هل 15 مليار دولار من قطر تكفي تركيا

قطر الحليف الإقليمي الأقرب لتركيا تتعهد باستثمارات قيمتها 15 مليار دولار من أجل المساعدة في تحقيق الاستقرار للاقتصاد التركي خلال الأزمة الحالية مع الولايات المتحدة.
الجمعة 2018/08/31
شريكان في إثارة الأزمات

أنقرة – تعهدت قطر الحليف الإقليمي الأقرب لتركيا باستثمارات قيمتها 15 مليار دولار، منها ثلاثة مليارات دولار لمبادلات العملة، وذلك من أجل المساعدة في تحقيق الاستقرار للاقتصاد التركي خلال الأزمة الحالية مع الولايات المتحدة. لكن، وفقا لما يقوله محللون، قد لا تصل السيولة النقدية كلها دفعة واحدة، وسيكون لها أثر محدود وحدها في الوقت الذي تهبط فيه الليرة التركية وتلوح في الأفق بوادر أزمة محتملة.

وبينما أخذ المستثمرون تعهد قطر في البداية على أنه إشارة إيجابية، وهو ما قاد إلى ارتفاع حذر في سعر الليرة التركية خلال موجة صعود قصيرة، قال الكثير من المحللين إن الأموال لن تحدث فارقا كبيرا بسبب حجم المتطلبات التمويلية لتركيا وهشاشة اقتصادها. وخسرت الليرة نحو 40 بالمئة من قيمتها هذا العام وقفز التضخم إلى نحو 16 بالمئة.

 

يشكك خبراء اقتصاديون في السياسات التي تتبعها الحكومة التركية لتجاوز الأزمة الاقتصادية الراهنة، ومنها تلقي الدعم من جهات خارجية مثل قطر، التي تواجه بدورها أزمة اقتصادية مع استمرار مقاطعة الدول الإقليمية لها، وتوسع دائرة المعارضين لها في مراكز صناعة القرار الأميركي. تلتقي أنقرة والدوحة ضمن ما بات يطلق عليه اسم محور المعاقبين، يضم أيضا إيران، وتسعيا إلى استثمار هذه الأزمة لصالحهما إلا أن الأرقام والإحصائيات الاقتصادية تؤكد أن الأموال القطرية لن تحدث فارقا كبيرا بسبب حجم المتطلبات التمويلية لتركيا وهشاشة اقتصادها، كما تشي الأوضاع المحيطة بأن الدوحة قد تجد نفسها على مفترق طرق، إما تركيا أو الولايات المتحدة.

يظهر ما تبع ذلك من فشل تركيا في الحصول على أموال من دول خليجية أخرى وأوروبا، بسبب علاقاتها الدبلوماسية المتوترة، كيف أن الرئيس رجب طيب أردوغان قد يكون هدم جسورا كانت تربطه بحلفاء لهم قيمة ربما كانت ستظهر في مثل هذا الموقف. فالمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال قدمتا المليارات من الدولارات للبنكين المركزيين المصري والأردني كمساعدة خلال المشاكل الاقتصادية التي واجهها البلدان في الآونة الأخيرة، وهو ما ساعد في دعم أوضاعهما المالية.

وقالت نسرين ناس، وهي أكاديمية وزعيمة سابقة لحزب الوطن الأم الذي ينتمي إلى يمين الوسط، إن “العلاقات السياسية ليست جيدة مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر.. إذا لم يقرر أردوغان أن يبدأ من جديد في كل شيء، وأن يدخل في سلام مع الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط، وأن يكف عن التدخل في العملية الاقتصادية اليومية، فلن يكون بوسع تركيا الحصول على أموال جديدة”.

مأزق للطرفين

مع ارتفاع الاستثمارات القطرية في تركيا إلى أكثر من 20 مليار دولار في السنوات الأخيرة، صارت تركيا واحدة من أكبر الدول المصدرة للإمارة الخليجية، حيث تفوز شركات البناء التركية بعقود مغرية لإقامة البنى التحتية في قطر.

لكن ما الذي يعنيه التعهد القطري من الناحية العملية؟ على سبيل المثال، هل يشمل رقم الخمسة عشر مليار دولار الثلاثة مليارات المخصصة لمبادلة العملة، والتي ستدفعها تركيا في النهاية بالليرة؟ ومتى ستصل المبالغ بالضبط؟ وفي أي صورة؟

كتبت فارشا كودوفايور وآيكان أردمير من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في مجلة ذا أميركان إنترست يقولان إنه على الرغم من العلاقات الوثيقة بين البلدين، ربما تكون المخاوف بشأن امتداد الأثر إلى القطاع المصرفي القطري، فضلا عن العوامل الجيوسياسية، قد دفعت الدوحة إلى التعهد بالمساعدة.

وقالا إن عدم وضوح الحزمة المالية في ظل الكشف عن القليل فقط من التفاصيل يجعل خيارات قطر أيضا مفتوحة في ما يتعلق بالتوقيت والحجم؛ فنحو 15 بالمئة من أصول بنك قطر الوطني وقروضه مربوطة في تركيا.

