هل ينال الفيلم المثير للجدل "القضية 23" التانيت الذهبي لقرطاج

تستمر فعاليات أيام قرطاج السينمائية في عرض مجموعة من الأفلام التي لاقى بعضها نقدا كبيرا من قبل الجمهور، وخاصة ما يتعلق بالأفلام القصيرة التي جاء أغلبها مخيبا للآمال، أما ما يخص الأفلام الطويلة فقد أدهش الجمهور التونسي فيلم “القضية 23” للمخرج اللبناني الفرنسي زياد دويري، رغم الجدل الكبير الذي دار حول الفيلم، ما دعا إلى منع عرضه في مهرجان رام الله مثلا.
الجمعة 2017/11/10
عداء يخفي جراحات الماضي

تونس - عرف عرض فيلم “القضية 23” للمخرج زياد دويري ضمن المسابقة الرسمية للدورة الـ28 من أيام قرطاج السينمائية مناوشات قبل عرضه، حيث تجمع عدد من الشباب أمام قاعة “الكوليزي” في العاصمة، محاولين منع الجمهور الغفير من الدخول إلى الفيلم، محتجين ضد التطبيع مع الكيان الصهيوني، حيث يعتبر هؤلاء، وربما لم يشاهد أغلبهم الفيلم، أن المخرج مطبّع مع إسرائيل وفيلمه هذا لا يخرج عن دائرة التطبيع الثقافي مع كيان لا نختلف في كونه غاصبا ومحتلا.

الاحتجاج لم يصل إلى الصدام، كما لم ينجح هؤلاء الشباب الحاملون لأفكار قومية، ربما ليس هذا مجال لنقاشها، في منع الجمهور الغفير من متابعة الفيلم.

وفي تقديم الفيلم حضر أبطاله الثلاثة وهم عادل كرم (طوني) وكامل الباشا (المهندس ياسر) وريتا حايك (زوجة طوني) برفقة المخرج.

قال الممثل الفلسطيني كامل الباشا، الذي قضى سنتين معتقلا في سجون الاحتلال الإسرائيلي، إن الفيلم شهد جدلا كبيرا، واتهامات عارية من الصحة، واعدا الجمهور بمشاهدة فيلم استثنائي، ومن بعد ذلك يمكنه الحكم.

بداية القضية

يبدأ الفيلم مع شخصية الميكانيكي طوني المسيحي اللبناني في اجتماع لحزب لبناني يميني متعصب، ثم يأتي مشهد له برفقة زوجته الحامل، وهي تدعوه إلى ترك منزلهما الصغير والعودة إلى الدامور، قرية زوجها، لكنه يرفض هذا المقترح بشدة.

الحدث القادح كان عند ملاحظة طوني لعمال البناء ورئيسهم المهندس الفلسطيني المسلم ياسر، فيسكب طوني الماء متعمدا من مزراب الشرفة الذي يصب في الشارع، المزراب مناف لقوانين تهيئة المدينة، لذا يصعد المهندس برفقة عامل لمحاولة تعديل المزراب، فيرفض طوني بغضب، ما جعل المهندس يقوم بنفسه بتعديل المزراب ليصب في البالوعة بدل أن يفضي بمياهه إلى الشارع.

الفيلم قراءة أخرى ناقدة للقضية الفلسطينية تبتعد عن الانفعالات والتعصب اللذين لا يمكنهما إصلاح وضع الفلسطينيين اليوم

هنا يتدخل طوني بكل عنف، ويكسر المزراب الجديد، يغضب ياسر، فيكيل شتيمة لطوني، الذي يهدد بدوره بالاشتكاء طالبا منه أن يعتذر، وهنا يتدخل أكثر من طرف بينهما في محاولات كثيرة للصلح باءت كلّها بالفشل مع تعنت طوني في طلبه بأن يأتي ياسر بنفسه للاعتذار منه، وهو ما يقبله الأخير ولو عن مضض، بعد حوار مع زوجته التي تطلب منه أن يهاجرا إلى السويد بدل بقائهما بلبنان، لكنه يرفض ذلك.

