همسات خلف كواليس اليسار

الاثنين 2014/12/08

هناك مقولة سياسية تقول، إذا لم تكن يساريا في سنوات العشرين فهذا يعني أنك بلا قلب. لا أعرف إلى أي حد تنطبق هذه المقولة على مجتمعاتنا الإسلامية في هذه الأيام، حيث يهدر الشاب زهرة شبابه في شيخوخة عقائدية مبكرة، وإذا لم يتوفاه الله في منتصف العمر فقد ينهي حياته بمراهقة متأخرة. هذا حال الكثيرين. والآن، هل بوسعي أن أتكلم عن نفسي؟ يا للمفارقة، على مدى ربع قرن تقريبا، منذ المرحلة الطلابية تحديدا، كنت يسارياً بكل معنى الكلمة، كنت يساريا في السرّاء والضرّاء والمنشط والمكره، أشارك الكثيرين نفس الشعار الرنّان: الثبات على الموقف. كنا نظنّ بأنّ الثبات واجب أخلاقي والتزام عقلاني. وبلا لبس فقد كنا نمثل الوجه الآخر للتحجّر الكهنوتي. هل نسينا درس هيراقليطس: الحياة نهر جارف؟ هل نسينا درس نيتشه: الصيرورة؟ ليس هذا فقط.

عن نفسي أتحدث الآن، كنت يساريا، ربّما بالفطرة أو بالتنشئة أو بقوة الأشياء، لا أدري. لكن، على مدى السنوات الماضية تغيّرت مواقفي جذريا من كل القضايا تقريبا، وهذا أمر طبيعي، فالإنسان لا يسبح في النهر الواحد مرتين، كما قال هيراقليطس، لكن المذهل أني لا أزال يساريا حتى اليوم، أسبح- بمهارة أقل- في النهر الذي يحمل نفس الاسم، اليسار. هل يتسع هذا النهر لأكثر المواقف تضاربا؟ حتى يكون اعترافي كاملا أود أن أضيف، في واقع الحال يصعب علينا أن نحدد ما الذي يجمع يساريا سوريا يعتبر حسن نصر الله حليفا في المعركة ضدّ الامبريالية الأميركية، بيساري سوري يعتبر أيمن الظواهري حليفا- ولو مؤقتا- في المعركة ضدّ فاشية نظام الأسد؟

ما الذي يجمع يساريا فرنسيا يعتبر إعلان الجهاد وارتداء النقاب وإقامة الصلوات في الشوارع الباريسية تعبيرا سيئا- لكنه تعبير- عن الصراع الطبقي الذي تخوضه الضواحي والمهاجرون والمهاجرون السريون، بيساري فرنسي يعتبر أن تلك العلامات تقتل الوعي الطبقي نفسه وتستبدله بالوعي الطائفي؟

ما الذي يجمع يساري أميركي يؤمن بكونية معايير العدالة، بيساري أميركي يعتبر- وبدعوى مناهضة النزعة الاستعمارية- أن لكل شعب الحق في معايير خاصة للعدالة؟

شيء واحد مؤكد، أو شبه مؤكد، اليسار حالة فريدة من نوعها تصدق عليه مقولة “للناس في ما يعشقون مذاهب”. البيئيون يسار، مناهضو الحروب يسار، اليسار النتشوي يسار، اليسار الفرويدي يسار، اليسار الإسرائيلي يسار، اليسار الفلسطيني يسار، لاهوت التحرير يسار، القرآنيون قد نعتبرهم يسار، إلخ. الوجه الأعمق للمفارقة يكمن أيضا في ذلك النّوع اليساري الذي كنت أمثله أو أتمثله، ولا يزال شائعا في أوساط قدماء المناضلين لا لِعلّة أخرى سوى العمى الأيديولوجي أحيانا، إنه ذلك اليسار الذي كان، ولا يزال، يعتبر تحرير العقل من الخرافة مجرّد ترف فكري أو مسألة ثانوية مقارنة مع قضية الصراع الطبقي ومعركة تغيير الواقع الاجتماعي للناس. شيء آخر، كنت يساريا ضمن الحالة الفكرية القصوى، خليطا من “العالمثالثية” و”ما بعد الكولونيالية” و”نقد الاستشراق” ومناهضة الرأسمالية، والتي قد تبلغ أحيانا درجة رفض الحضارة نفسها. ولأنّ الشّيء إذا فاق حدّه انقلب إلى ضده، سرعان ما وقعنا في أتون الوعي الزائف بل الأكثر زيفا. لم تكن المعركة ضدّ الخرافة تُمثل أي أولوية نضالية طالما أنّ الوعي في كل أحواله مجرّد انعكاس لواقع الناس كما تقول “الأيديولوجية العلمية”! -وهذه العبارة العجيبة كانت ضمن مقولاتنا- بهذا النحو كان بالإمكان التعايش مع الكثير من أشكال الوعي الزّائف- واستثمارها أحيانا- في أفق الثورة الشعبية وزوال الصراع الطبقي أولا وأخيرا.

