هل ينجح ياسر جلال في تجسيد شخصية عبدالفتاح السيسي

عادة ما يأتي دور الرئيس في الدراما جافا حيث يكتب السيناريو على مقاس الصورة التي تريد الدولة توصيلها إلى الجمهور.
الاثنين 2021/09/27
أحمد زكي في "ناصر 56" جمع بين الأداء المبهر والكاريزما

بدأ تصوير الجزء الثالث من المسلسل المصري “الاختيار 3” مبكّرا، تمهيدا لعرضه على بعض الشاشات المصرية والعربية خلال شهر رمضان المقبل، وهي المرة الأولى التي تُجسّد فيها الدراما المصرية شخصية رئيس الجمهورية بشكل واضح وصريح وهو على قيد الحياة، عدا فيلم “طباخ الرئيس” الذي جسّد خلاله الفنان خالد زكي شخصية الرئيس في عهد حسني مبارك، منتحلا اسما مختلفا ومستخدما الكثير من الإسقاطات السياسية.

القاهرة- يسرد مسلسل “الاختيار 3” الأحداث التالية لثورة 25 يناير 2011، ثم وصول جماعة الإخوان إلى الحكم وسيطرتهم على بعض مفاصل الدولة، حتى سقوطهم بموجب ثورة 30 يونيو 2013 التي أيدّها الجيش المصري، ولعبت المؤسسة العسكرية دورا مهما في تطوّراتها حتى استقرّت الأمور. ويؤدّي الفنان ياسر جلال دور الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، فيما يؤدّي صبري فواز دور الرئيس الإخواني محمد مرسي.

ويتطرّق المسلسل إلى الدور الذي قام به السيسي منذ أن كان رئيسا للمخابرات الحربية وعضوا في المجلس العسكري الذي أدار البلاد عقب تنحي الرئيس الراحل حسني مبارك، حتى تولّي السيسي منصب وزير الدفاع خلال فترة حكم الإخوان وتدخله لعزل مرسي وتعطيل العمل بالدستور، وتصديه للعديد من التحديات والمؤامرات.

ترقّب وتوجّس

ماجدة خيرالله: تجسيد شخصية الرئيس بحاجة إلى حرفة فنية وموهبة عالية

يترقّب الجمهور المؤيّد والمعارض للسلطة في مصر الدور الذي سيؤدّيه الفنان ياسر جلال ويجسّد فيه شخصية السيسي، ويتوجّس في ما إذا كان سينجح في المهمة بشكل محترف أم يفشل في إقناع متابعي العمل أنه نسخة قريبة من رأس السلطة حاليا.

قام الفنان تامر عبدالمنعم بتجسيد شخصية الرئيس الأسبق محمد مرسي بعد عزله في الفيلم الهزلي “المشخصاتي” بطريقة أثارت التعاطف مع الرئيس الإخواني، لأن الدور جرى التعامل معه بسخرية زائدة، فسقط فنيا وسياسيا، وبدا كمحاولة لتصفية الحسابات.

وميزة ياسر جلال أنه من الممثلين الذين يميلون بطبيعتهم إلى تقديم الأدوار الجادة التي تتّسم بالصرامة والاتزان والعقلانية والهدوء في آن واحد، وهي صفات قريبة من شخصية السيسي، لكن الأخير يمتلك سمات أخرى ربما يصعب تمثيلها، مثل العفوية التي لا أحد يعرف كيف ستظهر في تصرفاته، لأنها مادة فنية دسمة.

ويرى بعض النقاد أن الدور سيكون جافا غالبا من الناحية الفنية، لأن السيناريو سيكون محكما وعلى مقاس الصورة التي تريد الدولة توصيلها للجمهور وطبعها في أذهانه لفترة طويلة، وقد لا يتطرّق لخفايا غير معروفة للجمهور، فالمطلوب هنا التأريخ لحقبة معينة عبر الدراما التي أثبت تأثيرها وتحوّلت إلى سلاح في معركة تشكيل الوعي.

أزمة جلال الفنية أنه طوال فترة تجسيده لدور السيسي سيكون مدركا أن الشخصية التي يمثلها موجودة على قيد الحياة وشغوفة بمشاهدة الفنان الذي يؤدّي دوره ومسيرته الأمنية والسياسية، ما قد يضع عليه جملة من القيود والضغوط وقد يجعله يتحسّس خطواته وكلماته بمنتهى الدقة، خاصة أن السيسي نفسه يعوّل كثيرا على الجزء الثالث من المسلسل في زيادة وعي الناس حول خبايا ثورتي يناير ويونيو والأسرار المحيطة بهما، وهو عبء مضاعف على طاقم العمل.

