هل ينبثق إسلام جديد من كل هذا الحطام؟

الاثنين 2015/08/10

دعونا نعترف بالحقيقة الأكثر نصوعا وسطوعا، لقد نجح الغلاة إلى حد بعيد في قلب وظيفة الدين، فحرّفوا الكلِم عن موضعه، وحوّلوا الإيمان من رحمة للعالمين إلى تهديد للسلم العالمي، ومن طمأنينة للقلب وسكينة للنفس وشفاء للرّوح، وفق المقاصد الوجدانية لكل أديان الأرض والسماء، إلى مظهر من مظاهر العصاب الوسواسي الباعث على خراب العمران واكتئاب الوجدان.

وبصرف النظر عن النوايا المعلنة، فإننا لم ننجز أي عمل يُذكر لأجل إصلاح مضامين الخطاب الديني السائد في مجتمعاتنا. ماذا ننتظر؟ وهل هناك من أصدقائنا من لا يزال يصدق شعاراتنا حول حوار الحضارات وسلام الأديان وتقارب المذاهب؟ أخشى ما نخشاه ألا نجد غدا من يحمل كلامنا على محمل الجد، فنغدو مجرّد “ظاهرة صوتية” كما حذرنا عبدالله القصيمي. ومع كل هذا الخلل الكامن فينا نكتفي بالعتب بدل معرفة السبب. ماذا فعلنا؟ تركنا المعركة المفصلية واكتفينا بمعارك بقيت، بل أبقيناها، على هامش جدول أعمال الحرب العالمية على الإرهاب، ثم، وهذا هو الأدهى، لم نضمن بألا يكون المستفيد منها في الحساب الأخير هم عتاة التكفيريين من أعداء الحضارة.

هذا يعني أننا قد نزيد الطين بلة، سواء عن قصد أم عن غير قصد. لقد نسينا الأساس، هذه الحرب على الإرهاب ليست كسابقتها إبان فترة بوش الابن والمحافظين الجدد، هذه الحرب مفصلية بكل المقاييس، إنها الحرب التي ستقلب الكثير من التوازنات الإقليمية والدولية، وقد تشكل خارطة جديدة للمنطقة (وعلينا ألا نتوجس من هذه العبارة). وفي المقابل، لن يجلس على طاولة رسم خارطة التحالفات الجديدة غير الذين انخرطوا بقوة في حسم المعركة. إنها القاعدة الأهم لكل المعارك المفصلية. هل انخرطنا كما ينبغي أم أن معطياتنا الحسابية كانت ناقصة؟

المسألة ليست مجرّد معطيات حسابية لكنها معضلة ثقافية كانت ولا تزال تعطل الأذهان وتشل الوجدان. قمتُ بمراجعة بعض التقارير الميدانية حول المواجهات العسكرية بين مختلف الفصائل الإسلامية المسلحة (النّصرة وأحرار الشام وداعش)، وكانت النتيجة مذهلة: مقاتلو النصرة (القاعدة وأخواتها) وأحرار الشام (الإخوان وحلفاؤهم) الذين استطاعوا الصمود في قتال بطولي ضدّ الجيش السّوري وضدّ مقاتلي حزب الله، والذين قهروا فصائل المعارضة “غير الإسلامية”، ينهارون بسرعة في معظم مواجهاتهم ضدّ تنظيم “الدّولة الإسلامية”. هذا هو المعطى الأهم ضمن حرب قد تطول في الزمان والمجال. فماذا عن التحليل؟

بعيدا عن مفاهيم الانتهازية والمؤامرة والخيانة، لا أشك قيد أنملة في أن الوضع انعكاس لنوع من الهشاشة الثقافية المتجذرة في الأعماق. فبقدر ما يجد المقاتل الإسلامي نفسه مجيّشا بما يكفي من المفاهيم والتصورات حتى يخوض حربا شرسة ضدّ قوى “بعثية” أو “شيعية” أو “علوية” أو “علمانية”، فإنه لا يملك نفس الطاقة القتالية حين يتعلق الأمر بمواجهة قوى تبدو كأنها الأكثر تشددا من حيث التمسك بالهوية الدينية والمذهبية، والأكثر غلوا من حيث إعلاء راية الإسلام وتطبيق الشريعة. يصمد المقاتل الإسلامي أمام “أعداء” لا ينتمون إلى الدين “الصحيح” أو المذهب “الصحيح”، لكنه لا يصمد أمام “أعداء” يتكلمون باسم الدين “الصحيح” أو المذهب “الصحيح”. وتلك معضلة ثقافية كبرى يجب أن نأخذها بعين الاعتبار.

في كل الأحوال ثمة عقبة موضوعية، أن يضطرّ الشخص إلى مقاتلة تطرّف نابع من “ثوابت” ثقافته وعقيدته ومذهبه، فليس هذا بالرهان الهين؛ إذ يستدعي الأمر فتح جبهة ثقافية موازية تتعلق بنقد الذات، وهذا ما لا يقدر عليه إلاّ نمط من التفكير المضاد للأصوليات الهووية. وسيكون هذا الجهد، بكل تأكيد، أشدّ صعوبة من جهود الحرب الأمنية والعسكرية، لاسيما بالنظر إلى غلبة الطابع المحافظ على مجتمعاتنا. وهنا بالذات يتجلى دور المثقفين، وخلفهم المجتمع المدني كسلطة مضادة.