هي السّقطة الأخيرة لعلي شريعتي وروجيه غارودي، وآخرين توقفوا في منتصف السقوط بحثا عن أفق ثوري جديد. إنه الأفق الباقي أمام الذين نفوا اعتبار الصدق المعرفي واجبا أخلاقيا، والذين أجازوا توظيف الأوهام لأجل الغاية “السامية”. لكن هل هناك فعلا من غاية “سامية” أم أن الغايات هي على الأرجح ثمار توافقات متواصلة؟ ثم، ألا تقتضي القدرة على التوافق قدرا من الصدق؟ لاشكّ أنّ التسامح مع بعض أشكال الوعي الزائف باعتبارها مجرّد انعكاس للواقع المادي وربما يمكن توظيفها لغاية التغيير، هو المنزلق الذي أودى بكثير من رفاقنا القدامى إلى أتون أدلجة الدين. ونحن هنا لا نحاسب النوايا، فقد كانت نوايا الكثيرين حسنة، كان رأيهم أن الدين الذي يوظف لأجل استغفال الوعي واستحمار الشعوب، يمكن توظيفه في الاتجاه المعاكس قصد تثوير الوعي واستنهاض الشعوب. مقولة “الدين سيف ذو حدين”.

كثير من اليساريين بلغوا مبلغا من السّخط أصبحوا فيه جاهزين لاعتبار، ليس فقط حماس وحزب الله وإنّما أيضا، طالبان والقاعدة مجرّد ضحايا لنظام غير عادل، بل وحتى باستحضار وعيهم الزّائف فإنّهم حلفاء- ولو مؤقتا- في معركة تغيير العالم. لكن ماذا عن نساء طالبان مثلا؟ هل يكفي القول إنهن ضحايا لضحايا، حيث الجلاد الأصلي يبقى هو نفسه في كل الأحوال، الرأسمالية العالمية. وياللغباء، هل قدمت أي من تلك الحركات الدينية أو غيرها نموذجا ولو أوليا لاقتصاد يناقض الرّأسمالية العالمية؟ هنا كانت سقطة فيلسوف يساري كبير من حجم بودريار. هل قرأتم ما كتبه عن 11 سبتمبر؟ خلاصة تحليله تجعلنا نظنّ بأنّ ابن تيمية ليس مذنبا، والمودودي ليس مذنبا، وسيد قطب ليس مذنبا، وابن لادن نفسه ليس مذنبا، وكل ما في الأمر أن الرّأسمالية هي التي تفجر نفسها بنفسها! ماذا بقي لكي نقول إن بن لادن حليف استراتيجي ولو من باب التشويش الذي يزعج خطط الأعداء؟ لنكن واضحين، هناك أيضا يسار ظلامي يتسامح مع التطرف الديني على أساس ثلاثة اعتبارات:

أولا، العنف الجهادي ليس عنفا أصليا، لكنه مجرّد رد فعل ضدّ عنف أصلي هو عنف النظام الرأسمالي، إنه مجرّد عرض لداء أصلي هو داء الرأسمالية.

