هل ينجح حياد السودان في تقريب المسافات بين مصر وإثيوبيا

السودان يقترب تارة من رؤية مصر، وتارة أخرى من إثيوبيا، كي لا يخسر أيّا منهما.
الجمعة 2020/05/22
لابد من تفعيل مسار واشنطن

القاهرة – تمضي إثيوبيا قدما في مشروع استكمال سد النهضة حيث أعلن وزير المياه والطاقة الإثيوبي سيليشي بقيلا إنجاز 73 في المائة من عملية بناء السد، مشيرا إلى أن التعبئة الأولية لخزان السد ستبدأ في يوليو المقبل.

يأتي ذلك مع فشل جهود التسوية مع مصر، التي ضاقت الخيارات أمامها لمعالجة هذه القضية حيث لم يعد أمامها من خيار سوى الاستسلام إلى الواقع أو الذهاب في خيار المواجهة، وهذا سيكون مكلفا جدا ولا تعرف مآلاته.

ويقول محللون إن دوائر مصرية تنظر إلى موقف السودان باتخاذه في الفترة الأخيرة مسافة من إثيوبيا، على أنه يشكل بصيص أمل، ويجعل الخرطوم مؤهلة للقيام بدور فاعل في الأيام المقبلة عقب تجميد الوساطة الأميركية وفراغها من مضمونها السياسي المتفائل.

سيليشي بقلي: تم إنجاز 73 في المائة من عملية بناء سد النهضة
سيليشي بقلي: تم إنجاز 73 في المائة من عملية بناء سد النهضة

وعُقد اجتماع عبر تقنية الفيديو كونفرنس، مساء الثلاثاء، ضم مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء المصري، ونظيره السوداني عبدالله حمدوك، فضلا عن وزيري الخارجية والري ورئيسي جهازي المخابرات في البلدين، قد تناول ملف سد النهضة الإثيوبي من كافة جوانبه.

وأوضح حمدوك خلال الاجتماع أنه سيجري اتصالا برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لاستيضاح موقفه إزاء العودة إلى طاولة المفاوضات على أساس مسار واشنطن.

ودعا مجلس الأمن والدفاع السوداني، الثلاثاء، إلى التوصل لاتفاق يحقق مصالح جميع الأطراف في مفاوضات سد النهضة الإثيوبي، وبما يحفظ الأمن الإقليمي.

وهذه هي المرة الأولى التي يبدو فيها حمدوك قريبا من تنفيذ وعده السابق بالوساطة في ملف سد النهضة وإجراء حوارات مع الجانبين، والذي شككت فيه بعض الدوائر بعد مضي نحو شهرين على مبادرتيه دون تحقيق تقدم ملموس.

واقترب السودان تارة من رؤية مصر، وتارة أخرى من إثيوبيا، كي لا يخسر أيّا منهما، وانعكس ذلك بترحيب البلدين بالتحركات السودانية التي نشطت على المستوى السياسي، وتريد الخروج من حالة الشد التي دخلتها العلاقة بين القاهرة وأديس أبابا، ودفعت الأولى إلى تقديم مذكرة توضيحية إلى مجلس الأمن، والرد عليها من قبل الثانية مؤخرا.

وأطل السودان بموقف يمسك العصا من المنتصف في الفترة الأخيرة مع تصاعد التوتر بين أديس أبابا والقاهرة، ليهيئ الأجواء لتفعيل وساطته دون الإخلال بمصالحه المباشرة، وقطع الطريق على خروج الأزمة عن السيطرة الإقليمية، إذا جرى تداولها في أروقة الأمم المتحدة.

ودعا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الأربعاء، إلى ضرورة التوصل إلى اتفاق ودي بين الدول الثلاث وفقا لإعلان المبادئ، الموقع بينهم في مارس 2015 بالخرطوم.

وتتعمد إثيوبيا تجاهل هذا الإعلان، بينما تتمسك مصر ببنوده العشرة، وترى أنه قاعدة رئيسية للتفاهم، حيث شمل جميع النقاط الشائكة، وُوضعت له خطوط وعناوين عريضة للحل.

وتحظى تحركات الخرطوم بدعم من جهات مختلفة لوقف وتيرة التصريحات التصعيدية بين مصر وإثيوبيا، خاصة أن الأخيرة تشدد على المضي في خطتها لملء سد النهضة، في موعدها مع حلول يوليو المقبل، من غير الحاجة إلى إخطار السودان ومصر، ما ينذر بانحسار الحلول السلمية إذا لم تتمكن وساطة حمدوك من النجاح قبل هذا الموعد.

