هل يملك المثقفون العرب إجابات على ماحدث في باريس

الثلاثاء 2015/01/13
الإرهاب برعاية الاستخبارات الغربية

كثرت الغنائيات التحليلية التي تناولت حادثة قتل رسامي الجريدة الفرنسية الساخرة شارلي إيبدو، على الشاشات وصفحات الجرائد، وتصوّف المعلّقون السياسيون في تناول الحدث، والتنبؤ بما سينتج عنه، في استنساخ مقصود ومسبق، لأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، حين تم قصف مبنيي مركز التجارة العالمية في جزيرة مانهاتن النيويوركية بطائرات مدنية تسببت بمقتل قرابة ثلاثة آلاف شخص من أكثر من مئة جنسية حول العالم، حتى أن بعض أولئك الشارحين لم يترددوا باستخدام التعبير” ميني 11ـ 9” لوصف ما حصل في شارلي إيبدو.


ما بعد شارلي إيبدو


وبات من غير المستهجن ظهور معلقات سياسيات بأعمار الورود، يطالبن بالتعاون الاستخباراتي الرفيع ما بين دول العالم لعدم تكرار الجريمة، فاختلطت مستويات المفاهيم، وكذلك مستويات التعاطي معها، ما بين المستسهل غير المكترث، والعميق الفكري المسدّد، والتمريرات النفعية التي حاولت استثمار الحدث لصالح هذا المحور أو ذاك، وإن صحّت كل تلك النبوءات، التي خفتت مع واقعية المسيرة الكبرى التي انداحت في شوارع باريس، ليشارك بها قرابة المليوني إنسان، يتقدمهم قادة ومبعوثو خمسين دولة، فإن ما بعد شارلي إيبدو لن يكون كما قبلها حتماً، وقد تقرر دول أوروبا تغييراً في سياساتها الخارجية والداخلية لضمان أمنها، وتسوير حياة مواطنيها ومجتمعاتها من ارتدادات ما يحصل في بقاع متوترة مختلفة من الكوكب، وقد لا يحصل شيء.

هذا عمّا بعد، لكن ما وراء شارلي إيبدو بعدٌ آخر مختلف تماماً، لا يكاد يخرج عن هيئته الفكرية والثقافية، وإن خرج قليلاً إلى السياسة، فإنه سيعود سريعاً ليلتصق بالوعي والأديان والثقافات والحضارات والسوسيولوجيا والتنميط والتمييز والحريات والقيم الحضارية، لينفصل كلياً وبالتدريج عن مستوى السياسات الغربية وثوابتها التي تعاملت مع الشرق (مصدر الإرهاب كما يرى الغربيون) بانتهازية ومصلحية أبعد ما تكون عن كل ما سلف من معاني الحضارة.

الدولة التي جاء منها الإرهابيان الكواشي، وهما إرهابيان بالقطع ولا شيء يبرّر جريمتها، كانت فرنسا قد احتلتها أكثر من مئة واثنين وثلاثين عاماً، ولم تخرج منها إلا بعد أن نفّذت فيها تجارب نووية في رقّان جنوبي الجزائر في الـ13 من فبراير من العام 1960 وهو يوم دخول فرنسا النادي النووي، غير عابئة بما قد يترتب على هذا من أضرار فادحة بالبيئة والإنسان، وكان لسيرة الاحتلال الفرنسي للجزائر ما لها من مسارات طويلة ومعقدة لم تنته جدالاتها حتى اليوم، وصحيح أن الكواشيان قد ولدا في فرنسا، في باريس تحديداً، وعاشا فرنسيين كاملي الحقوق والواجبات، ولكن ليس الثقافة، فما هو المربّع الناقص في صورة تكوينهما التي تتحمّل فرنسا المسؤولية عنها؟ أليس هذا أحد أهم أسئلة الحدث؟ هل بقي الكواشيان جزائريين بعد أكثر من ثلاثة عقود على ولادتهما وحملهما الجنسية الفرنسية، وأي دولة تتحمّل عار جريمتهما؟ وأيّ ثقافة ينبغي وصمها بالوحشية لأنها أنتجت هكذا نسقا من التفكير؟


