هل يمكن تجنب دفع بغداد إلى مدار طهران مرة أخرى

الدبلوماسية السعودية الناعمة يمكن أن تكون مع الدبلوماسية الأميركية الصارمة سلاحا قويا لاحتواء مكانة إيران الإقليمية.
الأربعاء 2019/05/22
تحجيم نفوذ إيران

بغداد - جعل سقوط صاروخ كاتيوشا بالقرب من السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء ببغداد، العراق نقطة محورية في مسار التصادم بين إيران والولايات المتحدة، ضمن سياق سيضع في نهايته، النقاط على حروف علاقات بغداد بطهران من جهة وبواشنطن من جهة ثانية، وبمحيطها العربي من جهة ثالثة، وسيكون اختبارا لمحاولات العراق فتح آفاق جديدة بعيدا عن إيران، كما سيكون اختبارا لكل السياسات والتحركات الأميركية والعربية لاستعادة هذا البلد وتصحيح أخطاء مرحلة ما بعد الغزو الأميركي في 2003.

بدا العراق في الأشهر الأخيرة متبنيا لسياسة جديدة تقوم على فكرة استعادة العلاقات مع المحيط العربي والحفاظ على التحالف مع الولايات المتحدة مع البقاء في صف إيران، وهي سياسة حملت بذور فشلها من البداية، ليتأكّد هذا الفشل أكثر اليوم وفق المعطيات الجديدة وفي ظل التصعيد الراهن في المنطقة.

ويرى فنر حداد، الباحث في معهد الشرق الأوسط بجامعة سنغافورة، أن العراق “يدفع ضريبة” تجاذبات واشنطن وطهران، ما “يعطيه موقعا لا يحسد عليه في خط المواجهة في أي نزاع مستقبلي بين الطرفين”، فيما يؤكد خبراء آخرون أن الأمر لا يقتصر على العراق فحسب بل يعتبر اختبارا أيضا لمدى متانة التواجد الإيراني في العراق.

قبضة إيران ترتخي

نجحت إيران على مدى سنوات طويلة في ترسيخ تواجدها السياسي والعسكري والاقتصادي في العراق، وهي اليوم ثالث أكبر شريك تجاري للبلاد، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بينهما حوالي 12 مليار دولار سنويا. مع ذلك، يرى المحلل السياسي في مجلة فورين بوليسي، أرون مجيد، أن قبضة التدخل الإيراني بدأت ترتخي ولم تعد كما كانت في السنوات السابقة.

ففي أواخر سنة 2018، زار الرئيس الأميركي دونالد ترامب قاعدة الأسد الجوية العراقية، بشكل سري. ونظرا لأن هذا يعتبر عدم احترام لسيادة البلاد، فقد احتج نواب تحالف الفتح على هذه الخطوة وكثفوا جهودهم لطرد الجنود الأميركيين المتبقين في البلاد وحصلوا على دعم المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، الذي دعا العراق إلى طرد الولايات المتحدة “في أسرع وقت ممكن”.

العراق يدفع ضريبة تجاذبات واشنطن وطهران، ما يعطيه موقعا لا يحسد عليه في خط المواجهة في أي نزاع مستقبلي بين الطرفين

لكن، لم تلتفت أي جهة لمطالبات إيران وتحالف الفتح، ولم تتخذ أي خطوة جدية في هذا السياق. ورفضت الأحزاب السنية والكردية تأييد مشروع القانون. وفي مارس 2019، سافر محمد الحلبوسي، رئيس البرلمان العراقي، إلى واشنطن لتأكيد تقدير العراق للوجود العسكري الأميركي. وفي أواخر شهر أبريل، التقى الرئيس العراقي برهم صالح في الولايات المتحدة بالسيناتور تامي داكويرث، التي فقدت ساقيها وهي تقاتل في العراق، “لتكريم تضحيتها”.

ومن العلامات الأخرى التي تشي بتراجع السيطرة الإيرانية المطلقة على العراق، عودة العلاقات العراقية السعودية. وتجسدت هذه العودة بشكل صريح خلال زيارة رئيس الحكومة العراقي عادل عبدالمهدي إلى الرياض في أبريل.

وخلال الزيارة وقعت الحكومة العراقية 13 اتفاقية مع الرياض. وفي نفس الشهر، أعادت السعودية فتح قنصلية بغداد، للمرة الأولى منذ حوالي 30 عاما؛ كما تعمل السعودية على افتتاح قنصلية في مدينة النجف، الأمر الذي يؤجج غضب إيران التي ترى أن البساط العراقي يسحب من تحت أقدامها رغم ما تملكه من نفوذ سياسي وبطش الميليشيات الموالية لها.

