هل ينجح الحوار الوطني في تونس

الثلاثاء 2013/10/29
تونس.. المؤشرات الاقتصادية في هبوط متواصل

حالة من الترقب تسود الأوساط التونسية في ظل أزمة سياسية حادة زادها تأزما بعض العمليات الإرهابية التي أدخلت الخوف في النفوس، وجعلت التونسيين يوجهون أصابع الاتهام إلى حكومة النهضة التي عجزت على السيطرة على الوضع الأمني في البلاد بحكم قبضتها المتراخية. إلا أن السياسيين مازالت أمامهم فرصة للخروج من هذه الأزمة التي تفجّرت منذ أكثر من شهرين عقب اغتيال النائب المعارض محمد البراهمي من خلال مبادرة الحوار الوطني برعاية الاتحاد العام التونسي للشغل (المركزية النقابية) ومنظمة أرباب العمل، وعمادة المحامين، ورابطة حقوق الإنسان التي طرحت خارطة الطريق.

وتنص المبادرة على وجوب إنهاء مهام المجلس التأسيسي بعد إقرار الدستور وقانون الانتخابات وانتخاب أعضاء الهيئة الانتخابية وتحديد موعد الانتخابات في شهر، هذا إلى جانب استقالة الحكومة الحالية وتعويضها بأخرى غير حزبية في ثلاثة أسابيع. ويأمل العديدون أن تعبر بلادهم هذه المرحلة الدقيقة والحساسة في تاريخها متجاوزة كل الصعاب في حين أبدا البعض الآخر رؤيته المتشائمة.

ونعرض هنا لقرائنا الأفاضل موقفين متباينين من القضية الأول لمصطفى بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي الذي يؤكد أن الحوار الوطني سينجح وألا مخرج للأزمة السياسية إلا بالتوافق. والثاني لأيمن الزواغي النائب عن تيار المحبة، الذي يرى أن الحوار سيفشل لأنه إقصائي، متهما رباعي الوساطة الراعي للحوار بـالافتقار للحياد والموضوعية.

الحوار الوطني سينجح


لا مجال للفشل

يرى مصطفى بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي أن الحوار الوطني سينجح، وأن الحوار هو الحل ولامجال للفشل.

ويؤكد رئيس المجلس التأسيسي التونسي أن المجلس سيتفاعل إيجابيا مع الحوار الوطني بين الفرقاء السياسيين معتبرا أن الإرهاب فشل في بث التفرقة بين التونسيين وفي صفوف القيادات السياسية.

كما أن المجلس سيتفاعل مع الحوار بطريقة إيجابية وسيسرع في وضع هيئة الانتخابات في ظرف أسبوع والمصادقة على الدستور خلال أجل لا يتجاوزثلاثة أسابيع طبقا لخريطة الطريق المتفق عليها. ويجدد بن جعفر حرص المجلس منذ انتخابه على بناء دولة ديمقراطية ودولة قانون، داعيا إلى ضرورة حماية الهيئة الانتخابية المقبلة من تدفق الطعون فيها مشيرا إلى أن هناك حرصا على تعديل القوانين الخاصة بها.

مؤكدا على قدرة التونسيين على التوصل إلى التوافق وتجاوز الخلافات بين القيادات السياسية ومشددا على ضرورة مواصلة تقديم التنازلات بنفس الروح التي سادت في انطلاق الحوار الوطني.

ويشدد بن جعفر على أن التوافقات داخل المجلس تتحقق بالإقناع والهدوء داعيا إلى خلق مناخ من الثقة للإسراع في إنجاز هذه المهمة وتفادي التوترات لا سيما "المصطنعة" منها والحد من التجاذبات لما لها من انعكاس سلبي على الرأي العام الوطني.

كما يشدد على أن مكتب رئاسة المجلس سيبذل كل ما في وسعه من أجل إتمام وإنجاز ما تم التوافق عليه لا سيما من خلال إدخال بعض التعديلات على النظام الداخلي للمجلس لا للحد من حرية النواب بل للتسريع في العمل ولتجاوز الوقت الضائع.

ويؤكد بن جعفر أنه سيتم التواصل مع المجتمع المدني والخبراء لصياغة الدستور الذي سيكون نموذجيا يعكس طموحات وانتصارات كل الشعب التونسي .

وحول الوضع الأمني الحالي في بلاده أكد رئيس المجلس التأسيسي التونسي أن هناك اجتماعات منتظمة لمجلس الأمن الوطني يتم خلالها الاطلاع على الأوضاع التي وصفها بـ"الدقيقة" لكنه أكد في الوقت نفسه أن "قوات الأمن والجيش ممسكة بالأمور" وأن الوضع يبشر مستقبلا بكل خير.

وعما إذا كانت هناك وساطة خارجية بين الفرقاء السياسيين التونسيين في الحوار الجاري قال بن جعفر: "لسنا في حاجة إلى وساطة من الخارج بل توصلنا إلى التوافق في ما بيننا" معربا في الوقت نفسه عن الأمل في أن "تستمر هذه القاعدة في المستقبل".

