هل يمكن للشاعر العربي أن يعيد إلى الشعر دوره الطليعي

الحديث عن أزمة يعيشها الشعر ليست تهمة. مظاهر هذه الأزمة تبرز في تراجع عدد قرائه ودارسيه وناشريه وعجزه عن تحقيق اختراق ما في سقف السائد من الكتابة الشعرية.
الثلاثاء 2019/07/30
الشاعر في حيرة على مستقبله (لوحة للفنان بسيم الريس)

لا يختلف اثنان على أن الشعر يعيش أزمة اليوم، وإن كان بعضهم يقصرون الأزمة في الواقع العربي، فإن هذا خاطئ، حيث الأزمة امتدت لتطال الشعر في كل مكان، أمسيات هنا وهناك لا يحضرها إلا نزر قليل، كتب شعرية لا تبيع إلا أعدادا محتشمة من النسخ، قراء ونقاد وناشرون ومنابر إعلامية، كلهم انصرفوا عن الشعر، ولهذا أسبابه، ولو أن الأمر في العالم العربي له خصوصياته، من حيث النقاشات الشكلية التي عادت إلى السطح.

الشعر الذي كان يتقدم المشهد الثقافي في العالم، ويضبط إيقاعات تحولاته الجمالية والفكرية ظل يمارس هذا الدور حتى غياب أهم أعلامه. والشعر الذي حقق أهم نقلة نوعية في الشعرية العربية مع جيل الرواد وما تلاه من تجارب لم يستطع أن يتجاوز منجزه في ظل حالة الفوضى والكتابة المجانية التي يعيشها في الوقت الراهن.

 كل هذا حدث مع تراجع الشعر عن لعب دور الحصان الذي كان يقود عربة الإبداع هنا وهناك، وعن قدرته على إغواء القارئ واجتذابه إلى قراءته وبالتالي اجتذاب الناشر إلى نشره. فهل الشعر في أزمة وإن كان كذلك فكيف نتلمسها.

يسأل البعض في هذا السياق هل بلغت قصيدة الحداثة سقف الشعرية مع قصيدة النثر بتياراتها وتجاربها المختلفة. ويسأل آخرون ماذا بعد أن استثمرت القصيدة الحديثة أدوات التعبير الجديدة مع انفتاحها على الأجناس الأدبية والفنون المسرحية والبصرية الأخرى، وعلى المرجعيات الصوفية والميثولوجية والفلسفة وتوظيف بعض وسائلها التعبيرية وتقنياتها وطاقاتها الإيحائية والرمزية.

أزمة الشعر

استعار الشاعر الحديث في هذا السياق الحداثي القناع والأسطورة والرموز التاريخية والدينية والميثولوجية، كما استخدم المشهدية واللقطة والتقطيع المشهدي واللوحة والسرد. ترك ميراثا عظيما ووافرا صنعه شعراء المدارس المختلفة من خلال تمثل كل هذا عبر علاقات التناص التي أقاموها مع هذه المرجعيات والتقنيات، فهل استهلك الشعر طاقات اللغة وأدوات تعبيرها إضافة إلى ما استعاره من أدوات ولغة ثانية في تجارب شعرائه، أم أن مصطلح تفجير اللغة الذي جاءت به الحداثة الشعرية ما زال قادرا على اجتراح لغة جديدة وجماليات جديدة للشعر.

الشاعر يستعير القناع والأسطورة والرموز التاريخية والدينية والميثولوجية (لوحة للفنان بسيم الريس)
الشاعر يستعير القناع والأسطورة والرموز التاريخية والدينية والميثولوجية (لوحة للفنان بسيم الريس)

 الحديث عن أزمة يعيشها الشعر ليست تهمة. مظاهر هذه الأزمة وتجلياتها ظاهرة في تراجع عدد قراء الشعر ودارسيه وناشريه. الحديث عن الأزمة لا يعني أن هذا الشعر فقد قدرته على الإبداع والإضافة في تجاربه الأكثر استحضارا وتمثلا لروحه وخياله وطاقات لغته المجازية والتعبيرية. ما نعنيه بالأزمة هو عجزه عن تحقيق اختراق ما في سقف السائد من الكتابة الشعرية، يمكنه من خلاله استعادة دوره الطليعي في إيقاظ روح الإبداع وإشعال حرائقه في القارّ من الأدب والفنون كما كان سابقا.

