هل يمكن لمؤتمر الاستثمار في تونس تحقيق الأهداف الطموحة

الأربعاء 2016/11/30
مؤتمر تونس 2020 يبدو أكثر طموحا

وضع مؤتمر تونس الاستثماري، الذي انطلقت أعماله في العاصمة تونس، في صدارة أهدافه، مهمة إقناع المستثمرين بأنّ البلاد مستقرة ومفتوحة أمام رجال الأعمال، وأن بإمكانها تقديم فرص استثمارية تنافسية. ويطمح المؤتمر الذي الذي طال انتظاره، والذي يعقد تحت عنوان “تونس 2020”، إلى حشد الدعم الدولي لبرامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتنمية المستدامة في البلاد. ويتمثل الحدث الرئيسي للمؤتمر في تقديم الحكومة لخطتها التنموية 2016-2020.

وتسعى الحكومة لجمع تمويل يصل إلى 60 مليار دولار في شكل استثمارات على مدى السنوات الخمس المقبلة وخلق 400 ألف فرصة عمل جديدة. وسوف يتعيّن عليها استعادة ثقة المستثمرين في الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني، وبطبيعة الحال، فإن تلك المهمة لن تكون سهلة. وهذه ليست المرة الأولى التي تسعى فيها تونس لجلب استثمارات كبيرة بمثل هذه الطريقة؛ ففي سبتمبر من عام 2014، نظّمت الحكومة الانتقالية برئاسة المهدي جمعة مؤتمرا استثماريا بالتعاون مع الحكومة الفرنسية وحمل عنوان “الاستثمار في تونس: الديمقراطية الناشئة”.

ويلاحظ أن الخطاب المحيط بمؤتمر تونس 2020 يحاكي الخطاب الذي أحاط بمؤتمر عام 2014، الذي قدّم البلاد على أساس أنّها تنطلق في مسار انتعاش اقتصادي من خلال رؤية جديدة. وتؤكد الحكومة أن الخطة الخماسية التي تم الإعلان عنها في المؤتمر الحالي أمس سوف تكون “مبادرة اجتماعية حقيقية” من شأنها أن “تحدّد رؤية جديدة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية”.

ويبدو مؤتمر تونس 2020 أكثر طموحا بشكل ملحوظ من المؤتمر الذي عقد قبل عامين، فهو يعرض نحو 140 مشروعا على القطاعين العام والخاص ومشاريع استثمارية مشتركة بين العام والخاص في نحو عشرين من القطاعات المختلفة. وتمكن المؤتمر من حشد مشاركين من نحو سبعين بلدا. ويظهر الفرق الكبير عن المقارنة بمؤتمر عام 2014، الذي عرض حينها 22 مشروعا على المستثمرين وأصحاب المصلحة الدوليين من نحو 30 بلدا. وسيكون المؤتمر الحالي اختبارا مهمّا لقدرة الحكومة الجديدة برئاسة رئيس الوزراء يوسف الشاهد على جلب الاستثمارات الأجنبية التي تبدو البلاد في أمس الحاجة إليها.

ويبدو من الواضح أن تونس تمكنت من تحقيق تقدّم كبير على صعيد الإصلاحات الاقتصادية منذ العام الماضي، وأنها قادرة على استعادة بعض الثقة لدى المستثمرين الدوليين، خاصة بعد أن وافق البرلمان (مجلس نواب الشعب) في شهر سبتمبر الماضي على قانون الاستثمار الذي تأخّر كثيرا. وفي وقت سابق من هذا العام، انتقلت تونس إلى تبنّي إصلاحات مصرفية شاملة وسنّت التشريعات التي تحمي البنك المركزي من التدخل السياسي. كما توصّلت أيضا إلى اتفاق على قرض بقيمة 2.9 مليار دولار على مدى أربع سنوات مع صندوق النقد الدولي.

