هل يُفتح باب الأمل والعمل أمام المعوقين في فلسطين

تنتشر ظاهرة زواج الأقارب في المجتمع الفلسطيني لأسباب عديدة، لكنها تخلّف في المقابل أطفالا معوقين أصبحت أعدادهم ترتفع في المجتمع دون أن تقوم السلطات بالاهتمام بهم في تأهيلهم وتشغيلهم.
الثلاثاء 2016/01/26
الحياة لا تتوقف

بيت لحم (فلسطين)- يبدو محمد وهو من مدينة بيت لحم منكبا ومركزا باهتمام بالغ وهو يلهو بالمكعبات في مركز للتأهيل ببلدة بيت جالا، يقع بالقرب من منزله بالأراضي الفلسطينية، ويعاني محمد الذي يبلغ من العمر ستة أعوام من مرض التوحد.

وعندما اكتشف الأخصائيون الاجتماعيون هذا الطفل المهمل، وجدوه وقد أجبر على تمضية وقته فوق خزانة للأطباق والأكواب بمنزله.

واتضح أن أباه الذي أساء معاملته كان يتخذ من سطح الخزانة مكانا لإيداع ابنه، لأنه كان لا يعرف كيف يتعامل مع علة هذا الطفل، ولم يكن محمد يجرؤ على القفز من فوق الخزانة التي يصل ارتفاعها إلى مترين لكي يهرب من محبسه.

والآن وقد انتقل إلى مركز التأهيل، يلعب محمد بمجموعة من المكعبات المتراصة فيشيد منها برجا ثم يرفع عينيه عن قطع اللعب ويتجه من آن لآخر إلى الأخصائي المعالج له.

ويقول برجهارت شونكيرت، المشرف على مركز التأهيل، إن “قدرة هذا الطفل على الاحتفاظ بالتواصل البصري الآن تعد معجزة”. ولحمايته يقيم محمد في منزل محلي مخصص للأطفال، ويأتي إلى مركز التأهيل لتلقي العلاج فقط.

وتقوم منظمة “لايفجيت” الخيرية الألمانية بإدارة المركز، وتأسست هذه المنظمة المسيحية عام 1991 للقيام بأعمال إنسانية. ويعمل الألمان والفلسطينيون معا في هذا المركز لتقديم المساعدة للأطفال والمراهقين من أصحاب الإعاقة في الضفة الغربية.

ويوضح شونكيرت وهو من مدينة جيسين الألمانية قائلا “إننا نسعى لأن نفتح أبواب الحياة أمام الأطفال والمراهقين من ذوي الإعاقة”. ويواصل شونكيرت خطوة خطوة توسيع نشاطه الذي يعده محور حياته.

جمعية خيرية تؤهلهم وأصحاب العمل يرفضونهم
وفي العام 2012 انتقل المركز التابع لمنظمة لايفجيت إلى مبنى أكبر متعدد الطوابق، حيث تستوعب روضة الأطفال التابعة له 35 طفلا بينما تقدم مدرسته التعليم لخمسين تلميذا.

ومن المقرر أن يتضاعف عدد التلاميذ عندما يتم افتتاح جناح جديد بالمبنى في وقت لاحق من العام الحالي، ويوجد حاليا عشرة فصول (بكل فصل معلمان) يتلقى فيها التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و16 عاما الدروس في مجموعات صغيرة.

ويقول شونكيرت إن خزانة الدولة في الأراضي الفلسطينية “لا تقدم شيئا من الناحية الواقعية” لأصحاب الاحتياجات الخاصة، علما وأن حالات الإعاقة شائعة خاصة في المجتمع الفلسطيني.

ويضيف شونكيرت “هناك الكثير من الأطفال من ذوي الإعاقة منذ مولدهم”. ويرجع السبب في ذلك على حد قوله إلى زواج الأقارب، والذي غالبا ما يؤدي إلى مشكلات وراثية، موضحا أن المشكلة تتمثل في “احتفاظ المجتمع الفلسطيني بتقليد الزواج من داخل العائلة الأكثر اتساعا”.

وحاولت لايفجيت لسنوات إقناع الأمهات اللاتي يرتبن عادة مسألة زواج بناتهن، بأن يخترن شخصا آخر غير ابن العم أو الخال كزوج لبناتهن، غير أنه اتضح أن هذه المحاولات تظل بمثابة معركة ضد تقليد متوارث ومتعارف عليه منذ قرون. واعتاد الفلسطينيون على أن يتزوجوا من بين أفراد عشيرتهم لكي تستفيد عائلاتهم الأوسع من روابط أكثر قوة ومن عدد أكبر من الأطفال.

ويرى شونكيرت أنه “كلما كانت الزيجات من الأقارب المباشرين، كلما زاد احتمال إنجاب أطفال معاقين”. وبسبب هذه المشكلة المستمرة أصبحت علل صحية كثيرة أكثر انتشارا مثل الصمم وشلل الحبل الشوكي. ولم تنجح كثيرا الجهود الرامية إلى توعية الناس صحيّا قبل الزواج أو حدوث الحمل.

وبعد تشخيص المرض يصبح لدى لايفجيت مجموعة واسعة من البدائل العلاجية للأطفال والمراهقين، ابتداء من العلاج الطبيعي وعلاج التخاطب والعلاج بالموسيقى إلى التطبيب بالماء بل حتى العلاج بأسلوب يعرف باسم “سنويزيلين”، وهو عبارة عن طريقة متبعة في هولندا تتمثل في تعريض المريض، خاصة المصاب بالتوحد، إلى مناظر متعددة متداخلة داخل غرفة خاصة تحفز الحواس لديه.

ويصطحب المعالجون الأطفال إلى خارج الفصل الدراسي لممارسة أنشطة مع كل منهم بمفرده. ويوضح شونكيرت أن “كل طفل يحتاج لرعاية خاصة به منفردا”. وتقوم لايفجيت أيضا بتصنيع المقاعد المتحركة وفقا لاحتياجات الأطفال وخصوصا الصغار في السن.

ويوجد نحو 40 من صغار السن في ورشة مقسمة وفقا لنوع الإعاقة، يتلقون فيها التدريب المهني في 12 حرفة يدوية، كالعمل على آلات الحياكة والتريكو وفي مجالات النجارة والطهي وغيرها من الأعمال الأخرى.

وفي هذا الصدد يقول شونكيرت “الهدف من ذلك هو إعدادهم ليتمكنوا من العثور على عمل في ما بعد في السوق الحرة، وربما استطاعوا افتتاح ورش صغيرة خاصة بهم”. وتعاني الأراضي الفلسطينية من مشكلة ارتفاع معدل البطالة. ويضيف شونكيرت في صوت ينم عن حزن “بالطبع لن يبحث أحد عن أشخاص من ذوي الإعاقة ليشغلهم”.

20