هل يمكن فدرلة جمهورية إيران الإسلامية

الأربعاء 2014/04/16

لم يتمتّع الكرد الإيرانيون بحقوقهم القومية في جمهورية إيران الإسلامية، وهم لا يختلفون كثيرا عن أشقائهم الكرد في تركيا التي ضيّقت هي الأخرى الخناق عليهم وزجّت بقادتهم في السجون.

ويكفي أن نشير هنا إلى عملية اختطاف عبدالله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، أثناء تواجده في كينيا، حيث تمّ نقله بطائرة خاصة إلى تركيا التي حكمت عليه بالحبس مدى الحياة لأنها ألغت عقوبة الإعدام في أغسطس 2002، ووضعته في جزيرة آمرلي في قلب بحيرة مرمرة غير آبهة بعشرات المظاهرات التي اندلعت في عموم ما يسمّى بكردستان الكبرى التي تضم الأقاليم الكردية الأربعة في إيران وتركيا وسوريا والعراق.

رغم أنّ ظهور كلمة كردستان كمصطلح جغرافي يعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي، إلاّ أن وجود الأقوام الكردية يمتد أبعد من ذلك التاريخ، حيث كان السومريون يسمّونهم “كوراقوتيوم” بينما يطلق عليهم الآشوريون اسم “كورتي”، أما الإغريق فقد كانوا ينعتونهم بالـ”كوردرين” وكل هذه الكلمات قريبة جدا من لفظ كلمة “كوردي” المتداولة في الوقت الراهن.

لم تعترف جمهورية إيران الإسلامية بالأمة الكردية ولم تستجب لمطالب الأكراد الشرعية التي عبّروا عنها بمظاهرات سلمية تارة، أو بانتفاضات مسلّحة تارة أخرى، أوصلتهم إلى إعلان جمهورية مهاباد الكردية عام 1946 لكنها لم تدم أكثر من أحد عشر شهرا. فلا غرابة أن ينقسم كرد إيران إلى فريقين يحمل أحدهما السلاح بين حين وآخر، فيما يرتكن الفريق الثاني إلى النضال السلمي المتمثل في المظاهرات والاحتجاجات والمطالبات المتواصلة لتحقيق الحكم الذاتي على الأقل.

قبل إعلان جمهورية مهاباد بأربع سنوات تأسست “جمعية الانبعاث الكردي” التي أرادت أن تعبِّر عن تطلعات الكرد وأحلامهم بمستقبل أفضل، لكن سرعان ما انبثق الحزب الديمقراطي الكردستاني كبديل لهذه الجمعية بغية تعزيز الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين، لكن هذا الحزب قوبل بقمع السلطات الإيرانية واستبدادها ليس بالكرد فحسب، وإنما ببقية القوميات الأخرى مثل الأذريين والبلوش والعرب والتركمان وما إلى ذلك.

لم يتضاءل وهج الأمل لدى قادة وأعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران، ولم ينتكس مشروعهم النضالي رغم الآلاف المؤلفة من الشهداء الذين قدّموهم فداء للـوطن وعلى رأسهم قادة الحزب، فربما تكون إيران هي البلد الوحيد الذي اغتال القادة الكرد واحدا إثر الآخر ففي 13 يوليو من عام 1989 تمّ اغتيال الدكتور عبدالرحمن قاسملو في العاصمة النمساوية فيينا من قبل المخابرات الإيرانية، فحلّ محلّه السيد صادق شرفكندي الذي اغتيل هو الآخر ببرلين في أيلول 1992 بعد أن ثبت تورّط الرئيس الإيراني السابق نجاد بتقديم الدعم اللوجستي.

لم يُترك الحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران دون قيادة، فالأمة الكردية شأنها شأن الأمم الأخرى ولاّدة للساسة والمفكرين والمثقفين المستعدين للتضحية بالغالي والنفيس من أجل وطنهم وأمتهم الكردية، حيث وقع الاختيار على مصطفى هجري (المولود في مدينة نقده عام 1945)، صاحب الأدوار المهمة في المظاهرات الجماهيرية التي انطلقت ضد نظام الشاه عـام 1978، حيـث أصبح القائد المؤقت للحزب إلى حين اقتـراب موعد المؤتمر العاشر للحزب عام 1995. وبين المؤتمر العاشـر والثـالث عشر أصبـح هجري نائبا لرئيس الحزب، لكنه تسلّم قيادة الحزب في المؤتمر الثالث عشر الذي انعقد عام 2006، كما أعيد انتخابه في المؤتمر الخامس عشر عام 2012 لقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني لأربع سنوات قادمة.

لم تكف الحكومة الإيرانية عن مسلسل تصفياتها الجسدية فلقد تعرّض هجري إلى محاولة اغتيال عام 2007 لكنه نجا منها بأعجوبة. لقد عُرف عن هجري أنه رجل مبادئ وقيم كبيرة لا يتخلى عنها بسهولة حتى لو دفع حياته ثمنا لها.

ورغم قناعته بحمل السلاح في بعض الحالات الاستثنائيـة دفاعا عن النفس والكرامة والقيم الوطنية النبيلة، إلا أنه يـدعو بإخلاص إلى تبنّي المفاوضات والحلول السلمية في الدفاع عن حقوق ومصالح الشعب الكردي في إيران، وفي عموم المنطقة الكردية، دون أن ينسى أو يتناسى أن على حكومات هذه المنطقة أن تعترف بحقوق القوميات والأقليات والأطياف الأخرى التي تعيش في هذه الأماكن، وهو يؤمن إيمانا قاطعا أن المفاوضات والحوارات السياسية هي الطريق الأمثل لإيجاد الحلول الشفافة للمشكلات المستعصية التي تضجّ بها المنطقة.

لقد شخّص هجري المشكلة الرئيسة التي تعاني منها حكومات الشرق الأوسط وهي الدكتاتورية لذلك دعا غير مرة منذ عام 2004 وإلى حد الآن إلى ضرورة ترسيخ الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية من خلال تحقيق الفيدرالية التي تضمن حقوق القوميات والأقليات الأخرى في إيران وتركيا وسوريا والعراق. وحينما لم يجد آذانا صاغية دعا إلى أكثر من مؤتمر للقوميات غير الفارسية المتعايشة ضمن جمهورية إيران الإسلامية بغية تنسيق جهودها ونضالها من أجل نيل حقوقها القومية والدينية والثقافية من هذا النظام الثيوقراطي الذي لا يتورع عن القتل والتصفيات وإبادة الآلاف المؤلفة من الثوار الكرد الذين يعيشون في إيران منذ آلاف السنين، وكأنهم أناس طارئون حلّوا من كوكب آخر، بينما يشهد التاريخ أنهم قد عاشوا منذ أمدٍ بعيد بين أذربيجان ولورستان، وهم يشكّلون الآن أمة كاملة حتى وإن تفرّقوا بين بلدان عدة. وأن مسلسل القتل، وحمّامات الدم، والتصفيات الجسدية لن تجدي نفعا وأمثلة التاريخ أكثر من أن تُحصى.

فيا تُرى هل يمكن “فدرلة” جمهورية إيران الإسلامية مثلما “فُدرِل” العراق، أم أن إيران الإسلامية غير قابلة للقسمة على أربع قوميات في الأقل وعلى رأسها الأذريين والبلوش والعرب والتركمان؟


كاتب صحفي عراقي

9