هل ينتهي عصر الإسلام المسيّس.. مقاربة بين جائحتين

الإسلام السياسي سوف يفشل في كل محاولات التجيير والتجييش، قصد تعبئة الناس وأدلجتهم باسم الوباء
الجمعة 2020/04/17
التدين المبالغ فيه جاءت به تجارب مزلزلة للكيان الإنساني

ما هو واقع حال الإسلام السياسي أثناء عربدة كورونا، وانفراد هذا العدو غير المرئي و”غير الملتحي” بتصدر نشرات الأخبار؟ كيف سيكون مستقبل هذا الفايروس الذي يستهدف العقول الشابة قبل أجهزة التنفس الضعيفة، وتباينت في أساليب التصدي إليه طرق المعالجة واستراتيجيات “تقوية المناعة” في المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية؟

لا ينبغي أن ننسى أن الوباء قد يظل كامنا، ولا تظهر أعراضه إلا على حين غفلة، وبعد أن تتوهم الحكومات بأنها قد سيطرت عليه بشكل كامل. وللمزيد من هذه المقاربة التي تبدو صائبة، بين وباء مجهري وآخر بشري، فإن أحدث ما توصلت إليه البحوث، تثبت أن بلازما دم المتعافي من كورونا، تنفع في معالجة المصاب حديثا، أي أنّ التائبين من الجهاديين يمكن لهم أن يفيدوا من تورطوا حديثا في تبني الفكر الإرهابي الذي يضرب مدن العالم دون تمييز.

نعم إن اللقاحات مجدية، وكذلك طرق المعالجة والتوقي، لكنّ هناك أوبئة قد تطرد أوبئة أخرى دون عناء، وفق معطيات مخبرية ثابتة. وهو ما يمكن توقعه من قراءة فاحصة لمستقبل الإسلام السياسي بعد كورونا.

الأوبئة والحروب والكوارث تبدو في ظاهرها مهيّجة للوازع الديني باعتباره آلية دفاعية لدى الأفراد والجماعات في حالات الخوف والإحباط، لكنها في باطنها تُلجم النوازع الشريرة لدى البشر، وتضفي جوّا من التضامن قوامه فكرة مفادها أن الكل في مركب يغرق، ولا سبيل للنجاة إلا بالمزيد من التعاضد وتأجيل الخلافات، وذلك انطلاقا من مقولة حكيمة، وهي “أن نعيش معا مثل إخوة وأصدقاء أو نموت معا مثل حمقى وأغبياء”.

ليس في هذا الشعار شيء من المثالية بل هو غاية في البراغماتية التي لا بد منها. أضف إلى ذلك، حقائق أثبتت العلوم الاجتماعية والنفسية صحتها في استقراء ظاهرة الإرهاب كوباء لا يفرّق بين دول غنية وأخرى فقيرة، أو أنظمة ديمقراطية وأخرى شمولية.

أليس كورونا شكلا من أبشع أشكال الإرهاب، وبصرف النظر عمن يستثمره في الحقول السياسية والاقتصادية والثقافية؟ وبعيدا عن نظرية المؤامرة، فإنّ استبعاد هذا النمط من الشرح والاستدلال، هو بحد ذاته مؤامرة خبيثة يوظفها السلفيون والجهاديون للقول إن كورونا ليس من صنع البشر، وإنما ابتلاء من عند الله.

وإذا خطر لسائل أن يجادل: إنه يصيب الإسلاميين أيضا؟ تأتيك الإجابة فورا “طيب.. ايت لي بإسلامي واحد أصابه هذا الفايروس”. حتما لا يستطيع المرء أن يحاججهم، لأنه لا يمكن أن يبحث في الأقبية والجحور، وحتى المساجد المقفلة، عن إسلامي أصابه كورونا.

تكتفي بالإجابة ساخرا “المؤكد أن الفايروس لا يصيب فايروسا من فصيلته أو أشد فتكا”، لكن التململ من الحجر الصحي لدى كل الناس، ومهما كان انضباطهم هو أيضا، ذريعة يمكن الركوب عليها وتصويبها ضد مؤسسات الدولة وقراراتها الحريصة على السلامة العامة كواحدة من مهامها وأولوياتها.

كل شيء يمكن استثماره لدى قادة الجماعات الإسلامية في هذه الجائحة، وأوله هو “الحرمان من تأدية الفروض والشعائر الدينية كغلق المساجد وتعليق الصلوات الجماعية، وإيقاف العمرة وربما الحج إن استفحل الأمر”.