الاضطرابات الاجتماعية تهدد بعرقلة الإصلاحات الحكومية التي تهدف إلى خفض الإنفاق وتحفيز النمو وخلق فرص العمل

وحظيت تلك الإصلاحات بشهادة من صندوق النقد الدولي، الذي أشاد في وقت سابق من هذا الشهر، بالتقدم الذي أحرزته الحكومة في تبنّي إصلاحات اقتصادية حساسة. وتلقت تونس دعما آخر من المفوضية الأوروبية، التي اقترحت مؤخرا مضاعفة المساعدات السنوية التي يقدّمها الاتحاد الأوروبي إلى تونس. ومع ذلك، تواجه البلاد تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة من شأنها إفساد تدفق الاستثمار الأجنبي المتوقع من مؤتمر تونس 2020، خاصة في ظل استمرار معاناة قطاع السياحة الذي تعرض إلى ضربة قوية جرّاء هجومين إرهابيين كبيرين في العام الماضي.

ورغم أن ألمانيا وفرنسا وإسبانيا رفعت القيود المفروضة على السفر إلى تونس، إلا أن بريطانيا لم ترفع تلك القيود. وقد انخفض دخل السياحة بنسبة 8 بالمئة في الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي مقارنة بمستوياته في العام الماضي، في وقت تتزايد فيه حالة عدم الاستقرار في ليبيا المجاورة، التي باتت تشكل مصدر قلق كبير للأمن في تونس.

وقد ساهم الانخفاض الحاد في أعداد السياح في ركود معدل النمو الاقتصادي في البلاد، الذي لم يتجاوز نسبة 0.8 بالمئة في العام الماضي. وترجح التوقعات أن يسجل الاقتصاد نموا بنسبة 1.8 بالمئة في مجمل العام الحالي. وتسعى خطة التنمية الخماسية لتحقيق معدل نمو سنوي يصل إلى نسبة 4 بالمئة بحلول عام 2020؛ لكن ليس من الواضح حتى الآن ما إذا كانت البلاد سوف تكون قادرة على تحقيق هذا الهدف.

وتهدّد الاضطرابات الاجتماعية بعرقلة الإصلاحات التي تعتزم حكومة الشاهد القيام بها والتي تهدف إلى خفض الإنفاق وتحفيز النمو وخلق فرص العمل. وجرى تقديم حكومة الشاهد، التي تولّت مهامها في شهر أغسطس الماضي، كوجه جديد وشامل قادر على إدخال إصلاحات اقتصادية صعبة. غير أنّ التدابير التقشفية التي اتخذتها الحكومة اصطدمت بمعارضة تكتلات قوية في البلاد.

ودخل الآلاف من المحامين في إضراب مرتين هذا الشهر احتجاجا على الضرائب الجديدة التي تضمنتها ميزانية عام 2017. وهدّد الاتحاد العام التونسي للشغل القوي بالدخول في إضراب احتجاجا على خطط الحكومة لتجميد زيادات في أجور الوظائف العمومية. كما رفض لوبي قوي آخر، وهو اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، مقترح فرض ضريبة استثنائية على الشركات، تخطط الحكومة لاستخدامها لزيادة الإيرادات. وهناك أنباء عن أنّ نقابة المعلمين في تونس تخطط لتنظيم مظاهرة كبيرة احتجاجا على تدابير التقشف.

وبطبيعة الحال فإنّ المستثمرين الدوليين لن يتجاهلوا التحديات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي تواجه تونس. وفي حال نجحت الحكومة في جلب الاستثمارات التي تبدو في أمس الحاجة إليها، فسوف يتعيّن عليها إثبات أنّه بإمكانها إنجاز مشاريع البنية التحتية الكبرى التي خططت لها، وخصوصا في المناطق الداخلية المهمّشة منذ فترة طويلة في البلاد. وفي الخلاصة لا يبدو أنّ مؤتمر تونس 2020 ولا الخطة الخماسية للتنمية سوف تكون بمثابة العصا السحرية التي من شأنها إخراج البلاد من وضعها الصعب في الوقت الحالي.

وعلى الرغم من أنّه يتعيّن على الحكومة أن تسعى إلـى الاستفـادة مـن المؤتمر من أجل تحفيز وتيرة تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد، فـإنّ التحـدي الحقيقي سيكون في الحفاظ على الوعود التي سيتم تقديمها في خطة التنمية الاقتصادية الخماسية. وفي النهاية سيكون الزمن وحده كفيلا بأن يُثبت ما إذا كانت الخطة ستقطف ثمارا ملموسة وتضع البلاد على مسار مستدام باتجاه الانتعاش الاقتصادي.

مركز رفيق الحريري لمنطقة الشرق الأوسط

11