هل ينجح العلماء في تصحيح أخطاء السياسيين

العديد من الدول بدأت تدرك أهمية العلم في العمل الدبلوماسي، وتم اعتبار التعاون في مجالي العلم والبحوث عنصرا رئيسا من عناصر دعم السياسة الخارجية وتحقيق أهدافها الإستراتيجية ووسائل تنفيذ أنشطتها. ورغم أنها تتطلب جهودا كبيرة إلا أن دبلوماسية العلوم تعتبر خطوة حاسمة لبناء مجتمعات خبيرة وأكثر قوة وتنوعا، بعيدا عن تعقيدات السياسة.
السبت 2016/08/06
توظيف العلوم جزء من سياستنا الخارجية

لندن – تحاول الحكومات ومختلف الجهات غير الحكومية الفاعلة في الشرق الأوسط بكل الأشكال الدبلوماسية إيجاد حلول للتحديات التي تواجهها المنطقة، لكن في كل مرة لا تأتي هذه المحاولات بنتائج حاسمة.

وهذا الفشل يعني أن هناك خلافا في الدبلوماسية المتبعة لحل أزمات هذه المنطقة، التي ستستمرّ طالما لم تبحث الدول العربية وأطراف المجتمع الدولي عن حلول بديلة في التعاطي معها.

وهذا التقدم المطلوب يمكن أن يتحقق من وسائل مستبعدة وعبر حلول غير محتملة، وفق ديفيد حجار، الباحث في شؤون الشرق الأوسط بمعهد بروكينغز، والأستاذ في علم الكيمياء الحيوية في جامعة كورنيل الأميركية.

ويطلق حجّار على هذا الحل مصطلحا سياسيا علميا وهو “دبلوماسية العلوم”؛ ويعرّفه بأنه تعاون بين السياسيين والعلماء والخبراء المختصين لمعالجة المشكلات المشتركة وإقامة شراكات دولية بناءة تملك طاقات كامنة أكثر من تلك التي يتم الاعتراف بها.

ويمكن أن تساعد دبلوماسية العلوم الحكومات على إيجاد حل واقعي للتحديات التي تواجهها بلدانها وتقدم برامج وأطروحات تساعد على تحسين مستويات المعيشة لمواطنيها. ويمكن لدبلوماسية العلوم، أيضا، وضع الأسس لتحسين العلاقات في منطقة غالبا ما يسودها التوتر (إن لم يكن الصدام المباشر) من خلال التعاون الوظيفي والعلمي الذي هو أقل تسييسا.

ويذهب الحجّار إلى التأكيد على أن الجهود في مجال العلوم والتكنولوجيا، من جهة، والدبلوماسية من جهة أخرى، يمكن أن تحقق أكثر من ذلك إذا تم دمجهما سويا بدلا من مغالبة بعضهما البعض. وبالتالي، يمكن أن تساهم دبلوماسية العلوم في بناء السلام والأمن في الشرق الأوسط من خلال طرق فريدة لم يتم الاهتمام بها أو التفكير فيها من قبل.

العلوم والحوكمة العالمية

ساعدت دبلوماسية العلوم، في دول كثيرة من العالم، على تمهيد الطريق أمام تعزيز السياسة الخارجية وأهداف الحوكمة العالمية؛ فمثلا، بغض النظر عن خلفية الاتفاق النووي والشكوك حول إمكانية تحقيقه على أرض الواقع والتزام إيران به، يعتبر ديفيد حجّار أن هذا الاتفاق يوضّح كيف أن التفاوض والتعاون في قضايا العلم والتكنولوجيا يمكن أن يكون بوابة مهمة لتحقيق أهداف هامة للسياسة الخارجية.

ديفيد نجار: تتجاوز العلوم والتكنولوجيا السياسة والثقافات وبذلك تعد جسرا مهما بين الدول

وهنا، يشير الباحث إلى شخصيتين رئيسيتين في هذا الاتفاق لم يظهرا كثيرا في وسائل الإعلام مقارنة بوزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الإيراني جواد ظريف، وهما وزير الطاقة الأميركي إرنست مونيز ورئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، علي أكبر صالحي، الذين يرى ديفيد حجّار أن الدبلوماسية المباشرة (وغالبا التقنية جدا) بينهما كانت أساسية في تحقيق الاتفاق الإطاري.

تعتبر الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ مثالا آخر يوضح مدى تأثير دبلوماسية العلوم على السياسة، وذلك من خلال البحوث والتوصيات التي ترفعها اللجنة الدولية للتغيرات المناخية، التابعة للأمم المتحدة، إلى الجهات السياسية المعنية.

وأحدث مثال يستشهد به ديفيد حجار لتفسير هذا الأمر هو المؤتمر الدولي حول المناخ الذي انعقد في نهاية 2015 في باريس، وتواصل خلاله العلماء مع المئات من القادة السياسيين، الذين اطلعوا على الأدلة العلمية على أن العالم يزداد حرارة.

وتمت خلال المؤتمر، وانطلاقا من توصيات العلماء وتحذيراتهم، مناقشة العلاجات المناسبة ورسم طريق المستقبل للمساعدة في الحد من سرعة انتشار الأضرار البيئية لأزمة المناخ. وقد كانت دبلوماسية العلوم مسألة مركزية في وضع وتنفيذ اتفاق إطاري حول الحوكمة المناخية العالمية.