ويرى مراقبون أن السودان استطاع امتصاص الغضب الإثيوبي بعد رفضه الأسبوع الماضي طلب أديس أبابا توقيع اتفاق جزئي لملء بحيرة سد النهضة، وجسر الوفد الذي أرسله حمدوك لأديس أبابا يومي الجمعة والسبت، هوة كادت تتسع بسبب أزمة الحدود المشتركة بين الدولتين.

وجلبت نتائج زيارة الوفد هدوءا على صعيد ملف سد النهضة بعد اطلاع إثيوبيا على أبعاد الموقف السوداني الجديد، وعززت موقف الخرطوم في شكواها من تجاوزات عسكرية في منطقة “الشفقة” المتنازع عليها.

وقالت رئيسة وحدة حوض النيل بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، أماني الطويل، إن السودان استطاع أن يحدد مصالحه بدقة من بناء السد، واتخذ جملة من المواقف المتوازنة، بددت مقاطع سلبية كثيرة في الصورة التي ألصقت بالخرطوم.

وأضافت لـ“العرب”، أن إثيوبيا أدركت أنها لن تستطيع ملء السد عبر أساليب الاستعراض السياسي، أو من دون تفاهمات واتفاقات محددة، وثبت لها أن تصوراتها بشأن فرض الأمر الواقع لن تقبلها مصر والسودان والمجتمع الدولي، ما يجعلها حريصة على العودة مرة أخرى إلى طاولة التفاوض خوفا من أن يتم حشرها في زاوية الطرف المتمرد في المنطقة.

مفاوضات تراوح مكانها
مفاوضات تراوح مكانها

وأوضحت أن الأجواء العامة الدافعة لاستئناف المفاوضات تشكل حافزا قويا نحو إمكانية جني ثمار إيجابية من وراء تحركات حمدوك، والتي تستهدف العودة إلى إعلان المبادئ الموقع في الخرطوم، وهو ما يتوافق مع الطرح الأميركي الذي عبر عنه وزير الخزانة ستيفن منوتشين، وعكسته مسودة اتفاق واشنطن التي وقعت عليها مصر بمفردها، وامتنعت إثيوبيا والسودان.

يذهب البعض للتأكيد على أن زيادة حظوظ الوساطة التي شرع فيها حمدوك ترتبط بعوامل فنية أيضا، لأن سلامة سد النهضة وضمان عدم تأثيره سلبا أصبحت على الطاولة السودانية، لأن البيانات والمعلومات المرتبطة ببناء السد غير واضحة إلى حد كبير للخرطوم، وقد تشهد الفترة المقبلة المزيد من المطالبات للحصول على ضمانات بعدم تضرر دولتي المصب.

وتحتاج الحكومة المصرية إلى كل طرف يستطيع تجنيبها المناوشات مع إثيوبيا، ويساعدها في التوصل إلى حل بالوفاق، واستبعاد الخيارات الخشنة لحسم أزمة سد النهضة، وذلك ما يأتي من تجاوبها الواضح مع الخرطوم.

وتحتاج الحكومة السودانية إلى نصر معنوي يخفف عنها حدة الأزمات الداخلية، ويعيد إليها الثقة، فظهور حمدوك وهو يتحرك باستقلالية وبعيدا عن الزج به في المحاور التي اتبعها الرئيس المخلوع عمر البشير،
يضفي أبعادا إيجابية على تصوراته السياسية.

وأشار المحلل السياسي السوداني، عبدالمنعم أبوإدريس، إلى أن حمدوك يريد تحقيق مصالح بلاده الاستراتيجية في سد النهضة، وهو ما انعكس على جملة من الدراسات الفنية التي جرى إعدادها وتوصلت إلى أن السد ينطوي على فوائد عدة وبعض الأضرار، بما يتطلب تغييرا طفيفا في المواقف الفنية والسياسية.

وذكر في تصريح لـ“العرب”، أن التحركات السودانية تستهدف تقريب المسافات بين الأطراف الثلاثة دون أن تتحول إلى وساطة كاملة، فالخرطوم طرف أصيل في الأزمة، ولا تريد الاشتباك الإقليمي في لحظات يعيد فيها السودان ترتيب أوضاعه الداخلية.

2