هل ينهي تغليظ عقوبات ضرب الأزواج العنف بين الشريكين في مصر

البرلمان المصري يسعى إلى تغليظ عقوبة عنف أحد الزوجين بهدف توفير حماية قانونية للزوج من الاعتداء الذي يقع عليه على يد الزوجة.
الثلاثاء 2021/08/03
صمت الزوج عن الاعتداءات يفاقم الظاهرة   

يدفع الخوف من التعرض للتنمر والتعليقات التي تحط من كرامة الرجل إلى صمته عن حالات الاعتداء التي يتعرض لها من طرف زوجته، ما ساعد على انتشارها. ويتحرك مجلس النواب المصري حاليا لتغليظ عقوبة عنف أحد الزوجين ضد الآخر وتوفير حماية قانونية للزوج من الاعتداء باعتبار أن التشريعات الموجودة أنصفت المرأة ولم توفر مظلة تشريعية لحماية الرجل.

القاهرة- بدأ أعضاء داخل مجلس النواب المصري يتحركون لتغليظ عقوبة عنف أحد الزوجين ضد الآخر في ظل انعدام قدرة التشريعات الراهنة على وقف الاعتداءات بين الأزواج التي تزايدت خلال الأيام الماضية، حيث يرتبط الأمر بالتربية ونظرة الطرفين للعلاقة الزوجية بشكل عام ومن له حق فرض الكلمة على الآخر.

واشتكى رجال مصريون على استحياء من كثرة العنف الذي يتعرضون له على يد البعض من الزوجات دون شكوى لاعتبارات أسرية على رأسها النظرة الذكورية في المجتمع والخوف من التعرض للتنمر والتعليقات التي تحط من كرامة الرجل باعتباره أخفق في الحفاظ على رجولته وصمت عن تعرضه للأذى من شريكة حياته.

وتستهدف التعديلات التي يرغب نواب داخل البرلمان في القيام بها قريبا توفير حماية قانونية للزوج من الاعتداء الذي يقع عليه على يد الزوجة، لأن التشريعات الموجودة أنصفت المرأة وفرضت عقوبات صارمة على الرجل إذا اعتدى عليها بالقول والفعل، لكنها أغفلت وقوع نفس الأذى من جانب شريكة حياته ولم توفر مظلة تشريعية لحمايته، وهو ما جعل البعض من الرجال يصمتون عن التجاوز الحاصل في حقهم.

وقال محمود حسن، وهو شاب يعمل في إحدى المؤسسات الحكومية، لـ”العرب” إنه تزوج من فتاة كثيرة التطاول عليه ووصل الأمر إلى الاشتباك بالأيدي، ما جعله يضطر إلى ضربها لإثنائها عن تصرفاتها التي لا تتناسب مع كيان المرأة كأنثى ضعيفة لطيفة لا تعرف طريق العنف. ويخشى محمود الاعتراف لأقاربه وعائلة زوجته بأن الاعتداء عليه كان سببا في الرد عليها بنفس الأسلوب خوفا من الفضيحة ونعته بتوصيفات جارحة تهز كيانه.

ولم يتخيل هذا الزوج أنه قد يذهب ذات يوم إلى مركز الشرطة لتحرير محضر اعتداء ضد زوجته خشية السخرية التي سيتعرض لها في حال القيام بذلك، كما أن ذلك سوف يسرع وتيرة الطلاق وانهيار العلاقة الزوجية، ما يعني انقطاع علاقته بأولاده وربما بأقاربه وأقاربها، وليس من السهل على الزوج فعل ذلك إلا إذا قرر الانفصال.

وأقر مجلس النواب المصري تعديلات قانونية قبل خمس سنوات منحت الزوجة حق مقاضاة شريك حياتها إذا اعتدى عليها بشكل يلحق الأذى بها، وبلغت العقوبات حد الحبس لمدة تصل إلى ستة أشهر. لكن ذلك لم يكن كافيا لمنع العنف داخل الأسرة، ووصلت الجرائم إلى مستويات قياسية بعد التسبب في عاهات مستديمة للكثير من النساء.

هالة حماد: أهمّ معيار لوقف العنف الأسري هو تغيير نظرة الزوجين إلى بعضهما البعض

ويرى معارضون للعنف بين الأزواج أنه يصعب وقف حلبات المصارعة بين الزوجين بتغليظ العقوبات الموقعة على المعتدي، لأن ذلك يتطلب من الضحية أن تكون مستعدة لانهيار العلاقة الزوجية وهدم الأسرة طالما لجأت إلى قانون يهدد الشريك بالحبس، كما أن احتماء أحدهما بالقضاء يعرضه للعار.

وما زالت الكثير من الأسر تميل إلى حل الخلافات الزوجية وفق الأعراف والتقاليد من خلال الجلسات الودية بين أسرتي الزوجين مهما كانت حدة الاعتداء اللفظي أو البدني.

وكل من يحاول التغريد خارج هذا الإطار باللجوء إلى القضاء يشبه من حكم على نفسه بالعزلة بعد التبرؤ منه من جانب عائلته نفسها، فالوصول إلى هذه المرحلة يعني نهاية العلاقة المعنوية.