في العالم اليوم، يوم الشعر والعشرات من المهرجانات الدولية التي تقام في أغلب قارات العالم، لكن كل هذا لم يضف إلى رصيد الشعر على مستوى انتشاره شيئا مهما. قبل هذا كان الشعر يصنع تحولاته وثورته حتى في أكثر مراحل التاريخ حلكة وخرابا. لذلك ثمة مفارقة يمكنها أن تؤشر على واقع الأزمة، وتعيد السؤال حول أسباب تراجع مقروئيته وتأثيره على الفنون الأخرى.

 لكن إذا كانت هناك أزمة فأين تكمن أسبابها في الشعر أم في تحولات الثقافة والواقع والقيم المجتمعية في عصر الاستهلاك وسيادة وسائل التواصل الاجتماعي وعصر الفضاء. إن إعادة قراءة المشهد تاريخيا وجماليا يمكنها أن تكشف العلاقة بين كل هذه العوامل والأسباب وهي عوامل لم يتوقف تأثيرها على الشعر بل تجاوزه إلى المسرح والقصة القصيرة والسينما وهو ما يتجلى في تأثيرها وحضورها داخل المشهد الثقافي عربيا وعالميا.

الحداثة والحكايات

يذهب البعض من الدارسين إلى أن حضور الشعر يرتبط بالحامل الإنساني ممثلا بالقضايا الإنسانية الكبرى منذ كان الشعر ملحميا. غياب القيم الإنسانية الكبرى والحلم الإنساني بالعدالة وتحول الإنسان إلى مستهلك وسيطرة وسائل التواصل الحديث وقيم العولمة والتوحش الرأسمالي تركت أثرا واضحا على مستقبل الشعر وقدرته على إيقاظ تلك الروح المنهوبة والمحطمة لإنسان هذا العصر.

بالمقابل ثمة من يرى في صعود الرواية صعودا للحكاية واستعادة لموقعها في الأدب ولهذا أسبابه الموضوعية والنفسية. إن حالة العزلة التي أصبح يعيشها الإنسان المعاصر وغياب علاقات التواصل والتعاطف في المجتمعات الحديثة جعلا الإنسان يحاول التعويض عن ذلك بقراءة الرواية، حيث يعيش مع عالم شخصياتها وتجاربها. التلصص على الآخر من خلال الرواية وخلق واقع بديل يشعره بالتعاطف أو العكس عند القارئ هو ما جعل الرواية تتقدم وتتصدر عالم القراءة في المجتمعات الغربية كما في مجتمعاتنا العربية.

غياب القيم الإنسانية الكبرى والحلم بالعدالة وتحول الإنسان إلى مستهلك والعولمة والتوحش الرأسمالي تركت أثرا على مستقبل الشعر

ولتأكيد ذلك يذهب الدارسون إلى البرهنة على هذا التحوّل من خلال انتقال العديد من كتاب الشعر إلى كتابة الرواية واستغراقهم في تجربة السرد، حتى أن البعض منهم تناسى أو نسي ميراثه الشعري القديم. إن ما يعانيه الشعر من أزمة في القراءة هو الوجه الآخر للأزمة التي يعيشها الشعر، فهل كان انفتاح الشعر الواسع على الثقافة التي تحولت إلى مرجعية أساسية له جعلته شعرا نخبويا، أم أن فقدانه لتلك الغنائية واللغة الوجدانية التي كانت تسمه هي التي أسهمت في صناعة هذه الأزمة، أم كل هذا مجتمعا كان المسؤول عن هذا المآل الشعري.

لم يعد مفهوم الحداثة عند ما تبقى من روادها عربيا واحدا، بعضهم تراجع عن مفهوم التجاوز والإضافة واعتبر أن مسألة الحداثة لا علاقة لها بشكل القصيدة، ما أعادنا مرة أخرى إلى الجدل حول العلاقة بين ثنائية الشكل والمضمون بعد أن سال حبر كثير قبل عقود حول هذه العلاقة.

كذلك ثمة محاولات لإعادة تجديد القصيدة العمودية في هذا السياق ما يشكل وجها آخر من وجوه أزمة الشعر والحيرة التي أصبح بعض الشعراء يعيشونها إزاء المفاهيم التي طرحتها الحداثة الشعرية ما يكشف عن وجه آخر من وجوه هذه الأزمة التي يعيشها الشعر راهنا.

14