هل يمكن للتكنولوجيا الرقمية أن تعزز فرص التعليم العميق للطلاب

يتواتر الحديث دائما عن أهمية التعليم الرقمي في العالم، فيما تركز أغلب الدول وخصوصا المتقدمة منها إضافة إلى بعض الدول العربية مثل الإمارات والسعودية والمغرب على النهوض بهذا القطاع وتطويره عبر إدخال آليات جديدة في التدريس ومنها بالأساس الأجهزة التكنولوجية المتطورة.
الثلاثاء 2017/12/12
الإقلاع.. لكن في حدود

لندن - نظرا لأن التنافس العالمي أضحى قائما على المعرفة والابتكار، فإن العديد من البلدان تركز أهدافها التعليمية على هذا الاتجاه، حيث تشير العديد من الدراسات إلى أنه يجب على الطلاب أن يتجاوزوا شهادة الدراسة الثانوية دون أن يكتسبوا المعارف الأكاديمية فحسب بل أيضا القدرات المعرفية والداخلية والشخصية. وهذا يعني أنه يجب عليهم الانخراط في منظومة تعلّم أعمق. ومع بداية التحول الذي تشهده المدارس في عدة دول في العالم عن نماذج التعليم التقليدية لصالح توفير بيئات تعلم أعمق، فإن خبراء وباحثين في قطاع التعليم يؤكدون على ضرورة أن تبادر هذه البلدان إلى تنفيذ بنية تحتية جديدة لدعم تعلم الطلبة.

ويعني التعليم العميق أن الطلاب يحتاجون لأن يتعلموا لا فقط مجالات المقرر الدراسي، وإنما أيضا كيف يطبقون ذلك على حالات أخرى في حياتهم من خلال حل المشكلات التي تعترضهم والتفكير النقدي ومهارات التواصل.

وتؤكد العديد من الدراسات على أهمية التكنولوجيا الرقمية في توفير فرص تعلم أعمق. وفي أحدث تقرير لها كشفت مؤسسة “راند” من خلال دراسة بحثية صادرة عام 2017 بعنوان “التربية والتعليم: دور التكنولوجيا الرقمية في التمكين من تطوير المهارات لعالم مترابط” أشرفت عليها مجموعة من الباحثين والخبراء في مجال التعليم تتكون من أكسال دوفو وجولي بيلانجيه وسارة غران كليمان وكاتريونا مانفيل، عن أهمية الدور الذي تلعبه التكنولوجيا الحديثة في توفير فرص تعليم أوفر حظا، لكنها في المقابل أكدت أنه رغم التطور الذي يمكن أن تحدثه هذه التكنولوجيا الرقمية، فإن المهمّة التي يقوم بها المعلم تظل أساسية لجهة الدور الموكول له في الإرشاد ومتابعة الطلاب وتنمية مهاراتهم. ويسلط البحث في هذه الدراسة الضوء على تأثير نمو التكنولوجيا الرقمية في التعليم وكسب المهارات. ويقول المؤلفون إن “التكنولوجيا ليست مسيطرة أكثر على حياة الناس فقط، لكن استخدامها المتنامي سوف يؤثر على المناهج الدراسية للمدارس والمهارات الرقمية الجديدة في الوظائف والاستخدام المتغير للخدمات”.

ورغم ذلك، فإنهم يشيرون إلى أن المؤسسات التربوية لا تتمكن من مواكبة النمو التكنولوجي، وأن هناك مهارات جديدة يجدر تعلمها بغض النظر عن المهارات الرقمية الصرفة. ويرى هؤلاء أن التكنولوجيا الرقمية قد تؤدي إلى إقصاء اجتماعي متزايد لأقسام مختلفة من مجتمعنا.

وهذه الدراسة التحليلية هي جزء لسلسلة من أربعة مناظير تحليلية تستكشف الفرص والتحديات التي توفرها التكنولوجيا الرقمية داخل المجتمع، استباقا لبرنامج القيادة الفكرية من أجل مجتمع رقمي لعام 2017.

التكنولوجيا التي تطبق بطرق جديدة يمكن أن تغير الكثير من السلوكيات المتبعة في التعليم، وهناك رؤية هادفة لتحويل وتغيير أساليب التعليم في دول الخليج

ويقر الباحثون بأن المهارات الرقمية أضحت متوفرة بشكل متزايد في التعليم، ويقدمون مثالا على ذلك بعض الدول التي أدمجت الإلمام بالتعليم الرقمي، مثل فرنسا والنرويج، الذي يعرّف على أنه فهم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتعاطي معها بشكل يومي والتفاعل معها بوصفها جزءا من المنهج الدراسي الأساسي، فيما قامت بلدان أخرى مثل إستونيا وبريطانيا بإدخال التشفير الحاسوبي أو البرمجة في الصفوف الابتدائية.

