هل يملك العبادي قرار استقالته

الثلاثاء 2015/05/12

يزداد الحديث في بعض الأوساط الإعلامية والشعبية العراقية، عن قرب استقالة حيدر العبادي من منصبه كرئيس للوزراء، وتفرغه للعمل الدعوي، فهو يصلح حسب الكثير من العراقيين للعمل كمصلح اجتماعي، وذلك نظرا لنظافة يده وحسن سيرته و سلوكه، وهو عضو تاريخي في حزب الدعوة الإسلامية، وعرف عنه بعكس ما عرف عن حزبه من فساد ولصوصية، طوال فترة حكم الحزب، والتي وضع فيها العراق على عرش الفساد العالمي وفقا للمنظمات الدولية، أما عن فترة ما قبل الحكم والتي اشتهر فيها الحزب بالإرهاب، وامتهان قياداته، ومنهم نوري المالكي، التزوير والتهريب، كان العبادي لا ينفك عن تنظيم مجالس التهذيب الديني واللغوي في منزله في بريطانيا كما يقال.

لم يختر العبادي منصبه، ولم يؤهله له رصيده الانتخابي الهزيل، إنما تبوأ المنصب وفقا لما جرت عليه العادة في “العراق الجديد”، حيث الانتخابات ما هي إلا لعبة ثانوية، لإعادة ترتيب الوجوه والتوازنات، وفقا للاعتبارات التوافقية التي يفرضها صراع الإرادات الأميركي الإيراني للهيمنة على البلد، وهو ما خبره العراق في عمليات تعيين رؤساء الوزراء السابقين، حيث كلمة الصناديق هي الدنيا في عملية انتخابية تشوبها الكثير من الشوائب التي تجعلها في أي بلد ديمقراطي بحكم الملغية.

ولمّا مالت كفّة القبّان لصالح الإيرانيين في عهد نوري المالكي، وجد الأميركيون في الوضع الأمني المتأزم، واحتلال “داعش” للموصل وغيرها من المحافظات، فرصة مناسبة لفرض بيضة جديدة توازن كفة القبان، وتعيد الأميركيين من بوابة دعم الحكومة العراقية ورئيسها الجديد، من أجل مكافحة الارهاب، واصطفي العبادي من بين السياسيين للعب دور البيضة، كما كُلّفَ بتنفيذ جملة من الإجراءات الإصلاحية تطال عدة ملفات، من شأنها تعزيز التوازن اجتماعيا وسياسيا وإقليميا، وخلق الاستقرار الضروري لثباته.

وأبرز الملفات، تلك التي وضعها الأميركيون، على رأس الأولويات في إستراتيجية الحرب على تنظيم “داعش”، والتي تركزت على إعادة الاعتبار للمؤسسة العسكرية المنهارة، وإعادة هيكلتها وتطهيرها من تركة نوري المالكي، وتحقيق التوازن الطائفي وإقرار قانون يضمن للعرب السنة حصة داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، وهو ما عرف بقانون الحرس الوطني، وحل الإشكالات التي تتعلق بالموازنة وتصدير النفط مع الطرف الكردي الذي يعد شريكا فعالا في الحرب الأميركية الدولية ضد التنظيم المتطرف.

فشل العبادي في تحقيق المراد، وهو الذي بدا مجردا من أدوات القوة، رغم أنه أبدى بعضاً من النوايا الحسنة، والتي لمسها العراقيون في حملته لكشف ومكافحة الجنود والضباط “الفضائيين” والتي لم تسفر إلا عن إضافة مصطلح لغوي جديد أغنى قاموس اللغة العاميّة العراقية، بمفردة باتت تستخدم بشكل واسع، للدلالة على كل ما هو وهمي من مشاريع ومناصب وفاسدين داخل المؤسسات العامة والخاصة، وتكاد تكون هذه الإضافة من أكبر إنجازاته.

فشل العبادي في تحقيق التوازن وما انتدب لتحقيقه، لا يخرج عن كونه فشلا أميركيا في تحجيم النفوذ الإيراني، وإحداث تغييرات في الواقع الذي خلقته إيران عبر المالكي

أدوات القوة تلك لم تعد بيد مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، التي يعتبر العبادي دستوريا قائدها العام، ولا لدى هيئات سياسية حاول العبادي استمالتها لتدعمه في جهود مكافحة الفساد، سيما هيئة النزاهة البرلمانية، وغيرها من مؤسسات سياسية رسمية، بالأخص مع بروز واقع جديد في البلاد، تحكمه ميليشيات الحشد الشعبي الخاضعة، بشكل مباشر، لإرادة الجانب الإيراني، والتي يتحكم فيها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي ماليا وسياسيا، مع زمرة من القادة الميدانيين لتشكيلات مختلفة، باتت تفرض خياراتها العسكرية الميدانية، غير آبهة بالهيبة الاعتبارية لمنصب رئيس الوزراء، باعتباره القائد العسكري الأول للمؤسسات الشرعية، وما يرادفها من تشكيلات مسلحة، ويعتبر الحشد الشعبي رسميا أحد تلك التشكيلات.

يبدو العبادي اليوم في أسوأ أيامه السياسية وربما الشخصية، بعد أن أصبحت الموازين المختلة في البلاد، لا تأبه بالأطر “الدولتية” والتي تمخضت من رحم العملية السياسية التوافقية، التي تأسست على طاولة الأميركيين والإيرانيين بعد سقوط بغداد عام 2003، وأصبح الأميركيون خارج معادلة القوة الميدانية التي أرادوا تكريس موقعهم فيها عبر دعمهم للجيش الحكومي، ودمج العشائر السنية فيه، وبات العبادي عرضة لحملات إعلامية كبيرة من قبل خصومه السياسيين الموالين لإيران، معتبرين إياه جزءًا من المشروع الأميركي، عدا عن محاربته بملفات الفساد المتفاقم والتي تحميها تلك الأحزاب نفسها، بما فيها حزب الدعوة الحاكم الذي ينتمي إليه العبادي، ولا يزال المالكي يشكل مركز الثقل الأكبر داخله.

فشل العبادي في تحقيق التوازن وما انتدب لتحقيقه، لا يخرج عن كونه فشلا أميركيا في تحجيم النفوذ الإيراني، وإحداث تغييرات جذرية في الواقع البنيوي الذي خلقته إيران عبر المالكي، هنا من غير المستبعد أن ينزع العبادي إلى الفكاك من دور البيضة، بعد أن خرجت العملية السياسية عن لعب دور القبان، وما تسرب عن إخباره للمرجعية برغبته في الاستقالة، وهو ما نفته مصادر من رئاسة الوزراء، أمرا غير مستبعد، سيما أنه ومنذ توليه المنصب، كان قد ربط مسألة بقائه على رأس الحكومة، بمسألة نجاحه أو فشله في تحقيق المهام الكبرى التي طُرحت.

إلا أن قرار استقالته كقرار توليه المنصب، لا يخضع في مقاييس العراق الجديد، لاعتبارات الديمقراطية والإرادة السياسية للأحزاب والافراد، والاستقالة ترف لا يملكه العبادي، طالما أن الأميركيين لم يجهزوا بعد ما ينوب عن فشلهم في فرض وتعزيز خياراتهم، التي شكل العبادي أبرز عناوينها، لذلك لابد له من الانتظار حالما ينضج ما يطبخ للعراق في أروقة واشنطن وطهران، إما أن يستبدله توافق جديد، أو يغرق مع العراق في دوامة الهيمنة الميليشياوية التي بدأت تعصف بآخر هياكل العملية السياسية.

كاتب عراقي

9