تهمة عداء السامية


الطرف الثالث من النزاع، بعد فرنسا والكواشيان، لم يكن سوى جريدة شارلي إيبدو ذاتها، التي أصرّت طيلة الوقت على مبادئ العلمانية، التي تحميها من كل مساءلة أمام تعرّضها للسخرية من الأديان، فسخرت من الإسلام، وسخرت من المسيحية، وسخرت قليلاً من اليهودية، ولم يمض وقتٌ طويل قبل أن تقرّر طرد أحد أهم رساميها بتهمة العداء للسامية وكراهية اليهود، فوسط كل ذلك الضجيج القائم اليوم، انفردت الدايلي تلغراف بمقال عن موريس سيني (ساين) الذي تم طرده من شارلي إيبدو ذاتها، بتهمة معاداة السامية، الأمر الذي تسبب بحملة لمثقفي فرنسا ضد الرجل وليس لصالحه، قادها برنار هنري ليفي، وأضافت الدايلي تلغراف أن هناك تهمة إضافية وجّهت لساين تتعلق باتهامه لنجل الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي باعتناق اليهودية لأسباب انتهازية، وقال إن رئيس تحرير شارلي إيبدو فيبلب فال كان قد طلب من ساين العجوز الاعتذار عن تصرّفه، ولكن الأخير رد عليه بأنه “يفضّل الخصاء على الاعتذار”، فقررت شارلي إيبدو طرده، ليؤسس صحيفة خاصة به أطلق عليها اسم” ساين إيبدو”، فهنا نجد صحيفة تنشر رسوماً تسخر فيها من ولادة المسيح، وآلام العذراء، ولكنها تضع لنبي الإسلام محمد قنابل في عمامته، وتصوّره رجلاً شهوانياً عنيفاً، لتخرج من وظيفة السخرية إلى دور التحريض، وفي الوقت ذاته تحافظ على حساسية اليهود وتحاسب رساماً كبيراً مثل ساين وتطرده احتراماً للديانة اليهودية.

مسدس الجريمة، كان التنظيمات الإرهابية التي نشأت بتمويل ورعاية استخباراتية وتركت لتنمو وتستشري كالورم الخبيث

رابع مسدّس الجريمة، كان التنظيمات الإرهابية التي نشأت بتمويل ورعاية استخباراتية لا تخفى على أجهزة الأمن الأوروبية والأميركية، وتركت لتنمو وتتوسّع وتستشري كالورم الخبيث، وهي تنظيمات لها فكرها الخطر والمدمّر، والذي لم يسلم منه أبناء دينها ولا بلدانها، وكان من المتوقع أن تصل أذرعها إلى المجتمعات الآمنة خارج الشرق الأوسط، فإما أن القوى المركزية في العالم لم يكن لديها مانع من وصول خطر تلك التنظيمات إلى عواصم مثل باريس وبرلين ولندن ومدريد، أو أنها تريد أمراً آخر سيبقى غامضاً، إن نحينا جانباً احتمال ضعف قدرات تلك الأجهزة الأمنية التي تتبع العالم المتقدّم وهشاشتها، وهنا مأزق آخر يتعلق بكيفية نظر تلك الأجهزة إلى أمن مجتمعاتها وسلامة إنسانها وبنيتها السكانية، وقيمها هي، الخاصة بخلفيتها وليس بحقــــول عملها خارج نطاق بلدانها.