إلا أن بن جعفر أوضح في السياق ذاته أن تونس ليست معزولة وتعيش في إقليمها وفي محيط دولي ولها أصدقاء وأشقاء قدموا لنا دعما كبيرا في هذا الظرف الصعب وأشقاء يعانون أنفسهم من أزمة خانقة نأمل أن تنفرج للحد من مشاكلهم التي لها انعكاس على مشاكلنا. ويدافع بن جعفر مجددا عن قراره السابق بتعليق أعمال المجلس التأسيسي في السادس من أغسطس الماضي عقب اغتيال النائب والسياسي محمد البراهمي موضحا أن اتخاذ ذلك القرار تم "في وضع كان حرجا جدا إلى جانب المثل الحي الذي كان يحدث آنذاك في الشقيقة الكبرى مصر". كما أكد أن التسريع في أشغال المجلس تحتاج إلى مراجعة بعض الفصول في النظام الداخلي وذلك بترشيد نقاط النظام والمقترحات التعديلية والأسئلة الشفاهية التي يطلبها النواب. لكنه أكد في المقابل أن هناك إجماعا حول ضرورة تعديل باب الأحكام الانتقالية.

وبحسب مصطفى بن جعفر رئيس فإن الحكومة التي تقودها حركة النهضة الإسلامية ستتعهد تقديم استقالتها بعد ثلاثة أسابيع التزاما بخارطة طريق طرحتها المركزية النقابية لإخراج البلاد من أزمتها السياسية.

وقال بن جعفر: "من المفروض أن تقدم (الحكومة) تعهداتها باحترام خارطة الطريق، وبعد أسابيع تقدم استقالتها".

وأضاف مصطفى بن جعفر أن "المرحلة القادمة تتطلب حكومة غير متحزبة".

الحوار مصيره الفشل


لأنه إقصائي فلن ينجح

على خلاف مصطفي بن جعفر يرى أيمن الزواغي القيادي في تيار المحبة (العريضة الشعبية سابقا) والذي يتزعمه الهاشمي الحامدي المقيم في لندن، أن الحوار الوطني سيكون مصيره الفشل لأنه إقصائي.

ويتهم الزواغي رباعي الوساطة الراعي للحوار المتمثل في اتحاد الشغل واتحاد الصناعة والتجارة وهيئة المحامين ورابطة حقوق الإنسان بـالافتقار للحياد والموضوعية.

وكان النائب في المجلس التأسيسي التونسي عن تيار المحبة، قد غادر الجلسة السابقة الافتتاحية للحوار الوطني، في حالة هستيرية، وانهمرت دموعه، بعد خلاف نشب بينه وبين الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل حسين العباسي، بسبب ما اعتبره" تجاهلا" لتيار المحبة السياسي وعدم تمكينه من حقه في إلقاء كلمة في جلسة الحوار.

ويوضح النائب عن حزب تيار المحبة ، أنه لم يقع تسجيل قائمة نوابه وقياداته في قائمة الدخول للحوار الوطني، وتم تجاهلهم وتركهم ينتظرون لأكثر من نصف ساعة قبل أن يسمح لهم بالدخول، كما لم يتم استدعاؤهم للتوقيع على خارطة الطريق، وتم حرمانهم من حقهم في إلقاء كلمة، رغم أنهم نجحوا في كسب 27 مقعدا في انتخابات المجلس التأسيسي، التي حل فيها حزبهم (العريضة الشعبية آنذاك) ثانياً خلف حزب النهضة الإسلامي الحاكم، مقابل منح الكلمة لأحزاب لا تملك ثقلا سياسيا لا في المجلس التأسيسي ولا في الرأي العام.

واعتبر النائب الزواغي أن تجاهلهم وحرمانهم من حقهم في إلقاء خطاب، يعكس "خوف الرباعي الراعي للحوار والأحزاب المشاركة من موقف تيار المحبة الداعي إلى انتخابات مبكرة، وهو ما ترفضه القوى الحزبية التي تخشى الشارع وتروم الانقلاب على إرادة الشعب، وفق قوله.

ويذكر أن تيار المحبة رفض التوقيع على خارطة الطريق التي اقترحتها الرباعية لحل الأزمة التونسية، احتجاجاً على ما وصفوه بـ"تحقيرهم وتجاهلهم".

ويؤكد النائب بالمجلس التأسيسي أن حزبه قاطع بشكل رسمي مداولات الحوار الوطني.

وبين الزواغي أن القرار تم اتخاذه بعد عقد اجتماع في الغرض بين أعضاء الحزب، وشدد على أن العدول عن هذا القرار لن يكون إلا بعد أن يتنازل الاتحاد العام التونسي للشغل عن شرط توقيع خارطة الطريق قبل الدخول للمفاوضات.

