هل يمنع تغليظ العقوبة الجنائية الغش في المدارس المصرية

أكد خبراء تربويون أن لجوء الحكومة المصرية إلى تغليظ العقوبات الجنائية على مسربي الامتحانات والغشاشين لن يحل المشكلة، وتوقعوا أن تشهد امتحانات نهاية العام الدراسي الحالي المزيد من التسريبات، وطالبوا بعلاج جذري، يتمثل في تغيير أنظمة الامتحانات بالكامل، بحيث تقوم على الفهم والمهارات، وليس على الحفظ والتلقين.
الثلاثاء 2016/12/27
من يستحق العقاب.. الطلاب أم القائمون على الامتحانات

القاهرة – تبدو الحكومة المصرية غير جادة في مواجهة ظاهرة تسريب الامتحانات العامة، رغم أنها أجرت عدّة لقاءات مع خبراء وتربويين، للوصول إلى حل جذري لموجات الغش والتسريب في الامتحانات، وفي النهاية اقتصر الأمر على إصدار قرار بتغليظ عقوبة الغش أو المساعدة عليه، بالحبس من 3 إلى 7 سنوات، مع غرامة مالية قدرها 300 ألف جنيه (نحو 17 ألف دولار).

وأثبت اقتصار مواجهة ظاهرة الغش والتسريب في الامتحانات على الإجراءات الجنائية فشلًا ذريعًا، لا سيما أنه عندما كانت العقوبة بالحبس 3 سنوات، خلال العام الماضي، لم يتم ردع مسربي الامتحانات، سواء من الطلاب أو من المعلمين، وحدثت وقائع تسريب للامتحانات من داخل اللجان، عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة، وصلت إلى 50 حالة يوميًا.

صحيح أن قرار الحكومة تضمن أيضًا معاقبة مسرّبي الأسئلة -وأكثرهم من الطلاب- بإلغاء جميع امتحانات الممتحن “حتى لو ساعد فقط على الغش ولم يتورط فيه”، لكن هذا ليس كافيًا، خاصةً وأن العقوبة خلال العام الماضي كانت بإلغاء كل الامتحانات “لمن يسرب أسئلة امتحانات المادة”، ومع ذلك لم يخش الطلاب تطبيق العقوبة، وجرى تسريب كل الامتحانات.

وأوضح مراقبون أن اقتصار مواجهة الحكومة للغش والتسريب في الامتحانات على العقوبات الجنائية، دون البحث عن حل آخر تربوي، لن يقضي على الأزمة، بل من الممكن أن يضاعفها، خاصة وأن مسرّبي الامتحانات يعتمدون كل عام على وسائل تكنولوجية وتقنيات أحدث، ولا تمتلك وزارة التربية والتعليم وسائل مماثلة ومتطورة لمواجهتها.

وتوقع خبراء تربويون، أمام غياب رؤية الحكومة لمواجهة التسريب بشكل أعمق، أن تشهد امتحانات العام الحالي موجة جديدة من التسريبات، لا تقل عما حدث خلال العام الماضي من تسريب كل امتحانات الثانوية العامة، على مواقع التواصل الاجتماعي، وبيعها للطلاب قبل موعدها بساعات، ما تسبب في إعادة بعض الامتحانات، وإحالة مسؤولين تورطوا في عمليات البيع للمحاكمة الجنائية.

عدد من نواب البرلمان حاولوا تعديل مشروع قانون الاتصالات، بما يتيح للحكومة قطع الإنترنت على مواقع التواصل الاجتماعي

قال طارق نورالدين، الخبير التربوي، إن وزارة التربية والتعليم “مُصرّة” على مواجهة تسريبات الامتحانات بـ”الترهيب”، من خلال تغليظ العقوبات، وهذه طريقة لن تجدي نفعًا مع الطلاب، لا سيما أن أكثرية المتورطين في التسريب من داخل اللجان عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة، لا يتم التوصل إليهم، ولا بديل عن حل تربوي، يستحيل معه تسريب الأسئلة، وذلك من خلال تطوير نظم الامتحانات ذاتها.

وأضاف لـ”العرب”، أنه من الممكن عقد الامتحانات من خلال بث الأسئلة عبر الإنترنت على شاشات داخل اللجان، بحيث تكون عمليات البث مركزية وموجودة فقط داخل الوزارة، وبالتالي يتم إلغاء التعامل بالأوراق في الامتحانات، لأنه يستحيل تصوير الشاشة داخل اللجان، أو من خلال امتحانات مشفّرة، أو تطوير الامتحانات، بحيث تعتمد على الفكر والإبداع، بعيدًا عن الإجابة بما تم حفظه وتلقينه على مدار العام الدراسي.

