هل ينأى لبنان بنفسه عن ضرب داعش

الجمعة 2014/09/19

قال وزير خارجية لبنان جبران باسيل في مؤتمر باريس لحشد التحالف ضد “داعش” بأن لبنان “لم يعط تفويضاً لأميركا بضرب داعش في لبنان، وكل دولة من الدول المتحالفة تحتفظ بخياراتها، ولبنان ليس ضمن محور”.

هذا الكلام جاء ليضع المزيد من الألغام في حقل التجاذبات والتناقضات وازدواجية الموقف اللبناني في نظرته إلى هذا التحالف، وعلاقته به.

ولبنان الذي خاض معارك “دقيقة” ومكلفة ضد الإرهاب على حدوده، في سلسلة جباله الشرقية المتاخمة للحدود السورية. بدأت ترتسم أمامه إشارات “منع مرور كثيرة” في اتجاه الدخول، ولو شكليا، في هذا التحالف، أبرز هذه العلامات الموقف الذي اتخذه وزير الخارجية الذي حضر لقاء حسن نصرالله- ميشيل عون الأخير.

إلى هنا يبدو الموقف اللبناني منسجما، كليا، مع الموقف الإيراني المشترك مع النظام السوري، ويشرف على بلورته لبنانيا حزب الله، في ظل استغراب شديد من جانب قوى 14 آذار لهذا الموقف الذي سيدفع لبنان ثمنه، بلا شك، في المواجهات القادمة المحتملة في أقصى الشمال الشرقي لسهل البقاع، وعلى تخوم بلدة عرسال بالتحديد.

هذه المنطقة التي شهدت “مناوشات” قاسية وعنيفة في الأشهر السابقة وشكلت حرب استنزاف بالنسبة إلى حزب الله، لما تكبده من خسائر بشرية، خلال هذه المواجهات التي قد يصح اعتبارها “بروفة” عملية للمعركة الكبيرة المنتظرة على أبواب هذا الشتاء.

أما الجيش اللبناني، فقد سعى حزب الله بقوة إلى الزج به في هذه المعركة، الأمر الذي لم يرق للحزب، فكثف من حملاته على القوى السياسية التي لا تدعم الجيش في الانزلاق نحو معركة أهداف حزب الله والنظام السوري واضحة فيها.

ورغم عدم ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا رسميا، فإن الجيش اللبناني يعرف، جيدا، أين تبدأ هذه الحدود وأين تنتهي، وبالتالي من المؤكد أنه ليس على استعداد لدفع فواتير أكبر قبل اكتمال التجهيزات اللوجستية التي تتطلبها طبيعة المعركة القادمة.

ولكن هل يقبل حزب الله بهذا الدور للجيش، وسط تشكيكه في المساعدات والمنح القادمة إليه؟

لا شك بأن الحزب والنظام السوري يستعجلان معركة القلمون قبل حلول الشتاء، نظرا لطبيعة المنطقة الجغرافية من جهة، ومن جهة أخرى لوقف الاستنزاف الكبير الذي تشكله هذه الجبهة بالنسبة إلى الحزب على المستويين البشري واللوجستي.

ولكن إذا حصلت “النهاية السعيدة” في معركة القلمون المرتقبة، وتحقق “نصر إلهي” آخر للحزب، هل ينسحب بعدها من سوريا.

اختار حزب الله منذ دخوله سوريا عناوين حساسة طالت عواطف الشيعة وحركت مشاعرهم الدينية، ثم أصبحت هذه العناوين أكثر وضوحاً وتحديدا بمعناها السياسي في اعترافه بٍحمايته للنظام في دمشق. ومحاولاته كانت حثيثة في إيجاد حلفاء محليين يشاركونه في معركته السورية، فكان له ميشال عون، ولكن مع ظهور تنظيم داعش في الصورة، والذي كان قد أخلى العديد من مواقعه لصالح الحزب ذات يوم، لم تعد هذه العناوين كافية لإقناع الناس بدفع المزيد من الأثمان المرشحة للارتفاع في المرحلة القريبة القادمة. نظرا للاحتمالات المطروحة عن نمط جديد من المواجهات على الساحة السورية نتيجة لقيام التحالف الدولي.

حزب الله يبحث الآن عن أسباب وجيهة جديدة لا للانسحاب من سوريا، فالدخول من بوابة السيدة زينب، لن يعقبه خروج من جبال القلمون، وعلاقة الحزب مع النظام السوري علاقة بقاء، وحربه المثيرة للالتباس مع داعش معركة “وجود” كما قال زعيمه ذات يوم.

وأمام ما يجري تأكيده اليوم عن اهتمام غربي وعربي بالثورة “اليتيمة” في سوريا، ووعود تسليحها، على إثر التحول الذي أحدثه تنظيم داعش وما يشاع عن “تنظيف” الثورة من الإرهابين، ستجد الثورة نفسها أمام واقع جديد تميل كفته لصالح القوى المعتدلة.

إزاء كل هذه الوقائع التي يقيم لبنان فوق براميلها المتفجرة، وقريبا جدا سيسمع هدير طائراتها، هل سيستطيع البلد النأي بنفسه عن الدخول في التحالف الدولي للحرب ضد الإرهاب، واختيار أساليبه الخاصة التي تحاصرها أجندة إيران وحزب الله؟

على الرغم من الاستغراب الكبير في الأوساط السياسية اللبنانية من موقف حزب الله ووزير الخارجية، مازال الكثير من اللبنانيين الذين اختبروا علقم النظام السوري يرغبون لأنفسهم في حياة مختلفة، وهم، بالتأكيد، ليسوا على استعداد لدفع أثمان نزوات ولاية الفقيه في الهيمنة الإقليمية، أو أوهام “النصر الإلهي” الذي ستتوقف حدوده، هذه المرة، على تخوم واقع جديد “للثورة التي لم تعد يتيمة”.


كاتب لبناني

8