وفي سياق متصل شدد الزواغي على أن حزبه شديد التمسك بفتح باب الحوار بين الفرقاء السياسيين غير أن ذلك لا يعني التقيد بشروط قبل الانطلاق فيه وأكد أن تيار المحبة، الذي كان يعرف بالعريضة الشعبية، عانى الأمرين من الاقصاء، ليتكرر الأمر نفسه خلال الجلسة الافتتاحية للحوار الوطني، مؤكدا استعداد التيار ونوابه للعودة إلى طاولة المفاوضات بجدية شرط "التعامل الجدي واللائق معه ومع الشريحة الهامة من الناخبين الذين يمثلهم".

ويرى الزواغي أن حزبه له قاعدة جماهيرية كبيرة فلا يجوز تجاهله ومعاملته بتلك الطريقة. ومادام القائمون على الحوار الوطني يعاملون الأحزاب التي تريد المشاركة في الحوار بكل جدية (حزب تيار المحبة على سبيل المثال) فإن مصير الحوار سيكون الفشل.

ويعتقد الزواغي أن الإقصاء هو منهج لا تبنى من خلاله الديمقراطيات الحقيقية والمنطق الديمقراطي الذي نصبو إليه يقتضي أن يعامل الجميع بنفس المقاييس.

ويذهب النائب في المجلس الوطني التأسيسي إلى أن تونس تمر الآن بمرحلة دقيقة في تاريخها تستوجب وقوف الجميع بلا إقصاء، لإيجاد الحلول الكفيلة يإخراجها من هذه الأزمة السياسية الخطيرة التي تمر بها.


الأزمة السياسية تديم مشاكل الاقتصاد التونسي

يتفق العديد من المحللين للواقع التونسي أن الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد منذ سنتين ساهمت في تردي الأوضاع الاقتصادية وفي تدني الحالة الاجتماعية للتونسيين.

وقد حمل البعض حكومة النهضة المسؤولية عن ذلك، لأنها لم تستطع الخروج بالبلاد إلى بر الأمان وعجزت عن تحقيق توافق وطني يجنب تونس الوصول إلى تجاذبات سياسية من شأنها أن تعرقل المسار الانتقالي.

لكن ما حصل فعلا هو أن الأمور وصلت ألى أزمة سياسية حادة والتي كان لها عدة تداعيات على المستوى الاجتماعي والاقتصادي للتونسيين.

هذه الأزمة الخانقة ساهمت في بروز عدد من المشاكل لم يعرفها الاقتصاد التونسي سابقا وأصبحت تهدد الدينار التونسي بالتهـــــاوي الفعلي في أسواق المـــــال العالمية.

مما جعل ناقوس الخطر يدق لتجاوز الصعاب التي تزايدت مع عجز الأحزاب الحاكمة عن إيجاد الحلول الاقتصادية الناجعة. وبالإضافة إلى الوضع الاقتصادي المتهاوي فإن الوضع الأمني ساهم بدوره في إرباك الأداء السياسي وعطل استقرار البلاد الذي هو الأساس لكي تُضخ الأموال وتعمل الشركات وتدور عجلة الاقتصاد.

وقد أبدى صندوق النقد الدولي مؤخرا قلقه حيال الوضع الأمني والسياسي في تونس حيث يتأخر تطبيق خطة المساعدة التي منحتها المؤسسة المالية الدولية لهذا البلد في يونيو.

وقال الصندوق في بيان إن "الأزمة السياسية الحالية والتطورات الأمنية الأخيرة إضافة إلى تدهور الوضع الاقتصادي لأبرز الشركاء التجاريين لتونس تلقي بثقلها على النشاط الاقتصادي".

كما أشار رئيس الوزراء التونسي السابق ورئيس حزب حركة "نداء تونس" المعارض الباجي قائد السبسي في وقت سابق إلى أن الجهات الخارجية تمتنع عن مساعدة تونس بوجود حكومة علي العريض، مشيرا إلى أن هذه الحكومة أصبحت "حكومة تصريف أعمال وفاقدة للشرعية".

ويشهد المسار الانتقالي في تونس تعثرا في ظل أزمة سياسية خانقة بين السلطة بقيادة حركة النهضة الإسلامية والمعارضة التي تطالب بتشكيل حكومة كفاءات غير حزبية لإدارة ما تبقى من المرحلة والإشراف على الانتخابات المقبلة.

وزادت حالة الاحتقان في البلاد مع تواتر الهجمات الإرهابية على قوات الأمن والجيش والتي أوقعت 10 قتلى في صفوفهم خلال أسبوعين. في حين أن حكومة العريض وجل قادة حركة النهضة يطالبون بإنهاء الدستور الجديد بالمجلس التأسيسي وإصدار القانون الانتخابي وتشكيل الهيئة المستقلة للانتخابات وتحديد موعد للانتخابات المقبلة قبل إنهاء مهام الحكومة الحالية.

ويذهب مراقبون إلى القول إن استمرار الأزمة السياسية في تونس سينعكس سلبا على الاقتصاد وعلى الوضع الاجتماعي بصفة عامة.

12