ومن غير الواضح كم هو حجم الأموال القطرية التي ستأتي في صورة استثمار مباشر طويل الأجل إلى جانب المساعدات المالية قصيرة الأجل، والتي تعد أكثر أهمية. وقد تأخذ الدوحة ما يكفيها من الوقت لتقسيم هذه الأموال، بل وربما حتى الاستفادة من انخفاض السعر حال وصول الشركات والأصول التركية إلى مستوى قاع.

في النهاية، ضربت قطر عصفورين بحجر واحد؛ فهي تبدو تساعد في إنقاذ أنقرة في يوم تشهد فيه الأسواق التركية تقلبا، بينما هي في الوقت ذاته تتخذ لنفسها موقعا يجعلها تستطيع أن تقطف منه ثمار ما يمكن أن تقدمه في الأشهر القادمة من دون أن تبدو كمن يستغل أزمة ليستفيد منها.

وفي واقع الأمر، قد تمثل السيولة النقدية فرصة للنخبة القطرية لتوسعة محافظها العقارية في منطقة البوسفور، أو للاستحواذ على شركات تركية قائمة أو تجريدها من بعض أصولها بأسعار زهيدة مع تهاوي قيمة الليرة.

إذا حدث هذا السيناريو، فلن تساعد الأموال في تحقيق الاستقرار للاقتصاد الذي ساقته حكومة أردوغان إلى عدم التوازن من خلال الحوافز المالية وأسعار الفائدة المنخفضة بشكل مصطنع. فضلا عن ذلك، قد يكون لتلك الأموال أثر سياسي مدمر للرئيس إذا فشلت الجهود وتفاقمت الأزمة.

وقال الخبير الاقتصادي التركي إمري ديليفيلي إن الأموال القطرية يجب أن يصاحبها التزام صادق باتباع نهج اقتصادي محافظ. ويعارض أردوغان رفع أسعار الفائدة؛ كما أن صهره براءت البيرق، المسؤول عن وزارة الخزانة والمالية منذ يوليو، فشل في إقناع المستثمرين بالتزام الحكومة باتخاذ ما يلزم من خطوات مؤلمة.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هدم جسورا كانت تربطه بحلفاء لهم قيمة ربما كانت ستظهر في مثل هذا الموقف الصعب

وأردف ديليفيلي، قائلا “هناك سبيل لتركيا يتمثل في الطريقة التقليدية للخروج من أزمة عملة. يمكنك أن تتجه إلى رفع أسعار الفائدة من ناحية، وتهدئة المستثمرين من خلال التوجه إلى صندوق النقد الدولي من ناحية أخرى”.

وأضاف أن “الأموال القادمة من قطر، سواء كانت 15 أم 50 مليار دولار، لن تكون بديلا عن صندوق النقد الدولي، لأنها لن تقوم بمهمة طمأنة المستثمرين”.

الضغط على قطر

يتوقع علي بكير، وهو محلل سياسي وباحث في أنقرة، أن تحصل تركيا على الأموال في صورة اتفاقيات مبادلة، بالإضافة إلى بعض الاستثمارات المستهدفة في قطاعات بعينها في الأجل المتوسط. لكن، مازال هناك احتمال بأن تُعلّق قطر بعض التمويل إذا زاد الضغط الدبلوماسي من جانب الولايات المتحدة بشدة.

وقالت كودوفايور وأردمير إن “الدوحة عملت بدأب خلال السنة الأخيرة ونجحت تدريجيا في إيصال إدارة ترامب إلى موقف أكثر حيادية… وقد يكون من شأن قرارها بالوقوف صراحة إلى جانب أردوغان ضد الولايات المتحدة في مسألة تؤثر بشكل مباشر على رفاه المواطنين الأميركيين أن يضع الكثير من ذلك التقدم على المحك”.

ودعا كمال كليجدار أوغلو، الذي يرأس حزب الشعب الجمهوري، وهو حزب المعارضة الرئيسي في تركيا، الحكومة إلى توضيح ما إذا كانت الأموال القطرية قد تجعل بلاده خانعة أمام أمنيات الدوحة الجيوسياسية.

ووفقا لما يقوله تيم آش كبير محللي الأسواق الناشئة لدى بلو باي المتخصصة في إدارة الأصول في لندن، قد يكون من شأن فشل تركيا في الحصول على المزيد من المساعدات المالية الجوهرية من مصادر أخرى أن يجعل أمامها خيارات قليلة سوى حل أزمتها مع الولايات المتحدة، وربما اللجوء في نهاية المطاف إلى صندوق النقد الدولي طلبا للمساعدة، وهي خطوة ستستلزم دعما لها من جانب الولايات المتحدة.

 وقال آش “بعيدا عن الدعم القطري البالغة قيمته 15 مليار دولار، لا توجد حزمة مالية لدعم تركيا من الحجم الذي تحتاجه البلاد، اللهم إلا إذا كان أردوغان مستعدا للجوء إلى صندوق النقد الدولي، وهو ما يعني أيضا أنه سيكون مستعدا للسعي للوصول إلى حلول وسط مع الولايات المتحدة على الصعيد الجيوسياسي”.

7