وعلى الجانب الآخر تعمل البعض من البلدان مثل فنلندا على مراجعة كيفية تركيب المنهج الدراسي التقليدي من أجل تركيزه حول أنواع المهارات التي سوف يحتاجها المتعلمون من التكنولوجيات المتغيرة بسرعة بدلا من تركيزه حول مقاربة تقليدية.

أما في البلدان العربية تخوض دولة الإمارات سباق التحدي في هذا المجال، من خلال توفير كل الظروف والإمكانيات للنهوض بقطاع التعليم وتعميم تجربة التعليم الرقمي على كافة المؤسسات.

وقال أحمد أمين عاشور، مدير قطاع التعليم لدى شركة مايكروسوفت الخليج، إن “التكنولوجيا التي تطبق بطرق جديدة يمكن أن تغير الكثير من السلوكيات المتبعة في التعليم، وهناك رؤية هادفة لتحويل وتغيير أساليب التعليم في دول الخليج”. وبالموازاة مع ما تقدمه التكنولوجيا من فرص لتعليم متطور وبحث أعمق وسريع التطبيق، فإن تساؤل الخبراء في هذه الدراسة لا يكاد يتوقف، ماذا نتوقع أكثر مما يجب على التعليم الرقمي أن يوفره؟

ومن هذا المنطلق فإنهم يقرون بأن استخدام التكنولوجيات الرقمية في المؤسسات التربوية لا يترجم بالضرورة إلى فرص تعلم أفضل، ويشيرون إلى أن الأدلة الحديثة توحي بأنه في الواقع لا يوجد ترابط إيجابي بين مدى استخدام المتعلمين للكمبيوترات في المدارس وأدائهم في الرياضيات والإلمام بالقراءة والكتابة وحتى الإلمام الرقمي. وفي هذا الإطار تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن التكنولوجيات الرقمية تستبطن القدرة على تحسين التعليم والتعلم بعدة طرق، لكنها لا تستطيع تحقيق هذا التطوير منفردة.

وكشف الباحثون خلال هذه الدراسة عن أن مؤسسة راند تجري تقييما حاليا لمعلمي مجموعة من المدارس الابتدائية تم من خلاله استخدام تطبيق رقمي لتوفير تغذية راجعة (تهدف إلى إخبار المتعلم بنتائج ردوده وآلية تصحيح أخطائه) مباشرة ومؤجلة للتلاميذ الذين يكونون غير مؤرخين. وأعلنت المؤسسة أنها تقوم بتنفيذ فروض في الرياضيات بمؤسسة التطبيق المذكورة، وهي عبارة عن أداة للتكنولوجيا الرقمية كي يتمكن المعلمون بواسطتها من توفير التغذية الراجعة، لكنها أقرت بأن هذه الأداة ستكون فعالة فقط في حال كانت التغذية الراجعة التي يوفرها المعلمون عالية الجودة، لأن استخدام التطبيق وحده لن يكون كافيا لتحسين التعلم.

ويوصف التعليم الرقمي في الكثير من الأحيان بأنه طريقة جذابة للوصول إلى المزيد من الناس بشكل أسرع وأكثر شمولا. ويمكن للتكنولوجيا الرقمية أن توفر التعليم لأولئك الذين لم يتمكنوا من بلوغه مثل الموجودين في المستشفيات والسجون والمناطق النائية، أو أولئك الذين يحتاجون للمرونة في الحضور، أو أولئك الذين يدرسون خارج ساعات العمل.

وتعتبر أزمة اللاجئين الحالية مثالا حيا على الطرق التي تكون فيها الوسائل الرقمية قناة تواصل مهمة لهؤلاء، وتسهل في هذه الحالة طرق الاندماج بالنسبة إلى مجموعات كبيرة من هذه الحالات، حيث يُنظر إلى تكنولوجيات التعليم على أنها الوسيلة الوحيدة التي تسمح أحيانا للمتعلمين الأكثر ضعفا بالمشاركة في عملية التعليم.

لكنّ الأبحاث الحديثة حول ظاهرة الدورات الإلكترونية المفتوحة الحاشدة في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا مثلا تظهر أن أول المستفيدين هم أولئك الذين يملكون في الأصل مؤهلات في التعليم العالي.

وهذه النتيجة أثارت تساؤلات الخبراء حول القدرة المحتملة على الإدماج التي يملكها التعليم الرقمي والتحديات التي تواجهه ومسألة ضمان أن يترافق هذا النوع من التعليم مع الدعم المناسب للمعلّمين.

ويشير الخبراء إلى أن التكنولوجيا الرقمية بإمكانها أن تساعد في جعل تجارب التعلم لدى الطلاب أكثر جاذبية، كما أنها تساهم بصفة ملحوظة في تقوية التعليم العميق، ولكن مع ذلك فإنهم يقرون بأن دور المعلم يبقى ضروريا في الوصول إلى هذه النتيجة.

17