هل ينفرد العرب في إنتاج الفقر

الجمعة 2015/10/09

"ما هو الفقر"؟ سؤال ظل مؤجلاً بسبب سذاجته. ذلك لأن موضوعه لا يحتاج إلى سؤال، فالفقراء يفترشون الأرصفة في أجزاء كثيرة من المعمورة، هناك حيث الفقر هو القاعدة التي تساوي بين الناس.

لا يحتاج تعريف الفقر إلى خيال أو كلمات. غير أن خبراء الاقتصاد، السعداء، كانوا دائما متفائلين في الوصول بالبشرية إلى مرحلة تنسى فيها الفقر، فيكون ذلك السؤال محل اختبار صعب بسبب غموضه.

عالم بلا فقراء. حلم قديم استطاعت أمم أن تحققه، فيما نجحت أمم أخرى في إحباط كل محاولة للاقتراب منه. هناك أمم تتفنن من أجل تزيين الفقر لأبنائها.

تتواطأ السلطات السياسية والدينية وأصحاب رؤوس الأموال على تطوير صناعة الفقر، لتكون المعادلة قائمة على عنصريْ الفقر والغنى باعتبارهما قدريْن، لا يجوز المساس بهما ولا يصح انتقادهما.

دول كثيرة استطاعت خلال العقود الثلاثة المنصرمة أن تقول “وداعا” للفقر، من خلال خطط للتنمية، وضعت من أجل التقليل من المسافة التي تفصل بين الطبقات. وهو ما أدى إلى شيوع نوع من الرفاهية الاجتماعية والذي انتقل بشعوب تلك الدول إلى مرحلة غادرت فيها العالم القديم منتمية إلى العصر بقوة.

الموقف من الفقر لا يتعلق دائما بالعقائد. ففي أوروبا أفقر الاشتراكيون شعوبهم لتتشكل طبقة من ذوي الامتيازات الخاصة مكونة من أفراد الحزب الحاكم وعوائلهم، في حين ارتقى الليبراليون بشعوبهم السلم الاقتصادي وضيقوا الخناق على الفقر، حتى صار الفقر فكرة مستبعدة.

المسافة التي يتحرك فيها مبدأ العدالة الاجتماعية هي التي تصنع الموقف من الفقر.

فالعراق على سيبل المثال هو بلد تحكمه أحزاب دينية، يفترض أنها لا تمثل الطبقات ذات النفوذ المالي، حيث أن جمهورها يتألف من الفقراء. ومع ذلك فإن صناعة الفقر هي في أعلى مستوياتها هناك. لا لشيء إلا لأن تلك الأحزاب مستندة إلى الدين لا تؤمن بمبدأ العدالة الاجتماعية.

من مفارقات عصرنا أن بلدا نفطيا مثل العراق يغطي الفقر أكثر من نصف مساحته. وهو أمر لا يقع بعيدا عن الفكر السياسي السائد، وهو فكر يتميز بغياب القيم الإنسانية والوطنية. وقد يكون مأساويا أن يقع ذلك في وقت تشير فيه الإحصاءات الدولية إلى تراجع الفقر في العالم إلى ما دون العشرة بالمئة. وهو ما يشعر خبراء الاقتصاد إزاءه بالارتياح، ذلك لأن هذا التراجع إذا ما استمر، فهو ينبئ من وجهة نظرهم بقرب الساعة التي سينضم فيها الفقر إلى لائحة الأمراض المنقرضة.

خبراء الاقتصاد أنفسهم لن يكونوا معنيين بالفقر العراقي. ذلك لأنه من النوع الذي لا علاج له. وهو يقع خارج اختصاصهم ولن يستجيب شيء منه لعلاجاتهم.

العراقيون وحدهم يمكن أن يفهموا رموز وصفة فقرهم. وهي رموز غير معقدة، غير أنها صعبة التفكيك بسبب تشابكها مع مفردات ثقافة شعبوية رثة، صارت اليوم هي مصدر إلهام للسلطة، بل هي مصدر الإلهام الوحيد.

تلك الثقافة الفقيرة بكل عناصرها ومقوماتها لا يمكن أن تنتج سوى مجتمع فقير، حتى وإن تميز عدد محدود من شرائحه بالثراء الذي لن يتمكن من صنع مظاهر حياة رخية ومترفة ومستوفية لشروط الكرامة بالمعنى المعاصر. أثرياء العراق هم فقراء لا يملكون من الثراء سوى المال الذي يعز عليهم أن ينفقوه في بناء بلادهم وتطوير سبل التنمية الاجتماعية، التي لا يعرفونها أصلا.

في الوقت الذي يتحرر العالم تدريجياً من عار الفقر، تنهار الطبقات الوسطى في المجتمعات العربية. وهو ما دفع التقارير الدولية المختصة بمراقبة الفقر في العالم إلى استثناء مصر من ظاهرة تراجع الفقر، بالرغم من وجود خطط للتنمية فيها.

هناك في العالم العربي ماكنة لا إنسانية لم تتوقف عن إنتاج الفقر.

كاتب عراقي

8