هل ينجح العلاج النفسي السلوكي في مواجهة الرهاب

الأربعاء 2014/11/26
"الفوبيا" الاجتماعية يتفوق فيها الخوف من مواجهة الناس على الخوف من الموت ذاته

يحاول معظم الناس الابتعاد قدر الإمكان عن مواجهة مخاوفهم أيا كانت طبيعتها وشدتها، وإذا كانت هذه المخاوف مبالغا فيها من وجهة نظر العقل والمنطق، فإنها قد تمثل كابوسا حقيقيا لمن يعاني من مرض الرهاب أو “الفوبيا”؛ الذي يتمثل في الخوف المبالغ فيه وغير الواقعي من مواقف وأشياء لا تستدعي الخوف عند غيره مثل؛ الخوف من الأماكن الشاهقة أو المزدحمة أو الحشرات أو الأماكن المغلقة أو السفر بالطائرة وغيرها الكثير الذي يعد في نظر الآخرين تجارب حياتية طبيعية.

باحثون متخصصون في علم النفس الاكلينيكي، ينصحون مرضى الرهاب بضرورة مواجهة مخاوفهم كطريقة مثلى للتخلص من الهلع أو نوبات القلق التي تصيبهم وتصاحب سلوكهم عند تعرضهم لمثل هذه المواقف.

ويستند المتخصصون في آرائهم هذه، إلى حقيقة أن أغلب المصابين بالرهاب قد لا يعنيهم الخوف من مواقف محددة أو موضوعات معينة، بقدر خوفهم من مشاعرهم الشخصية وردود أفعالهم في التعامل مع هذه المخاوف، الأمر الذي يدفعهم ربما إلى فقدان السيطرة على أنفسهم بفعلهم أشياء محرجة أو مخجلة أو خطيرة سيندمون عليها لاحقا، كطريقة لاستجابتهم للموقف الذي يثير نوبات هلعهم.

ويرى الدكتور فريدريك نيومان، عالم النفس الأميركي ومدير مركز الرهاب والقلق في مستشفى وايت بلانز، أن معظم حالات “الفوبيا” متأتية من شعور بعض الناس بأنهم محاصرون في موقف ما وعاجزون عن التصرف بهدوء أو غير قادرين على الانفلات من الأمر الواقع، ولعل مصدر أكثر هذه المخاوف والمشاعر شيوعا، مواقف اجتماعية معينة أومحاولات فاشلة للتخلص من قبضتها.
أغلب المصابين بالرهاب قد لا يعنيهم الخوف من مواقف محددة أو موضوعات معينة، بقدر خوفهم من مشاعرهم الشخصية

إلا أنه يؤكد أن التعامل السليم مع هذه المواقف من شأنه أن يسهم في التخفيف من تأثيرها وحدتها وسيطرتها على حياة بعض الأفراد.

ويذكر الدكتور نيومان بعضا من أكثر حالات الرهاب شيوعا؛ مثل الخوف من المرتفعات الذي يمكن التخلص منه تدريجيا بالتدريب المستمر مثل محاولة التطلع من شرفة بناية شاهقة ومحاولة الاقتراب شيئا فشيئا والنظر إلى أسفل والتأكد من إمكانية فعل ذلك تدريجيا وبصفة متكررة، ويمكن تطبيق الفكرة ذاتها في ما يتعلق بالخوف من النزول في بركة السباحة أو الجلوس الطويل في مكان مغلق كصالة السينما أو المسرح.

إلا أن بعض حالات “الفوبيا” قد تستدعي وقتا وصبرا من المرضى أكثر من غيرها، كما أن بعض المرضى يحتاجون إلى وقت أطول من غيرهم ليتجاوزوا محنتهم.

ويرى الدكتور نيومان أن هنالك أنوعا من “الفوبيا” الاجتماعية يتفوق فيها الخوف من مواجهة الناس على الخوف من الموت ذاته، خاصة في ما يتعلق بـ”فوبيا” الحديث في مكان عام أو إلقاء خطاب أمام جمهور حاشد، وتبدأ علامات هذا الخوف الهستيري في سن مبكرة في المدرسة الابتدائية، حيث يتجنب بعض التلاميذ مواجهة زملائهم في الصف وتوجيه الكلام لهم.

وربما يبدو للعيان أن هذا النوع من الخوف يتعلق بصفة الخجل التي قد تكون سمة شخصية متوارثة عند البعض، إلا أن ما يوصلها إلى مرتبة الرهاب هو تكرارها بصورة ملحة وتفاقمها في مواقف متعددة، بطريقة تجعلها تفرض سيطرتها على جميع سلوكيات الشخص المصاب بها وتحيل حياته إلى سلسلة من الإخفاقات.

مواجهة المخاوف هو الحل الأمثل في كثير من حالات الرهاب وهي واحدة من النظريات المتعارف عليها في العلاج النفسي السلوكي

إلى ذلك، تؤكد الدكتورة أندريا رينيك؛ من جامعة أوكسفورد البريطانية، على أن مواجهة المخاوف هو الحل الأمثل في كثير من حالات الرهاب وهي واحدة من النظريات المتعارف عليها في العلاج النفسي السلوكي، حيث حصدت هذه الطريقة في العلاج نتائج إيجابية ملموسة في علاج المصابين بـ”فوبيا” الأماكن المغلقة مثلا، ذلك بتعريضهم بصورة مباشرة لتجربة المكوث في مكان مغلق لدقائق عدة.

ووفقا لدراسة الدكتورة رينيك التي نشرت نتائجها في دورية الطب النفسي البيولوجي، فقد تم شفاء ثلث المرضى الذين تعاملت معهم في جلسة واحدة فقط من العلاج. وتتضمن طريقة العلاج على إعادة تدريب الدماغ على استيعاب الموقف الذي يولّد الخوف بصورة واقعية غير مبالغ فيها، حيث يدرك مريض الرهاب من الأماكن المغلقة، بعد مكوثه –مثلا- 15 دقيقة داخل خزانة مغلقة، بأن مخاوفه ليس لها أي أساس من الصحة وسرعان ما يتخلص من نوبات القلق والخوف الهستيري بعد مرور وقت قصير يقضيه في مواجهة مخاوفه بصورة مباشرة، عوضا عن سنوات طويلة يقضيها المريض عادة في استخدام العقاقير دون جدوى.

وتعتمد نظرية العلاج السلوكي المعرفي على فكرة مفادها، أن التفكير السلبي الذي يمكن أن يؤدي إلى مشاكل نفسية مثل الاكتئاب ونوبات الهلع، يمكن ترويضه من خلال مساعدة المريض على التعرف إلى أفكاره السلبية هذه بمواجهتها وتشجيعه على تغيير نظرته للأشياء في مسار آخر أكثر إيجابية.

وتستخدم هذه النظرية على نطاق واسع في علاج العديد من الأمراض النفسية والجسدية منها؛ الرهاب، الغضب، اضطرابات النوم واضطرابات الطعام، إضافة إلى المشاكل المتعلقة بالعلاقات الاجتماعية القاصرة.

21