هذه الإجراءات ذات الطابع اللوجستي، لا تبدو ظالمة إلا لدى جمهور الإسلاميين دون غيرهم من رعايا الديانات الأخرى، إذ لم نشهد أي تذمر في الأوساط المسيحية التي أحيت عيد الفصح في بيوتها دون مراسم وقداديس واحتفاليات، وكذلك الأمر بالنسبة للمعابد البوذية والهندوسية.

أن الإسلام السياسي سوف يفشل فشلا ذريعا في كل محاولات التجيير والتجييش، قصد تعبئة الناس وأدلجتهم باسم الوباء الجارف، وذلك لانعدام الحجة المقنعة أولا، ثم لبداية اضمحلال وتراجع الوازع الديني الذي كانوا يعولون عليه كقوة هجومية ضد الدولة المدنية.

هل ينتهي الإسلام المسيّس؟ هذا هو السؤال الجوهري في استقراء مشهد الإرهاب الديني ما بعد كورونا.

واضح أن كل محاولات التأليب من طرف الإسلاميين قد باءت بالفشل وارتدت على أصحابها أمام عدم تمكنهم من منابر صلاة الجمعة التي كانوا فيها يحرضون ويتوعدون. أضف إلى ذلك أن “الخوف من الموت” صار محفزا على انفضاض الناس من حولهم، بدل التعاطف والاستجابة لخطابهم التحريضي.

يبدو أن “الخوف من الموت” في حالات الصحو والسكينة، أكثر استثارة للغرائز الدينية، من وضعيات الرعب المتفشي بسبب وباء أعمى، لا يخاطب الناس من خلف المنابر، بل يتحداهم وهم يختفون خلف الأقنعة والكمامات والقفازات، ويقضّ مضاجعهم وهم لا يتكاتفون ويتراصون ويستوون صفا واحدا خلف إمام أو قبالة خطيب.

نذكر أن من بين الاعتراضات التي وُجّهت للمفتي التونسي عثمان بطيخ، أنه لم يستخدم آيات قرآنية في خطاباته التي تناولت التحذير من وباء كورونا. ومن الاستنتاجات السخيفة التي أطلقها الإسلاميون أن الشيخ التنويري غير مؤهل للإفتاء، لأنه لم يستخدم آيات قرآنية في كلمته، في حين أنه كان يصر على الحجج العلمية ويحث الناس على عدم رمي أنفسهم في التهلكة.

العلم يواجه الميتافيزيقيا ويتغلب عليها، هذا ما أثبتته حالات التصدي لإرهاب كورونا، والتي أثبتت أن الأفرول الأبيض لدى الأطباء والممرضين والمسعفين، أنفع وأجدر، من العمائم الكاذبة والمنابر التعبوية التي لم تعد تساوي شيئا أمام المخابر التي تمتزج فيها معتقدات الباحثين، بل يقع تجاوزها في سبيل إيجاد حل لهذا الوباء.

الأمر يشبه في انتصاره للحياة، الحرب الأهلية اللبنانية التي يحيي الذين عاشوا مآسيها، ذكراها هذه الأيام من عام 1975، وعايشت شخصيا، سنواتها الأخيرة وارتداداتها على الساحة السورية.

كانت حرب اصطفافات فكرية واضحة، ومع كل قذيفة تنزل كان هناك كتاب يطلع. قذائف استثنت البنوك التي تمول الحرب، وحيدت الملاهي الليلية التي أعطتها نكهة “سوريالية”.. كانت حربا فيها “أخلاقيات” تخضع لها بيروت الشرقية وبيروت الغربية وتتجاوز “نهر الكلب” (نهر الموت) كحد فاصل.

ميثاق يُعلي الفنانة فيروز فوق الجميع، ويوقف إطلاق الرصاص في صباحات التسوق، وفي جنازات عابرة للطوائف كجنازة الكوميدي “شوشو”.. كانت حربا تطهيرية بمتاريس طائفية وشعارات سياسية لكنها لم تكن حربا دينية.. كانت حربا “لا بد منها في بلد لا بد منه”.

الأوبئة، مثل الحروب، تصنع اتفاقا ضمنيا لدى المتخاصمين، مفاده أن لا بد من تأجيل الخلافات إلى حين انتهاء الكارثة التي قد تعصف بالجميع.

التدين المبالغ فيه جاءت به تجارب مزلزلة للكيان الإنساني، وستخفف منه وتجعله معتدلا تجارب مماثلة في هز عدة قناعات وهمية ومزيفة. لن نقول رب ضارة نافعة، لكنها حالة شبهها الكثيرون بـ11 سبتمبر 2001، ولكن في مسار مختلف ربما يكون معكوسا.

13