قد يكون ترهيب أحد الزوجين بعقوبة مشددة إذا كان دائم الاعتداء ضرورة ملحة ولو من باب التخويف، لكن واقعيا لا يمكن استخدام القانون سوى في حالات نادرة، مثل الضرب المبرح وإحداث عاهة أو تعريض الحياة للخطر، وهي تصرفات يصعب معها استمرار العلاقة الزوجية.

والرجل الشرقي بطبعه يرفض الشكوى للأقارب أو المؤسسات الشرطية والقضائية من تعرضه للضرب، والمرأة التي تتعرض للأذى باستمرار قد تكون راغبة في استكمال العلاقة خوفا من الطلاق، لأن سجن زوجها يترتب عليه وصمها أسريا وعدم زواجها مرة أخرى باعتبارها امرأة متمردة وخارجة عن الأعراف.

وقالت هالة حماد، استشارية العلاقات الزوجية في القاهرة، إن أهم معيار لوقف العنف الأسري هو تغيير نظرة الزوج لزوجته، والعكس بالعكس؛ فلا يمكن أن تكون العلاقة الزوجية قائمة على الندية وفرض وجهة النظر الخاصة وتعامل الرجل مع المرأة ككائن تابع ومعاملة الزوجة لشريكها كما لو كان “مجرد رجل في المنزل”، لأن التربية على هذا الأساس مدمرة لأي علاقة.

وأوضحت لـ”العرب” أن “هناك ثقافات غريبة أصبحت دخيلة على الكثير من الأسر، تقر بضرورة أن تكون هناك ندية، وبعض الأزواج صاروا يتربصون ببعضهم البعض، وهذا يرتبط بالتربية والنشأة، فهناك من يربي ابنه على أنه صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، وإذا عصته الزوجة يربيها وفق ما تربى عليه، وهناك من يربي ابنته على إظهار العين الحمراء للرجل من البداية حتى لا تكون أشبه بـ’جارية’، وكلها تصرفات خاطئة”.

ولفتت إلى أن العنف الزوجي لن ينتهي بالتشريعات القانونية مهما بلغت صرامتها، فالعلاقة سوف تنهار ولا بد من البحث في أسباب اللجوء إلى التصرفات السلبية من الطرفين، ومحاولة إيجاد التوافق بين الشريكين على آلية إنهاء الخلاف دون تصعيد أو إهانة لفظية بحيث يكون بين الزوجين دستور في حياتهما يضمن استقرار العلاقة.

وساعدت فتاوى بعض رجال الدين في تكريس العنف بين الزوجين داخل الأسرة الواحدة، فهناك أصوات فقهية أباحت دفاع المرأة عن نفسها حال تعرضت للاعتداء، وأخرى منحت الرجل حق تأديب الزوجة بالقوة إذا شعر بأنها بدأت تخرج عن طوعه ولا تستجيب لأوامره، وهو ما رسخ لدى الكثيرين فكرة أن الإهانة مشروعة طالما توافرت الأسباب والدوافع والمبررات.

ويصعب فصل التصعيد بين الزوجين عن تفنن وسائل الإعلام في تحويل العنف بين الزوجين من مجرد حالات فردية إلى ظاهرة أسرية ونشر قصص واقعية لامرأة انتقمت من شريكها أو اعتدت عليه بالضرب والسباب، والعكس صحيح أيضا، ما أقنع الطرفين بأن فكرة الاعتداء نفسها موجودة ومطلوبة وربما ضرورية لتأديب الطرف الذي يستحق هذا التصرف.

الصراع بين الزوجين يصعب وقفه بتغليظ العقوبات الموقعة على المعتدي، لأن ذلك يتطلب استعداد الضحية لهدم الأسرة

وتكمن المعضلة الكبرى في أن الطرفين (الزوج والزوجة) يستمدان خبرة التعامل مع بعضهما البعض من الأقارب والأصدقاء، أي بطريقة عشوائية، ويطبقها كل طرف على شريكه دون مراعاة لخصوصية العلاقة وشكل المشكلة في ظل غياب الوعي الإعلامي والثقافي والديني بالطريقة التي يجب أن تكون عليها الحياة بين الزوجين.

ويرى متابعون للظاهرة أنه لا يمكن التصدي للعنف بين الزوجين بلا تدريب وتأهيل وتثقيف أزواج المستقبل (الشباب والفتيات) وتوعيتهم بأبجديات العلاقة الزوجية في كل مراحلها لتجنب الخلافات التي تقود إلى العنف، على أن يكون ذلك من خلال مناهج تعليمية عصرية وتطبيق فكرة اجتياز الدورات التدريبية قبل الزواج كشرط أساسي ليدخل كلاهما العلاقة بوعي وفهم.

وإذا كان تغليظ العقوبة ضرورة حتمية فيجب مراعاة خصوصية العلاقة الزوجية في مجتمع شرقي يقدس العادات والتقاليد والأعراف ولا يسمح لأي طرف باللجوء إلى القضاء كنوع من الانتقام من المعتدي لفظا وفعلا، ما يتطلب إطلاق مشروع توعوي يُقدس العلاقة بين الشريكين ويوعّي كليهما بكيفية التصرف عند حدوث مشكلة قبل أن تُحل بالعنف المتبادل.

21