لكن وزارة التعليم لم تظهر حتى الآن جدية تذكر في مسألة تطوير أسئلة الامتحانات، رغم أن تسريب الأسئلة يتم بنفس الطريقة منذ 6 سنوات، بدأت خلالها العقوبات على مسربي الامتحانات بإلغاء المادة التي سرّبوها فقط، ثم تطورت إلى إلغاء امتحانات نصف المواد، ثم إلغاؤها بالكامل، ووصلت إلى حرمان الطالب المسرّب من امتحانات العام اللاحق أيضًا، ثم معاقبته بالحبس عامًا، وأخيرًا 7 سنوات.

وحاول عدد من نواب البرلمان تعديل مشروع قانون الاتصالات، بما يتيح للحكومة قطع الإنترنت على مواقع التواصل الاجتماعي، خلال ساعات انعقاد الامتحانات، أسوة بما جرى في الجزائر وأثيوبيا في العام الماضي، لكن الفكرة لم تلق تأييدًا من باقي النواب.

أكد مصدر مسؤول بوزارة التعليم لـ”العرب”، أن “الحل الأمثل لمواجهة التسريبات، أن يتم تعطيل مواقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك وتويتر، في أوقات الامتحانات، لثلاث ساعات فقط، لكن البرلمان غير جاد في هذه الخطوة، لأن الأمر يحتاج إلى تعديلات تشريعية”.

وطالب بأن ينظر مجلس النواب إلى الامتحانات العامة باعتبارها “أمنًا قوميًا”، وهو أمر غير موجود حاليًا. كما اعترف المصدر (رفض ذكر اسمه، لأنه غير مسموح له بالحديث مع الإعلام) بأن التسريبات لن تتوقف بتغليظ العقوبة لسببين، أولهما أن الطالب الذي ينوي الغش والتسريب لا يكون لديه أي خوف على مستقبله، بل إنه يخطط لـ”كيف يغش” وليس “كيف ينجح”، والمواجهة مع هذه العقلية غالبًا تكون خاسرة من جانب الجهات المسؤولة، حيث أن هذا الطالب يركز جيدًا على الإفلات من ضبطه أثناء الغش، وتكون لديه بدائل عديدة لتفادي التوصل إليه بسهولة.

والسبب الثاني، أن مراقبي اللجان أنفسهم يمثلون نسبة 80 بالمئة من أسباب الغش والتسريب، لأنهم يتعاملون باستخفاف مع القضية، ما يفسح الطريق أمام الطلاب للغش والتسريب وتبادل الأسئلة والإجابات داخل اللجنة.

أما المراقب فإما متواطئ وإما خائف من ردود فعل الطلاب، ومن إمكانية تعرضه للأذى إذا منعهم من الغش، أو أنه أصلًا شخص غير أمين ويؤمن بالغش في داخله، والدليل على ذلك أنه خلال امتحانات الثانوية العامة، العام الماضي، في دورتها الثانية في شهر أغسطس، جرى تسريب امتحانات اللغة الإنكليزية،على مواقع التواصل الاجتماعي، من داخل لجنة لا يوجد فيها سوى “طالب واحد فقط”، كان يؤدي الامتحان وحده، وكان يراقبه معلمون.

ويرى متابعون أن أحد أبرز أضلع الأزمة، أن الحكومة لا تعاقب مراقبي اللجان، وليست هناك مادة في القانون تلقي بأي مسؤولية عليهم، رغم أنهم سبب رئيس في اصطحاب الطلاب وسائل التكنولوجيا الحديثة معهم أثناء أداء الامتحانات، ومن المفترض أن يجري المراقب تفتيشا للطلاب، من خلال عصا إلكترونية يمررها على جسد كل طالب، للكشف عن وسائل الغش، وهو ما لا يحدث في الغالب.

ويشيرون إلى أن القضاء على تسريبات الامتحانات يتطلب مواجهة ثلاثية الأبعاد، أولها وضع آلية حاسمة لمنع وصول وسائل التكنولوجيا إلى مقار اللجان، وثانيها تعديل نظم الأسئلة، لتكون الإجابات بعيدة عن الحفظ والتلقين، بل تعتمد على مهارات الفكر والإبداع، ما يستحيل معه الاعتماد على الغش في الحل. والبعد الثالث يتمثل في ضرورة الاعتماد على التكنولوجيا في عرض الامتحانات، بعيدًا عن الأوراق التي يسهل تسريبها من داخل اللجان.

17