ويأتي الخطر الأكبر بالنسبة لإيران من الشارع العراقي. فقد أظهر استطلاع للرأي نُشر في صحيفة واشنطن بوست انخفاضا بنسبة 41 بالمئة في تفضيل الشيعة العراقيين لإيران بين عامي 2015 و2018. وتتأكد صحة نتائج هذا الاستطلاع بالنظر إلى المظاهرات التي شهدتها شوارع مدن عراقية، بنيها البصرة، تندد بالتدخل الإيراني في البلاد.

وبالإضافة إلى إحراق مكتب للميليشيا المدعومة من إيران، اقتحم عدد من المتظاهرين من سكان مدينة البصرة القنصلية الإيرانية، وحطموا الأثاث قبل إشعال النار في المبنى. واعتبر أرون مجيد أن إحراق منشأة دبلوماسية إيرانية في واحدة من أهم المدن الشيعية في العراق، وفي ذروة تبجح طهران بالسيطرة على بغداد، علامة واضحة على حدود انتشار إيران وسيطرتها.

ويرى مجيد أنه رغم نفوذ طهران الكبير في بغداد، فقد تم إحباط طموحاتها في العراق بشكل متكرر، وتبدو الفرصة سانحة اليوم لتوجيه الضربة الأقوى لإيران. وهذه الضربة هي وفق المراقبين الحرب الحقيقية، بين الولايات المتحدة وإيران التي تستمد جزءا كبيرا من قوتها من العراق وبالتالي تحجيم نفوذها في هذا البلد وتحديد تدخلها مما سيكون له أثر كبير عليها.

يصعب التنبؤ بسيناريو حرب بالوكالة في العراق، لكن المحللين يشيرون إلى ضربات محدودة أو عمليات استنزاف. ويقول المحلل السياسي هشام الهاشمي “بحسب تجربة سابقة، لن تكون هناك حرب مباشرة. فالولايات المتحدة تعتمد على الإنهاك الاقتصادي الذي قد تصاحبه ضربات جوية محدودة لاستنزاف العمق الإيراني”.

سلاح الاقتصاد

العودة إلى الحضن العربي
العودة إلى الحضن العربي

مثلما تعدّ إيران أهم شريك تجاري للعراق، يعتمد العراق كذلك على إيران للحصول على الغاز الطبيعي والكهرباء. وإذا خسرت الحكومة هذه الموارد، فستواجه خطر خروج الشارع الغاضب كما حدث في البصرة. لذلك يرى الخبراء أن من أهم أدوات مواجهة إيران في العراق تمكين بغداد من البدائل الاقتصادية، حتى تتمكن من تحرير نفسها تدريجيا من الاعتماد المطلق على طهران.

وكتب المحلل الإسرائيلي زفي بارئيل، في صحيفة هآرتس، مشيرا إلى أن التبعية الاقتصادية العراقية لإيران تطورت بعد سنوات قليلة من الغزو الأميركي. وتشمل اليوم ديونا تبلغ حوالي ملياري دولار يجب أن يسددها العراق لإيران.

وتذهب التطلعات في هذا السياق إلى الدور السعودي، حيث يشير الخبراء إلى أن عودة الرياض يمكن أن تحدث توازنا في السياسة العراقية وتعيد ضبط بوصلتها شيئا فشيئا بحيث لا يكون البيض العراقي كله في سلة إيران.

ومنذ عودة العلاقات أبدت الرياض جدية في دعم بغداد. انعكس ذلك في افتتاح السفارة كما في الاتفاقيات التي تم توقيعها. وقد عرضت السعودية بيع الكهرباء للعراق بثمن أقل من ذلك الذي تطلبه إيران. وفي الشهر الماضي، أعلنت الرياض عن خطط لاستثمار مليار دولار لتطوير مشاريع في بغداد. وتتواصل السعودية اليوم بانتظام مع مختلف مكونات الشعب العراقي، من سياسيين سنة وأكراد إلى رجال دين شيعة.

ويرى بارئيل أن الدبلوماسية السعودية الناعمة يمكن أن تكون مع الدبلوماسية الأميركية الصارمة سلاحا قويا لاحتواء مكانة إيران الإقليمية، لكن، “لكي يحدث هذا، يجب أن تتوقف السعودية والولايات المتحدة عن التعامل مع العراق باعتباره دمية إيرانية تطيع أوامر طهران”، وهو ما يؤكد عليه أيضا أرون مجيد بقوله إن “العراق لم يعد تابعا لإيران”، والفرصة مواتية الآن لتأكيد ذلك حيث تشي تصريحات وتفاعلات الأذرع الإيرانية، السياسية والعسكرية، في العراق أنها قلقة من أن يتم الزج بها في حرب تقودها الولايات المتحدة نتيجتها واضحة بأنها لن تكون في صالحها ولن تكون قادرة على تحمل تبعاتها.

7