ويضيف النقاد أن هذه النوعية تمثل قيدا على الفنان في بلد مثل مصر، صاحبها الحاكم الأول في البلاد، وقد تحصر الممثل في أدوار بعينها، وتحول دون أداء شخصيات مناقضة للرئيس، كمعارض أو عربيد أو رجل أعمال فاسد وما إلى ذلك من أدوار متعدّدة، إذ سوف يحتفظ الجمهور بصورة نمطية لجلال كلما رآه تساوي بينه وبين السيسي.

ومن الصعوبة فصل نجاح أي عمل فني، سينمائي أو درامي، يتطرّق إلى شخصية رئيس الدولة عن احترافية المخرج والمؤلف، لكن مسلسل “الاختيار” عبر جزأيه الأول والثاني، أثبت أن بيتر ميمي نجح في مهمة الإخراج ببراعة، كما برهن هاني سرحان على موهبته الكبيرة في التأليف، ما يسهّل المهمة الفنية على جلال الذي لم يتحدّث عن الدور، وفضل طاقم العمل التكتّم عليه.

عمر زهران: تجسيد شخص الرئيس ببطولاته يرمّم الخواء الفكري عند البعض

ويمكن تبرير الشغف الجماهيري بالجزء الثالث من مسلسل “الاختيار” بأن الناس لم تتعرّض لعمل درامي يجسّد شخصية الرئيس منذ سنوات، رغم أهمية هذا القالب الفني في المعرفة ببواطن الأمور داخل دهاليز الحكم، وتغيير القناعات الخاطئة عن الحاكم والمقرّبين منه، وطبيعة الأدوار التي قاموا بها بعيدا عن الأضواء، فمهما كان محتوى الخيال، فالجمهور سيربطه بالواقع الذي من الضروري أن يستمدّ الخيط الرئيسي منه في الموضوعات المتشعبة.

لم تختف شخصية الرئيس في الدراما أو السينما المصرية، وربما كان الرئيسان الراحلان جمال عبدالناصر وأنور السادات من أكثر الشخصيات التي جرى التطرّق لها بعد رحيلهما، وهو ما حصد اتفاقا واختلافا حول الفنانين الذين جسّدوا شخصية الرئيسين، حيث تمتّعا بمساحة عالية من الحرية الفنية والسياسية في التناول.

قال الفنان المصري عمر زهران لـ”العرب” إن مناقشة العمل الفني لشخصية الرئيس لها قيمة كبيرة، خاصة عندما يستهدف العمل إعادة تعريف المجتمع بالحاكم، وخلق حالة وعي لدى الشباب المعروف عنهم الابتعاد عن السياسة وعدم الانشغال بها، وبالتالي فتجسيد شخص الرئيس ببطولاته يرمّم الخواء الفكري عند البعض.

ولا يقتصر التناول على البطولات، فهناك إخفاقات يمكن التوقّف عندها لاستلهام العبر والدروس منها، لذلك تظل النظر المحايدة والموضوعية أقرب للواقع لأنها تنزع عن الشخصية الفنية صفة القداسة أو الإدانة.

وأضاف زهران لـ”العرب” أن أهمية الأعمال الفنية التي لها أبعاد سياسية تتزايد عندما تبتعد عن تقديم شخصية الرئيس في سياق شخصي وعائلي لتركّز على تاريخه المهني وكفاحه في التصدّي للمخربّين وأعداء الوطن، هذا هو الدور الذي يجب أن تلعبه الدراما، فمن المهم أن تقدّم هذا الفن بشكل صادق وواقعي.

ودلّل زهران على ذلك بأن الأعمال الفنية التي قدّمت شخصية الرؤساء السابقين، مثل جمال عبدالناصر وأنور السادات غيّرت الكثير من المفاهيم حول طبيعة الأدوار التي أدّاها كلاهما، وكيف كانا يديران الدولة، والتحدّيات الصعبة التي واجهتهما، والحنكة في الخروج من المآزق السياسية كنوع من التوعية للأجيال الجديدة بكيفية إدارة البلاد بحسابات دقيقة.

