هل ينسج العالم على منوال الجواز الثقافي الفرنسي

الجواز منحة تعزز التربية الثقافية في نفوس الشباب.
الجمعة 2021/05/28
فرنسا تقرّب الثقافة من الشباب

تلقى الفرنسيون الأسبوع الماضي خبرين رئاسيين هامين، أولهما رفع الحجر الصحي وثانيهما تمكين الشباب من “جواز ثقافي” هو عبارة عن منحة تصرف في المجالات الثقافية على اختلاف فنونها. والغاية هي ترغيب هذه الشريحة العمرية في المنتوجات الثقافية، والدعم غير المباشر لأهل القطاع الذين تضرروا من الجائحة وتبعاتها. فهل يمكن تعميم هذه التجربة الفرنسية؟

منذ قرابة قرن، كتب بول نيزان يقول “كنت في العشرين من عمري. لن أدَع أحدا يقول إنّ ذلك أجمل سنّ في الحياة”. وكان يتحدث عما عاناه جيله من الشباب بسبب الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم كله عام 1929، ومهّدت لصعود الفاشية والنازية وما تلا ذلك من حروب.

ظروف مشابهة يعانيها العالم اليوم بعد استشراء هذه الجائحة التي أضرت بفئات اجتماعية كثيرة، في مقدمتها الشباب، ليس في البلدان الفقيرة وحدها، بل حتى في البلدان المصنّعة، مثل فرنسا.

دعم الشباب

بسبب كوفيد – 19 وجد الملايين من الشبّان أنفسهم في أوضاع اقتصادية واجتماعية ونفسية حادّة، عبّروا عنها خلال مسيرات احتجاج ضخمة منذ شهر يناير الماضي، ما دفع المسؤولين في شتى الجهات إلى مطالبة الحكومة باتخاذ تدابير لفائدة فئة 18 – 25سنة.

اقترحت أحزاب اليسار “حدّا شبابيا أدنى”، أو سحب “دخل التضامن النشِط” الذي يصرف للعاطلين والباحثين عن شغل على من هم دون سنّ الخامسة والعشرين، ودعت أحزاب اليسار إلى توفير “شيكات غذائية” لمن هم في ضائقة مالية، بينما سعت بعض المدن والجهات كما في باريس وضواحيها (إيل دو فرانس) وليون وبوردو إلى بعث مساعدة مالية لتلك الشريحة العمرية، مشفوعة بتكوين مهني لإنقاذ ما صار يُطلق عليه بـ”الجيل الضّحيّة”، تعاضدهم في ذلك مجموعة من الشخصيات المعروفة في شتى الأوساط الثقافية والرياضية والفنية والمسرحية والإعلامية.

المنحة ليست أوراقا مالية بل وصولات تستعمل في شراء تذاكر السينما والحفلات والعروض وارتياد المتاحف واقتناء الكتب

وكان لتلك التحركات أثر في قرارات الحكومة بعد أن استشعرت سيناريو أسود بدخول الطلبة ميدان المطالبات الاجتماعية، وقد عبّر أحد نواب الحزب الحاكم عن ذلك بقوله “المشكل مع الطلبة، أنك تدري متى تنطلق تحركاتهم، ولكنك لا تدري متى ولا كيف تنتهي”.

ومن ثمّ بادر الرئيس ماكرون بتهدئة الخواطر باتخاذ بعض الإجراءات كإعادة فتح الكليات مرّة في الأسبوع، وتخصيص وجبات بيورو واحد لكل الطلبة، يستوي في ذلك صاحب المنحة وعديمها.

غير أن ذلك لم يحلَّ مشاكل الطلبة، لاسيما أن كثيرا منهم فقد “عمله الغذائي” (عمل بسيط في أوقات الفراغ يساعد الطلبة على توفير نفقاتهم وتأمين حاجياتهم) في المجالات التي تأثرت أكثر من غيرها بالحجر الصحي، علمًا وأن نحو خُمسي الشباب الذي يزاول الدراسة في المراحل العليا، يقيم ميزانيته على نشاط مدفوع الأجر، حسب المرصد القومي للحياة الطلابية.

وقد سعت الحكومة منذ الصائفة الماضية إلى إحياء برنامج عنوانه “شابّ، حلّ” (ما يعني ينبغي إيجاد حلّ لكل شابّ) تمّ وضعه في عهد الرئيس الأسبق فرنسوا هولاند يقترح منحة لكل عامل جديد سواء بصفة دائمة أو بصفة مؤقتة، مع خلق مجالات تكوين جديدة تنتهي بمؤهلات تتيح الانخراط في سوق الشغل، غايته تشغيل الشبان دون سن السادسة والعشرين.

جواز ثقافي

منحة ثقافية قيمتها 300 يورو
منحة ثقافية قيمتها 300 يورو

الجديد الذي أعلن عنه الرئيس ماكرون يوم الجمعة الماضي الـ21 من مايو هو صرف “جواز ثقافي” وهي منحة ثقافية قيمتها 300 يورو تسند إلى كل شاب بلغ سن الثامنة عشرة دون اعتبار لجنسيته. حسبه أن يسجّل اسمه وسنّه على تطبيقة “جواز ثقافة”، كي يحصل على هذه المنحة التي سوف تمكنه على مدى سنتين من حضور العديد من الأنشطة الثقافية والفنية.