يذهب ياسر إلى ورشة طوني بنية الاعتذار، لكنه يفاجأ بأن هذا الأخير يضع تسجيلا عنصريا ضد الفلسطينيين، يطالب بخروجهم من لبنان وينعتهم بأسوأ النعوت، عند باب الورشة يلتقيان، فلا يتردد طوني في شتم الفلسطينيين خاتما شتيمته بـ”يا ليت شارون محاكم عن بكرة أبيكم”، عندئذ ينفعل ياسر ويلكم طوني، ما سبّب له كسرا في ضلعين.

وهنا تبدأ القضية التي رفعها طوني ضد ياسر، وهي القضية التي تحمل رقم 23 في سجل المحكمة، يفشل الأمن في جلب ياسر المتحصن بالمخيم الفلسطيني، حيث لا يمكن للأمن ولوج هذه المناطق التي تعتبر مغلقة، وهنا يطرح دويري إشكال المخيمات التي تمثل أكثر المناطق تهميشا في لبنان، حيث تعتبر وكأنها دول داخل الدولة، وسكّانها لا يتمتعون بأدنى الحقوق، حتى الحق في الشغل، ما يجعل هذه الأمكنة أرضية خصبة للعنف والفقر.

يقدم ياسر المعروف بدماثة أخلاقه نفسه، وتبدأ المحاكمة، التي يلعب فيها القاضي دور الباحث عن الحقيقة، ياسر يعتبر أنه مذنب، ويرفض أن يبوح للقاضي بما قاله طوني من شتائم أدت إلى انفعاله، وهنا يصدر حكم القاضي في القضية بالإفراج عن ياسر، وتنتهي أولى العقد التي حبكها دويري بسلاسة.

حبكة درامية

القضية رقم 23 لم تتوقف عند حكم القاضي، بل تعقدت الأمور، خاصة بعد ما تعكّرت حالة طوني الصحية، وسقط في الورشة متأثرا بحمله لثقل زائد، رغم نصائح الأطباء له بالراحة، وتلحق به زوجته، وفي محاولتها حمله تنهار هي الأخرى، ما يضطر الأطباء إلى إجراء عملية قيصرية لها، فتولد طفلتها بمشاكل صحية جمّة، قد تودي بحياتها.

تعود القضية هنا، بعد أن استلم محام شهير الملف من جديد موكلا عن طوني ضد ياسر، فيما تنحاز محامية شابة لياسر، وتبدأ أطوار الاستئناف التي ستكشف عمّا خلفت هذه القضية العادية من تشعبات وماض وأفكار.

دويري يكشف عن جراح فئات كثيرة من اللبنانيين عانوا القتل والحرب، ولم تندمل جراحهم، ولم يتم تناول قضاياهم

تشتد المناوشة بين المحامين وبين الخصمين في المحكمة، وتبدأ القضية في أخذ منحى آخر، قضية صراع بين الفلسطينيين اللاجئين الذين هدّدوا طوني واعتبروه صهيونيا، واللبنانيين المتعصّبين الذين يرفضون وجود ما يقارب نصف مليون فلسطيني بلبنان، وما أن ينشر صحافي الخبر، حتى تتحوّل القضية إلى قضية رأي عام، ويتحوّل الصراع من خصومة بين شخصين، إلى تقاتل بين شقين، الفلسطينيين واللبنانيين.

ويزيد الفيلم من تصعيده الدرامي بأن تكون محامية الدفاع ابنة محامي الادعاء، ما يجعلهما يخوضان حربا بينهما في المحكمة، كل يريد الفوز بالقضية التي اتسع مداها ليصل إلى رئيس الجمهورية اللبنانية الذي جمع ياسر وطوني في محاولة للصلح بينهما، لكن الأمر يبوء بالفشل.