وفي مثال ثالث، يتحدث ديفيد نجار عن دور دبلوماسية العلوم في تحقيق مكاسب جوهرية في التحكم الدولي في الأمراض المعدية. ويؤكد تفشي فيروس زيكا في أميركا اللاتينية ووباء إيبولا في غرب أفريقيا وحمى الضنك في منطقة البحر الكاريبي وآسيا، وما إلى ذلك من الأوبئة، أن التعاون الدولي يشكل المفتاح لمكافحة الأوبئة الحديثة، التي تنتشر بسرعة نتيجة رحلات السفر والتنقل الدولي.

العلم في منطقة مشحونة

في الشرق الأوسط فرص كثيرة لدبلوماسية العلوم، لكن لا يمكن لهذه الدبلوماسية وحدها أن تساعد على إيجاد حل عملي، نظرا إلى كثرة التحديات، من الطاقة إلى الصحة وما إلى ذلك. والحل هنا، وفق دراسة ديفيد النجار حول دبلوماسية العلوم، يكمن في الجمع بين موضوعية العلوم والبيروقراطية السياسية.

والمثال المطروح للتوضيح هنا هو التعاون بين العلماء الأميركان والروس لمراقبة المنشآت النووية سواء منها الأميركية أو الروسية، خلال ذروة الحرب الباردة.

ورغم أن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تملكها موسكو وواشنطن تستهدف بصورة مباشرة بعضهما البعض، فإن بيروقراطية التعاون التقني أصبحت جزءا طبيعيا من العلاقة وساهمت في تقليل الخطر.

وفي مجال الصحة، هناك فرص كثيرة للتعاون وتبادل المنفعة. ففي عام 1996، ساعد مكتب وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى في تأسيس الاتحاد الشرق أوسطي لأبحاث السرطان والذي يعمل على تقديم المساعدة في تدريب الجيل القادم من العلماء والأطباء في بيولوجيا السرطان في المنطقة.

تعاون بين السياسيين والعلماء والخبراء المختصين لمعالجة المشكلات المشتركة وإقامة شراكات دولية بناءة تملك طاقات كامنة أكثر من تلك التي يتم الاعتراف بها

وتركز برامجه الأخرى على تطوير لقاح ضد أمراض الطفولة، والتصدي لفيروس نقص المناعة البشرية والملاريا والالتهابات والسل؛ ووضع حد لسوء التغذية في مرحلة الطفولة، والتحكم في حالات الحمل غير المرغوب فيها. وقد حققت مثل هذه البرامج تقدما هاما في مجال الصحة العامة، وعززت التعاون بين الدول المشاركة في هذه البرامج والداعمة لها.

من جهتها تستضيف الأردن مبادرة واعدة تسمى المركز الدولي لضوء السنكروترون للعلوم التجريبية وتطبيقاتها في الشرق الأوسط (ستيم) على غرار المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن)، وهو عبارة عن شراكة بين مجموعة من الحكومات تهدف إلى خلق فرص وظيفية للعلماء والباحثين في هذا المجال للحد من هجرة الأدمغة من المنطقة.

أصل دبلوماسية العلوم

تمتلك دبلوماسية العلوم القدرة على تقديم مكاسب حقيقية تتجاوز مساحات العلوم والتكنولوجيا. عندما تتعاون الدول بعيدا عن السياسة، سواء على مستوى المجتمعات العلمية غير الحكومية أو على مستوى الأجهزة الإدارية الحكومية التي تركز على الطاقة والصحة أو غيرهما من القضايا، تعزز ثقة الأطراف المعنيين بها. ومن شأن ذلك أن تكون له آثار غير مباشرة في المجالات السياسية والأمنية.

وفي البعض من بلدان المنطقة، وخاصة في منطقة الخليج، هناك دلائل على أن الاستثمارات الجديدة في التعليم في مركز “ستيم” والجهود ذات الصلة، مبشرة بتحقيق التقدم في مجال دبلوماسية العلوم. على سبيل المثال، قررت الإمارات العربية المتحدة إنشاء أول مدينة مستدامة في العالم.

وأنشأت المملكة العربية السعودية جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية بهبة قدرها 20 مليار دولار، منها 200 مليون دولار لجذب العلماء والأساتذة المختصين من الغرب. وتعهدت قطر بإنفاق 3 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي على البحث العلمي.

وتواصل المملكة العربية السعودية وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة بناء وتعزيز الشراكات مع الجامعات العلمية الأوروبية والأميركية.

لكن، يبقى الاهتمام بالعلوم بين الطلبة والمواطنين عامة في العديد من دول الشرق الأوسط منخفضا، ويعد ذلك إشكالية كبرى، في الوقت الذي يحتاج فيه شباب المنطقة إلى منافسة العالم. وتحتاج الحكومات في المنطقة إلى المزيد من بذل الجهود لاستقطاب شبابها إلى مجال العلوم.

يمكن أن يعزز التعاون الدولي في مجال الهندسة والرياضيات، بقيادة دبلوماسيين في مجال العلوم، العلاقات بين دول الشرق الأوسط وأيضا علاقات هذه الدول مع الولايات المتحدة.

تتجاوز تخصصات العلوم والتكنولوجيا السياسة والحدود والثقافات، وبذلك تعد جسرا مهما بين الدول. خلال فترة من العلاقات الجيوسياسية المتوترة، يمكننا أن نركز على إحراز تقدم في مجالات الصحة والتصدي للأمراض، والأمن الغذائي والمائي وغيرها وبالتالي تعزيز الاستقرار الداخلي والأمن الدوليين.

7