كاريزما الفنان

ما يرفع العبء عن ياسر جلال وهو يجسّد شخصية السيسي، أنه لن يكون في موضع مقارنة مع سابقين أدّوا الدور نفسه

أثبتت الأفلام والمسلسلات التي تناولت شخصيتي عبدالناصر والسادات أن أداء دور رئيس الدولة، بغض النظر عن وجوده أو وفاته، يتطلب سمات خاصة في الفنان الذي يجسّد الدور، فليس كل ممثل سيكون بارعا في أداء المهمة، مهما كانت مقوماته وخبراته وتراكماته، بل إن الأمر بحاجة إلى فهم عميق لشخصية الرئيس ليقدّمها كما لو أن الرئيس هو الممثل والفنان هو الرئيس.

وهناك فنانون لم يحالفهم الحظ في تجسيد شخصية السادات، سواء كانت بأدوار رئيسية أو ثانوية، مثل أحمد عبدالعزيز في فيلم “حكمت فهمي”، وطلعت زين في فيلم “جمال عبدالناصر” والراحل عبدالله غيث في مسلسل “الثعلب”، ومحمود عبدالمغني في مسلسل “أوراق مصرية” ومفيد عاشور في مسلسل “الدعاة”.

وكانت تجربة الفنان الراحل أحمد زكي مع تجسيد دور كل من عبدالناصر في فيلم “ناصر 56” متقنة ونجح في تقديم موقف رئيسي لتسليط الضوء عليه، والخاصة بإدارته لتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

وتكرّرت الإجادة والإتقان في أداء دور السادات في فيلم “أيام السادات الأخيرة”، لكن كانت مشكلته الفنية في تعدّد القضايا التي جرى التطرّق لها، وفي كل الأحوال كانت الدقة في التوثيق حاضرة والقدرة على المعايشة مع شخصية الرئيس ملحوظة.

وقالت الناقدة الفنية ماجدة خيرالله لـ”العرب” إن العبء الواقع على أي ممثل يجسّد دور رئيس الدولة يرتبط بكون الجمهور يحفظ شخصية الحاكم عن ظهر قلب، ويفهم طباعه جيدا، وعدم توافر ذلك في الممثل يضع عليه الكثير من الضغوط، ليس فقط لأن الرئيس أو أفراد أسرته سيشاهدون العمل، بل لأن المُشاهد نفسه لن يقبل بسهولة تقديم شخصية غير التي يعرفها.

وما يرفع العبء عن ياسر جلال وهو يجسّد شخصية السيسي أنه لن يكون في موضع مقارنة مع سابقين أدّوا الدور نفسه، كما جرى مع أغلب الذين قدّموا شخصية عبدالناصر، فلم يصل أغلبهم لإتقان أحمد زكي عندما قدّمه بصورة بدت كأنها نسخة منه، من حيث الملامح ونبرة الصوت والجسد الممشوق والكاريزما.

ومثّل هذا النجاح تحديا بالغا لكل من خاض المغامرة بتجسيد شخصية ناصر، مثل الفنان خالد الصاوي في فيلم “جمال عبدالناصر”، حيث تطرّق لحياة الرئيس الراحل منذ الطفولة وحتى وفاته، وظهر بشكل يشبهه، لكنه وقع في فخّ المقارنة مع أحمد زكي، وهو ما تكرّر مع الفنان رياض الخولي في مسلسلات “أم كلثوم”، و”رد قلبي” و”فارس الرومانسية”، والفنان السوري جمال سليمان في مسلسل “صديق العمر”.

وأكّدت خيرالله لـ”العرب” أن تجسيد شخصية الرئيس بحاجة إلى حرفة فنية وموهبة، وليس مجرّد أداء دور سينمائي أو درامي، لكن عندما يكون المخرج بارعا والمؤلف مخضرما وفريق العمل كله شغوف بالنجاح الجماعي تكون المهمة سهلة إلى حد كبير، وتصبح القيمة الفنية أعلى في التوعية والفهم والتعريف بالرئيس.

ولفتت الناقدة المصرية إلى أن مناقشة الفن لدور الرئيس في الحياة السياسية والاجتماعية هو جزء من الهوية الثقافية والتاريخية لأي دولة تكون في مرحلة بناء الوعي الجمعي لأفرادها، ولا بد من أن يعرف الجميع كيف كانت تدور الأحداث وبأي طريقة مرّت لأجل منع تزييف العقول من خلال قلة معادية للوطن ووقف العبث والتقليل من الأدوار التي لعبها الحاكم خاصة في فترة التقلبات السياسية.

ليس كل من جسّد شخصية جمال عبدالناصر نجح فيها

 

17