هل يمكن توحيد الأحزاب المغاربية المعارضة

هل سيكون إعلان الجزائر منطلقا للشروع في بناء أسس تمكن من تجميع الأحزاب المغاربية المعارضة، علما وأن هذه الأحزاب كثيرة العدد، ومتناقضة من حيث انتماءاتها العقائدية؟
الخميس 2018/03/22
مبادرة حزبية طموحة

برزت هذا الأسبوع قضية مهمة في الأفق السياسي الجزائري بشكل خاص، والمغاربي بشكل عام، وهي تتصل بالإعلان الذي نشرته الصحف الجزائرية لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الجزائري، ويتمثّل في الدعوة إلى “عقد جديد لبلدان شمال أفريقيا والدول المحاذية لمنطقة الساحل”.

لا شكَ أن هذا الإعلان يمثّل مبادرة سياسية طموحة يمكن لها في حالة تجسدها عمليا، أن تلعب دورا فعّالا في تشكيل كتلة حزبية مغاربية معارضة قادرة على رسم صيغة شعبية جدية تساعد المعنيين على تفعيل الاتحاد المغاربي.

ويرى المحللون السياسيون أن هذه الحركة يمكن أن تؤدي أيضا إلى إخراج حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية من النطاق الجزائري الضيق، ومن محدودية الفضاء الخاص بالنضال السياسي من أجل تحقيق المطالب الثقافية الخاصة بالإثنية الأمازيغية بالجزائر إلى الفضاء السياسي المغاربي الأوسع.

من المعروف أن حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية قد اتهم من قبل أطراف مناهضة له ومن قبل وسائل الإعلام الجزائرية، وخاصة تلك التي تنطق بلسان النظام الحاكم وأحزاب الموالاة بأنه ليس سوى حزب جهوي لائكي تدور في فلكه نسبة ضئيلة من المنتمين إلى الإثنية الأمازيغية الجزائرية، هذا ويتهم بشدة أيضا من طرف التيار السياسي الجزائري ذي التوجّهات الوحدوية المغاربية بعدم تحويل أدبياته السياسية إلى مواقف عملية ومبدئية لصالح إيجاد حلول عاجلة للقضايا المغاربية المعقدة، مثل غياب التكامل السياسي والاقتصادي والثقافي بين البلدان المغاربية، فضلا عن عدم مساهمته في الحد من تفاقم المشكلات الموروثة عن الاستعمار الأوروبي وفي مقدمتها مشكل الحدود.

النواة الأولية المتكوّنة من حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الجزائري وحركة مشروع تونس والحزب الجمهوري التونسي وحزب الأصالة والمعاصرة من المغرب والحزب الوطني من ليبيا، يمكن أن تتوسع وتنضم إليها أحزاب مغاربية معارضة أخرى

ولكن فحص أدبيات هذا الحزب يبرز أن الأسس التي قام عليها لا تتنكر للبعد المغاربي، وبالعكس فإن بنود برنامجه تؤكد على ضرورة تضافر الشخصية الوطنية الجزائرية مع البعد الأوسع للشخصية الحضارية والتاريخية المغاربية. إلى جانب كل هذا فإن أدبيات حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية تعترف بتكامل حضارات البحر المتوسط.

وفي هذا الخصوص نجد الفصل الأول من القانون الأساسي لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية يلحَّ على “الأمازيغية والعروبة والإسلام، إضافة إلى الانتماء المغاربي والأفريقي والبحر المتوسطي”، باعتبارها “المكوَنات والمقومات الأساسية للهوية الوطنية”.

ولكن التجربة تبين أن هذه الأهداف والغايات المسطرة في برنامج تأسيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية لا تزال مجرد شعارات سياسية مرفوعة تصطدم بجدار الموروث الاستعماري الأوروبي الذي ما فتئ ينغص العلاقات بين الدول المغاربية، مثلما يهدد المنطقة كلها تهديدا حقيقيا يمكن أن ينزلق إلى صراع مسلح.

في ظل هذا الوضع الصعب أبرزت بعض وسائل الإعلام الجزائرية المدعمة للتكامل المغاربي أن البيان المشترك الصادر بالجزائر مؤخرا عن اجتماع وفود كل من حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وحركة مشروع تونس التي يرأسها محسن مرزوق، والحزب الجمهوري التونسي، وحزب الأصالة والمعاصرة من المغرب والحزب الوطني من ليبيا “له دلالات كثيرة وفي مقدمتها السعي بجدية وضمن الأطر الشعبية والنخبوية الملتزمة بمشروع بناء فضاء مغاربي موحد سياسيّا وثقافيّا وتعليميّا واقتصاديّا وأمنيّا، إلى تشكيل كتلة مكوّنة من الأحزاب المغاربية الهادفة إلى تجاوز الفرقة التي تميّز سلبيا الواقع القائم في المنطقة المغاربية”.

ويرى المراقبون السياسيون أن هذه النواة الأولية المتكوّنة من حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الجزائري وحركة مشروع تونس والحزب الجمهوري التونسي وحزب الأصالة والمعاصرة من المغرب والحزب الوطني من ليبيا، يمكن أن تتوسع وتنضم إليها أحزاب مغاربية معارضة أخرى، كما يتوقّعون أيضا أن تدعم بجمعيات وروابط المجتمع المدني لتكون بمثابة بداية لإحياء ميراث نجم شمال أفريقيا، وذلك من أجل الانطلاق في عمل سياسي يفضي إلى بعث الحياة في الاتحاد المغاربي لتجاوز الجمود الذي مافتئ ينخر مؤسساته جراء التناقضات الكثيرة منها التناقضات الموروثة عن الحقبة الاستعمارية الفرنسية والتي لا تزال إلى يومنا هذا تربك العلاقات بين البلدان المغاربية.

ولكن الواقع الراهن للبلدان المغاربية يختلف عن الواقع الذي تأسست في ظله منظمة نجم شمال أفريقيا عام 1926، حينما كانت البلدان تناضل من أجل استقلالها عن الاستعمار الفرنسي، وحين كان نضال العمال المهاجرين المغاربيين جزءا من النضال التحرري الوطني المغاربي في الداخل، وجزءا من نضالات الحركة اليسارية العالمية ذات التوجه اللائكي والمرتبطة حينذاك بالحزب الشيوعي الفرنسي.

هذا التحليل يقودنا إلى طرح السؤال التالي: هل سيكون إعلان الجزائر منطلقا للشروع في بناء أسس تمكَن من تجميع فسيفساء الأحزاب المغاربية المعارضة، علما وأن هذه الأحزاب كثيرة العدد ومتناقضة من حيث انتماءاتها العقائدية؟

9