لنقل بنحو صريح، إنّ المعركة ضدّ الفقه الفتنوي التكفيري هي بالأولى معركة الفكر التنويري. نقول هذا حتى لا نبقى ندور في حلقة مفرغة. لكن، ما الذي بوسع المثقف التنويري فعله الآن، ليس فقط لأجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن لأجل إنجاز ما يجب إنجازه؟

هناك تجربة سابقة عاشتها أوروبا، لعلها مفيدة، وقد تكون ملهمة. مع صعود الأنظمة النازية والفاشية والستالينية في الغرب خلال النصف الأول من القرن العشرين كاد كل شيء ينهار. انفجر بركان الهمجية في أبشع صوره، وكاد يجرف معه كل مظاهر المدنية والتنوير، وفقدت جموع الناس فجأة وعيها كما لو أنها دخلت في غيبوبة عميقة إثر حادثة عنيفة، وصارت الشعوب كقطعان البرية خلف قادة مرضى لا يتقنون غير الثرثرة والصراخ. في تلك الأثناء شمّر الفكر الغربي على ساعد الجد وفتح جبهة النقد الذاتي. وماذا بعد؟ رغم انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم يخلد الفلاسفة والمفكرون للنوم بدعوى أن “العالم الحر” انتصر عسكريا على النازية والفاشية؛ فقد أدرك الجميع بأن الجبهة الثقافية للحرب قد تطول لكنها ستكون جبهة حاسمة. لم يتهرب المثقفون من مسؤولياتهم في مساءلة المفاهيم والتصورات الحداثية التي أنتجت ذلك الجحيم المهول من الأنظمة النازية والفاشية. وانطلاقا من مراجعاتهم النقدية انبثق عصر حداثي جديد يسميه البعض بما بعد الحداثة، وقد نسميه بالحداثة الثانية.

لقد انبرى مثقفو ما بعد الحداثة لمراجعة المُنطلقات الأساس للخطاب العقلاني والحداثي. فانتقد لفي ستراوس مفهوم التقدم في فلسفة التنوير والثورة الفرنسية والتي انتهت إلى تسويغ الاستعمار العالمي، وعلى نفس المنوال انتقد ميشيل سير العقلانية الديكارتية التي جعلت هدفها سيطرة الإنسان على الطبيعة فانتهت إلى تدمير البيئة، وانتقد ليو شتراوس مفهوم نسبية القيم كما تبلور داخل خطاب الحداثة السياسية منذ ميكيافليي وانتهاء بنيتشه حيث سادت العدمية حسب وجهة نظره، كما انتقد نيتشه العقلانية الغربية ابتداء من أفلاطون انتهاء بهيغل والتي انتهت إلى تهديد الحضارة الغربية. وحظي ميشيل فوكو بشعبية واسعة في صُفوف الحركة النضالية داخل أوروبا وخارجها، بسبب ظهوره بمظهر من يبتغي تحرير الإنسان من أنظمة الاستبداد اللامرئية التي تتوارى خلف مؤسسات الدّولة الحديثة ومبادئ العلم الحديث.

تجربة الفكر الفلسفي الغربي في مواجهة صعود الأنظمة الشمولية، النازية، الستالينية، الفاشية، ونقد المفاهيم الحداثية المنتجة للأنظمة الشمولية، مفاهيم العقل، والإنسان، والتقدّم، والشعب، إلخ، كانت بمثابة ورشة نقدية كبرى أفضت في الأخير إلى الخروج من عصر والدخول إلى عصر جديد.

ينتظرنا جهد مماثل لغاية تفكيك المفاهيم الإسلامية الباعثة على العنف، الحاضنة لثقافة الحقد والكراهية، المنتجة لأهوال الفتن وجحيم التطرّف، ينتظرنا العمل على انبعاث إسلام معاصر، إسلام لا يبخس الحياة، لا يحرم الفرح، لا يدنس الجسد، لا يشيطن المرأة، لا يجرم العقل، إسلام يشارك في بناء الحضارة المعاصرة ويساهم فيها، وهي الحضارة التي، رغم أزماتها، تقف الآن على مشارف عصر استيطان الفضاء والهجرة إلى ما وراء النجوم، ومن ثم تفتح أمام النوع البشري قدرا ثوريا يفوق أعظم الأحلام في تاريخ البشرية.

هذا ما يجب العمل عليه بحس إنساني، بدل العربدة والجلوس في قعر الحضارة للدعوة على الكفار بالويل والثبور، وانتظار الخراب اليباب أو العمل عليه عبثا وحقدا وعدوانا. سيكون انبعاث إسلام جديد رهانا ممكنا؛ لأنه رهان البقاء في الحساب الأخير.

كاتب مغربي

9