ثانيا، الوعي الزائف الذي يعبر عنه الخطاب الأصولي المتطرف ليس مشكلة جوهرية، إذ لا يمكن إصلاح الوعي بالوعي، إنما المشكلة الجوهرية تكمن في الواقع الاجتماعي، وهو المسؤول عن إنتاج الوعي الزائف.

ثالثا، كل المشاكل ستزول بزوال الرأسمالية ونهاية الصراع الطبقي.

والآن، هل تعرفون الصحفي اليساري الفرنسي، ثييري ميسان؟ إنه لا يزال يثير إعجاب بعض المغفلين دون أن ينتبهوا إلى مفارقاته، فالرجل يدافع عن حقوق المثليين ويدافع في نفس الوقت على نظام إيران الذي يضطهد المثليين. هل تعرفون الناشط اليساري البريطاني جورج غلاوي؟ يناصر بجنون حماس وحزب الله وإيران ويعتبر بشار الأسد آخر معاقل الكرامة العربية (هكذا!)، وفي الأخير لا يهمه سوى شيء واحد، هجاء الامبريالية الغربية والتي لا ينسى أن يصفها أمام المحطات الإيرانية بالامبريالية الصليبية! آخرون كثيرون لم يكونوا بهذا القدر من الوضوح المذهل، لكن المنزلق هو نفسه.

لا يكترث هذا اليسار المغفل بمعضلة الإصلاح الديني، إذ يعتبرها مسألة ثانوية طالما أنّ الناس يأكلون قبل أن يفكرون (مقولة لا أذكر من قالها لكنه قالها)، ولذلك حين تتغيّر أحوالهم المعيشية نحو الأفضل يصبحون بالضرورة عقلانيين وإنسانيين. بماذا نصف هذه المقاربة؟ مقاربة طبقوية اقتصادوية ميكانيكية كلاسيكية ثورجية إلخ؟ قل عنها ما شئت، لكن لا تنس أن هناك معطى جديدا، ما بات يُعرف بـ”النسبية الثقافية”. ما معنى ذلك؟ معناه بكل بساطة وكما يشرح البعض أن معايير العدالة نسبية، وليس من العدل أن نطبق العدالة على مجتمع معين وفق معايير لا يعتبرها ذلك المجتمع عادلة. بمعنى أننا لا نستطيع أن نطبق على أي مجتمع سوى وجهة نظره هو في العدالة. هل سمعتهم بالعبارة التالية: إمبريالية حقوق الإنسان؟ عن نفسي فقد سمعت بها كثيرا أثناء الحرب على العراق. ومعناها أن فرض معايير كونية للعدالة والحقوق والقيم هو فعل استعماري مرفوض. الأمر هنا مخيف بالفعل، إذ في غياب معايير كونية هل يحق لنا أن نمنع قبائل آكلي البشر من أكل لحم البشر، طالما أنها تعتبر الأمر عادلا، منصفا، لا يسبب أي أزمة ضمير، وفوق ذلك فهو يناسب ذوقها!

إغفال الإصلاح الديني، تهميش معركة الوعي، التوجس من كونية معايير العدالة، إهمال دور الصدق المعرفي في بناء حياة سياسية سليمة، التعامل مع العنف الديني بمنطق التبرير، كل ذلك خلق يسارا لم يجد ما يفعله سوى أن يفرش البساط الأحمر تحت أقدام التطرّف الديني. وعندما كان الوحش ينبعث من ظلمات اللاوعي الجمعي ليبتلع الجميع، كان هذا اليسار مأسورا بأسرار الصراع الطبقي، ظانا بأنّ نصوص ابن حنبل وابن تيمية والمودودي وقطب وجميع أساطير الأولين، لن تصمد طويلا إذا انهارت الرأسمالية وزال الصراع الطبقي.

الآن، هناك اعتراف أخير، هذه المرّة أيضا، وفي غمرة الحماس الثورجي الذي أسر الجميع، نسيَ الجميع أهمّ الدّروس: ليس بالإمكان تغيير ما في الأعيان دون تغيير ما في الأذهان.


كاتب مغربي

8