الجهات المستفيدة من تفجير العالم بهذه الصورة، هي الزاوية الخامسة، التي تقترب من تكميل سوار النار ذاك، من أجل الحفاظ على مصالحها وتمكين دورهاً أكثر، وبالطبع الحرب حتى آخر لحظة من أجل البقاء، وأقرب هؤلاء هو نظام بشار الأسد في سوريا، الذي لم يعد خافياً على أحد، دوره الوظيفي الكبير والمتواصل في تمويل الإرهاب ورعايته وبيع المعلومات لتطبيق سياسات قوى أكبر، كما فعل في العراق، حين سهّل دخول عشرات الآلاف من المجاهدين، وافتتح لهم معسكرات تدريب في الأراضي السورية، بشهادة معتقلين منهم تم التحقيق معهم من قبل الحكومة العراقية ذاتها، حليفته وحليفة طهران، حكومة نوري المالكي، واستطاع نظام الأسد بفضل هذا الدور وأدوار مختلفة مشابهة، الاستمرار والنجاة من مفاصل كان يمكن لها أن تودي به، لولا مقايضته لأمن البلدان بأوراق كثيرة استطاع حيازتها، سواء مع دول الخليج العربي، أو مع تركيا، أو مع مصر، أو الولايات المتحدة الأميركية، وأوروبا وإسرائيل، وكان لبقاء الأسد وسوريا التي يدمّرها طيلة السنوات الأربع الماضية، وتحوّلها إلى مستنقع أسود انتشرت فيه كل أشكال العنف، أن يجعل منه محرّكاً دائم التأثير، قابلاً لتنفيذ أي عملية إجرامية خطرة في أي مكان من العالم، ما دام الباب ما يزال موارباً في وجهه، كما أن إيران من خلف الأسد، بفكرها المطابق لفكر القاعدة وداعش ولكنه بنسخته السلفية الشيعية، وروسيا التي تتربّص بعد ضغوطات كبيرة وعقوبات قاسية طبقتها عليها أوروبا وأميركا، ومساومات من أجل الغاز والنفط والنفوذ، فجملة المخاطر هذه، خلايا دبابير مكتنزة ومنتظرة، ولا يتطلب الأمر سوى الإبقاء على الثغرة الأمنية التي ستتيحها حريات المجتمعات الغربية ذاتها، هدف الحملة.


النخبة الفكرية


أما آخر أركان المسدّس، فيتلخّص في النخبة الفكرية التي تراجعت خطوات عامدة، وتركت دورها ليشغله رجال الدين أو حركات الإسلام السياسي (وغير الإسلام السياسي من منتجات الفكر الديني عموماً) أو العسكر أو رجال الأعمال أو المافيات، لتتصرّف بانتقام تاريخي من الجماهير، وتتركها نهباً للمشاريع واللحى ولـ”المبازرين”، حتى إذا ما حلّ وقتٌ تطلّب فيه التدخل العاجل، اكتفت بالتشفّي بالأطراف المتحاربة، والتنظير عن بعد، تنظيراً غير علمي، بل تفاوقاً وتعالياً، لعلمها أنها ترسم خاتمة لها، ما دامت لن تحظى بدور في المعركة.

ولأنها تريد تقاعداً مريحاً من المسؤولية التاريخية كنخبة رائدة للمجتمع، اكتفت برفع العتب، وتحدثت عن التسامح حيناً، وحيناً آخر عن ضرورة الحفاظ على الحريات، وحيناً عن العيب والحرام والمقدّس والدنيوي، لكنّ الأوان كان قد فات.

وبأيّ صورة يُقلّب فيها وجه العلاقة ما بين الكواشيان وفرنسا والزوايا الأربع الأخرى للمشهد، فإنها تظهر علاقة منحرفة، خالف كلٌ منها قواعد اللعبة فيها، واختار الاحتيال بدلاً عن المواجهة، والالتفاف على الاستحقاق عوضاً عن تقديم ضريبته، ليست حرباً حقيقية، ولا عقائد تغذيها وتشحنها، فمن يريد الدفاع عن النبي محمد لن يستهدف مجرد نشرة ساخرة لا تقدّم ولا تؤخر وأمامه جحافل ومجمعات عسكرية لا أول لها ولا آخر، ومصالح عديدة وثمينة، أكثر من مجرد رسامين أسلحتهم الألوان والأوراق، وبالمقابل من يريد محاربة التطرّف الإسلامي، لن يعجز في ظل وجود آلاف مراكز الأبحاث والدراسات عن العثور على وسائل لتبريده وتفتيت محركاته، لذلك ليس مهماً التفصيل الجنائي لحادث شارلي إيبدو، بقدر ما تتوجب دراسة ما وراءه، ولماذا وقع، لا كيف ومتى؟ وأين سيضرب من جديد؟

14