وتستمر أطوار القضية لنكتشف بعدها معاناة ياسر اللاجئ من مكان إلى آخر حتى استقرّ به الحال في لبنان متزوجا من امرأة مسيحية، ويطرد من عمله من قبل صاحب شركة المقاولات الذي يعمل في السياسة أيضا.

وتتعقد الأمور بالكشف عن الحياة الشخصية لطوني أيضا، الذي يتبيّن أنه فار من قريته الدامور رفقة والده، منذ مجزرة 1976، التي راح ضحيتها أكثر من 500 لبناني، على أيدي بعض الفصائل الفلسطينية واللبنانية، هنا نفهم سبب كره طوني للفلسطينيين، الذي يعتبرهم قتلة، وأشخاصا عنيفين.

كره طوني لياسر هو وليد كرهه للفلسطينيين الذين دمروا قريته الصغيرة، ويحاول هنا الانتقام لطفولته المنتهكة من خلال ياسر، تتطوّر القضية أكثر لتغدو صراعا في الشارع بين الفلسطينيين الذين يرفضون التجني على ياسر، والشق الآخر الذي يقف إلى صف طوني، وضد كل وجود فلسطيني على أرضه.

وبعد جلسات حوار طويلة، وقبل الإعلان عن الحكم، يذهب ياسر إلى طوني، ويستفزّه بنعته للمسيحيين بأنهم “كانوا يتنزّهون أيام الحرب”، وأنهم لا يتقنون إلاّ “لعب الأولاد الصغار”، ينفعل طوني ويضرب ياسر بنفس الطريقة، وهنا ينظر إليه ياسر ويعتذر منه.

يذوب العداء الذي كان يكنه طوني لياسر، وتحكم المحكمة في القضية التي أشعلت فتيل حرب أهلية جديدة، بتبرئة ياسر، على اعتبار أن القضية لها تشعّباتها العميقة.

التشعّبات العميقة التي يتناولها زياد دويري في فيلمه، هي حول الشتات الذي يعيشه الفلسطينيون، والتهميش الذي يعانونه في لبنان، حيث لا يمكن للفلسطيني حتى توفير الشغل الذي يحفظ كرامته.

ومن جهة أخرى، يكشف دويري عن جراح فئات كثيرة من اللبنانيين عانوا القتل والحرب، ولم تندمل جراحهم، ولم يتم تناول قضاياهم، بل طواها النسيان دون أن يحاسب المذنبون أو يتم الكشف عنهم.

ويقدم دويري من خلال تاريخ الرجلين تاريخ البلدين الرازحين إلى اليوم تحت ثقل الاقتتال والحرب، كما يقدم المخرج قراءة أخرى للقضية الفلسطينية، قراءة ناقدة، تبتعد عن الانفعالات العاطفية، والسذاجة المتعصبة، التي لا يمكنها أن تصلح من وضع الفلسطينيين اليوم، فينقد الانسياق الأعمى اليوم لقضية التحرير الفلسطينية، دون وعي أو تمثّل لحال الشعب الفلسطيني أو الشعوب المجاورة التي عانت بدورها من الكيان الصهيوني ومن حركات التعصب والاقتتال.

ويدعو زياد دويري إلى نقد بنّاء وهادئ للحال الفلسطيني اليوم، من خلال قضية بسيطة جدا، لتستمر العقدة خلف العقدة في الانكشاف، وعلاوة على الحبكة المميزة للمخرج الذي أحكم ترابط المشاهد، نلاحظ حسن توجيه وإدارة الممثلين، حيث كان أداؤهم غاية في الدقة.

وأجمع المتابعون أن الفيلم يستحق إحدى جوائز أيام قرطاج السينمائية، حيث اعتبر من أفضل الأفلام التي عرضت إلى حدّ اليوم.

16