتل من ينتقدها، ولم تتوان عن ذلك في الرقة وحلب وإدلب وفي كل مكان، ولا تشبه بذلك سوى النظام، ولذلك قيل أنّها تمارس ما يريده النظام بالضبط، وهي من تشرّع وجوده فعلياً، ويكمل التشريع كافة الممارسات الانتهازية للمعارضة.

تكريس هذه الأجواء، منع كما قلنا، أيّة ثمار جديّة للنقد، فتحوّل إلى محض محاولات فكرية، وأحياناً ثرثرة فارغة، أو مجموعات صغيرة سرعان ما تلاشت، أو بقيت ولكنها ظلت هامشية، عدا عن ضعف الرؤية التي لازمتها، وقد فشلت كذلك في تقديم رؤية أدق وأشمل، ومن امتلك نسبياً ذلك، بقي دوره هامشياً.

وبقدم العمل العسكري، وبتحول البلد إلى ساحة حرب حقيقية، أصبح من شبه الوهم تلك الاستعادة للثورة الثورة كما كانت في بداياتها، وبالتالي أصبحت المظاهرات أقرب للرمزية، وبعضها بإشراف من المكون العسكري ذاته. ولكن هل يمكن أن تشهد دمشق مثلاً تلك العودة أو سواها من المدن والبلدات.

أظن الأمر ينقصه الكثير من الدقة، فالواقع إمّا حرباً لا هوادة فيها، أو تشدّداً أمنياً طاغياً في مناطق السلطة أو تشدّداً جهادياً في مناطق أخرى، عدا عن هجمات النظام المستمرة على المناطق الواقعة تحت سيطرة المكون العسكري.

ما الممكن فعله إذن؟ أظن تجديد واستعادة تجربة المجالس المحلية، لتمثيل الناس فعلياً هو الضروري، وفصلها كلية عن المكون العسكري، ورفض كل سيطرة للكتائب العسكرية، من الجيش الحر ومن الجهاديين على تلك المجالس وتشكيل مجالس مدن كذلك، وألا تخضع مطلقاً بشؤونها الخدمية والقضائية بل والسياسية وبما يخص قضية الحريات للكتائب، هنا لا أرى مستقبلاً لوزارة أحمد طعمة أو سواها في حل مشكلات الناس، وكان الأجدى دعم المجالس المحلية والمدينية، وبشكل دقيق بدلاً من وزارة لا قيمة لها فعلياً ولن تعمل كما أتوقع؛ فهي شكلّت بطريقة عبثية وربما للضغط من أجل جنيف.

في المناطق الواقعة تحت سيطرة السلطة، الممكن الوحيد تقديم كل أشكال الدعم الإغاثي والنفسي والتعليمي، والاهتمام بالإعلام كذلك، وربما شيئاً من جلسات الحوار إن أمكن.. أكثر من ذلك كأن يُفكر باستعادة المظاهرات أو من هذا القبيل، فإنه تفكير يجانب الصواب وكلفته مجانية تماماً؛ فبعد عديد المحاولات، في العام الثالث للثورة، وفشلها، للأسباب المذكورة أعلاه، يصبح التفكير بهكذا قضايا وفي ظل استمرار الأجواء ذاتها نوعاً من العبثية، والعقلية الانفعالية، وربما بسبب غياب أية قراءة جدية للواقع ذاته. الدعم وكل ما يخص هذا الموضوع أظنّه الممكن الوحيد، ضمن ما ذكرناه.

لا شك أن هذه النظرة صادمة للبعض، ولكن أية مراقبة حسيّة للواقع في العام الثالث ستوضح هذا الأمر تماماً.

إذن، وكلما تعاظمت المشكلات، وكثرت اللقاءات الدولية عبر جنيف وسواه، يصبح النقد ضرورياً، وربما صار ضرورياً تجاوز النقد إلى تقديم رؤية كاملة عن ما بعد جنيف، أو عن الوضع في حال استنقاعه أكثر فأكثر؛ ورغم ما ذكرنا أعلاه، فإن وجود رؤى وسياسات وبرامج مصاغة على تمهل ونقد وعقلنة، ستكون بمثابة بوصلة لسوريا بعد الحرب ومن أجل تجديد الثورة ذاتها، سواء أعقد جنيف أم لم يعقد.


كاتب سوري

9