والمنحة المعنية ليست أوراقا مالية عدّا ونقدًا، بل هي وصولات يستعملها كل منتفع في شراء تذاكر السينما والحفلات الموسيقية والعروض المسرحية وارتياد المتاحف، أو اقتناء الكتب والأسطوانات والآلات الموسيقية، أو تسديد معاليم الانتفاع بألعاب الفيديو والموسيقى والصحف والمجلات على المواقع الإلكترونية، على ألا تتعدى هذ الفئة الأخيرة مئة يورو، وألا يقع التعامل مع عمالقة الإنترنت أمثال أمازون ونتفليكس وديزني.

تندرج هذه المنحة ضمن الوعود الانتخابية للمرشح إيمانويل ماكرون، وقد تمّ تجريبها طيلة سنتين في أربع عشرة محافظة قبل أن يتمّ الإعلان عن تعميمها في مدينة نوفير بمحافظة “لانييفر” الأسبوع الماضي. مع تفاصيل أخرى تخص منحا لتلاميذ المرحلة الثانوية وحتى تلاميذ نهاية المرحلة الإعدادية، إلى أن يصل مجموع ما يمكن أن يتحصل عليه الشاب حتى بلوغه الثامنة عشرة من عمره إلى خمسمئة يورو، بداية من يناير 2022، ويسري قرار المنحة على كافة البلاد الفرنسية، بما فيها أقاليم ما وراء البحار.

والغاية لا محالة هي مساعدة هذه الشريحة العمرية، بصرف النظر عن مستوى معيشة أهلها، على تعزيز تربيتها الفنية، وربط صلات وطيدة بالساحة الثقافية والفنية، وتمكينها من أدوات ترفيهية تجمع بين الإمتاع والتسلية، وهي أيضا وسيلة للحد مما أحدثته الجائحة في نفوس الشبان من آثار نفسية بالدرجة الأولى.

ولكنّ لها وجها آخر هو حرص الحكومة على مساعدة قطاع منكوب هو القطاع الثقافي بكل مفرداته، بعد أن خضعت المتاحف والمسارح ودور السينما والمهرجانات على اختلافها وحتى المكتبات إلى عطالة مطلقة، تسببت في خسائر فادحة برغم الدعم الذي رصدته الحكومة، وهو بمقدار أحد عشر مليار يورو، لتلافي إفلاس العديد من المؤسسات والشركات الخاصة.

ومن هنا كان التأكيد على استثناء الشركات الأجنبية العملاقة، التي لم تتضرر بالجائحة، بالعكس، زادتها الجائحة مكاسب جديدة. وليست صدفة أن الإعلان عن المنحة تزامن مع رفع الحجر يوم الـ19 من مايو المنقضي، فهي في وجه من الوجوه مساعدة أيضا لقطاع الثقافة في مجمله.

استبشر الشباب بهذه المنحة، وقد تجلى ذلك في استطلاعات الرأي الأخيرة التي دلت على صعود نسبة المؤيدين للرئيس ماكرون، مثلما رحّب بها أهل الثقافة والفنون، رغم أن نقابات الطلاب لا تزال تلح على مطالب أخرى كإصلاح نظام المنح الذي وعدت به الحكومة واتخاذ إجراءات استثنائية لمساندة أكثرهم هشاشة.

تعميم التجربة

Thumbnail

هذا الوضع الهش ليس خاصا بالفرنسيين وحدهم، بل هو مشاع في أكثر من بلد أوروبي، لشدة الأضرار التي ألحقتها الجائحة بالشباب.

ولئن بادرت بعض البلدان كألمانيا وبريطانيا إلى زيادة دعمها للشبان بتوفير منح إضافية، فإن بعض البلدان الأخرى، الأسكندنافية خاصة، دأبت على اعتبار كل شابّ راشدًا منذ بلوغه سن الثامنة عشرة، ترصد له المنح والقروض حتى تخرّجه، مثلما ترصد الجرايات الاجتماعية لمن بلغ هذه السنّ دون مؤهلات، ثم يخضع للتكوين المهني بغرض تشغيله.

أما في كوريا الجنوبية فثمة منح خاصة للشبان الذين يعملون بأجر محدود، وفي كندا ترصد الدولة منحا للمؤسسات التي تقبل تكوين الشبان.

كلها أمثلة عن تدخل الدولة لفائدة الشباب، عماد المستقبل، لضمان دخولهم معترك الحياة بقدم ثابتة، ولكن التجربة الفرنسية ركزت هذه المرة على منحة ثقافية، كي تعزز الحس الثقافي والفني لدى الشباب، وترغّبهم في ارتياد المسارح والمعارض والمتاحف في عصر رقمي انصرف فيه معظمهم إلى ألعاب الفيديو وأشرطة اليوتيوب وتغريدات تويتر وتعاليق فيسبوك.

وحبّذا لو تنسج بعض البلدان العربية على هذا المنوال، بالتعاون مع رؤوس الأموال وأصحاب الشركات الكبرى. وليس بعزيز أن ترصد كل دولة مبلغا ماليا، وفق إمكاناتها، للشباب الذين ينتمون إلى فئات مجتمعية ضعيفة، بهدف ترغيبهم في ارتياد المتاحف والمعارض والمسارح، ومساعدتهم على اقتناء الكتب بأسعار رمزية، خاصا بمن يحمل مثل هذا الجواز الثقافي، لعلنا ننشئ جيلا جديدا يرى في الثقافة عنصرا أساسيا في حياته. فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.

15