هموم الصغار سببها مشاكل الكبار

أبحاث علمية تدعو إلى مساعدة الأطفال الفقراء ودعمهم ماديا ونفسيا لتقليل تعرضهم لمشاكل في الصحة العقلية يصعب الشفاء منها على المدى الطويل.
الثلاثاء 2015/08/04
البيئة الأسرية والاجتماعية تبني وتهدم مستقبل الطفل

أرجع خبراء الأسرة الانتحار في صفوف الصغار إلى كثرة المشاكل التي بات يعاني من وزرها الأطفال في المجتمعات الحديثة. وأشاروا إلى أن كثرة الضغوط النفسية على الطفل تجعله يفكر في عقاب نفسه بطرق عنيفة تصل إلى حد الانتحار.

ونبهوا إلى أن الأطفال بحاجة إلى من يلجؤون إليه عند الشدائد وأثناء المحن التي يمرون بها قبل أن يعبروا الخط الأحمر وينزلوا عقابا بأنفسهم قد لا تحمد عقباه.

وأكدوا أن الأطفال يتأثرون كما الكبار بالأحداث التي تحيط بهم، وبالعقوبات التي يتعرضون لها والمشاكل التي تحدث بين الأبوين، ومن المحتمل أن يوجهوا غضبهم نحو أنفسهم بمحاولة إيذائها.

وفي هذا الصدد دعا بيتر ويلسون، مدير جمعية الصحة العقلية للأطفال بالمملكة المتحدة، الآباء إلى ضرورة تفهم عمق تأثير المشاكل العائلية على أبنائهم. وأوضح “دائما نتصور أن الأطفال قادرون على تحمل المصاعب، لكنهم يتحملون لأنهم لا يمتلكون خيارا سوى التحمل غير أن هؤلاء الأطفال الذين يقدمون على الانتحار أو إيذاء أنفسهم إنما يقولون للآخرين إنه من الصعب عليهم أن يواصلوا الحياة مع الصعوبات التي يواجهونها”.

وأشارت أبحاث دولية إلى تزايد السلوكيات العنيفة في صفوف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 5‏ و‏14‏ عاما، فيما تضاعف خطر التفكير في الانتحار في صفوف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سن 12 و13 عاما، بواقع خمس مرات.

وكشفت الإحصائيات أن 75 بالمئة من الأطفال البريطانيين دون العاشرة من العمر قد لجأوا إلى إيذاء أنفسهم جسديا، فيما يعاني واحد من بين كل خمسة أطفال في أوروبا من القلق ومن مشاكل نفسية بالجملة، ويقدم واحد من كل عشرة على الانتحار بسبب تراكم الضغوط عليه.

75 بالمئة من الأطفال البريطانيين دون العاشرة من العمر لجأوا لإيذاء أنفسهم

أما في البلدان العربية فعلى الرغم من غياب إحصائيات دقيقة وأبحاث علمية حول حجم الظاهرة، إلا أن وسائل الإعلام تعلن من حين إلى آخر عن حوادث انتحار في صفوف الأطفال، وترجعها في الغالب إلى عوامل اجتماعية ونفسية واقتصادية.

وربط علماء الاجتماع الظاهرة بالفقر وانعدام الأمن النفسي وغياب فرص الترفيه في بعض المجتمعات، فيما أرجع علماء النفس ذلك إلى المشاكل الأسرية التي من شأنها أن تجعل الأطفال أكثر عرضة للاكتئاب وعدم تقدير الذات مستقبلا.

ولفتت دراسة أميركية حديثة أجريت على 273 طفلا أن السلوكيات العنيفة التي يعبر بها الأطفال دون سن المدرسة عن غضبهم من الممكن أن تتسبب لهم في مشاكل نفسية واجتماعية في مرحلة البلوغ.

وأشارت إلى أن طفلا من بين كل 20 يعاني من مشاكل سلوكية، ونحو 50 بالمئة من هؤلاء الأطفال ولدوا لعائلات ذات دخل منخفض، ونحو 57 بالمئة منهم يعيشون مع أحد الأبوين، وحوالي النصف من هؤلاء الأطفال تعرضوا للعنف الجسدي أو الإهمال.

واعتبر الباحثون أن السلوك العدواني لدى الأطفال علامة إنذار ويستدعي عرضهم على مختصين من أجل حمايتهم من العنف الذي قد يتطور إلى مشاكل نفسية واجتماعية على المدى الطويل.

كما وجدت دراسة أخرى نشرت في مجلة “جاما بيدياتركس التي تعنى بطب الأطفال، أن أكثر الأطفال قلقا من الناحية العاطفية هم الذين نشأوا في دول تعاني من الصراعات والحروب والفقر، مؤكدة أن النشأة في بيئة فقيرة تنطوي على آثار ضارة بالدماغ.

11 مليون شخص في الدول العربية يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم

وكتبت جوان لوبي أستاذة الطب النفسي بجامعة واشنطن مقالا مصاحبا للدراسة قالت فيه إن “التدخل المبكر في مرحلة الطفولة لدعم بيئة غذائية لهؤلاء الأطفال لابد أن يصبح الآن على رأس أولويتنا فيما يتعلق بالصحة العامة من أجل صالح الجميع.

ومن خلال متابعتها لأطفال يعيشون حياة تتسم بالفقر، تمكنت لوبي وزملاؤها من تحديد التغييرات في تركيبة الدماغ، والتي يمكن أن تؤدي إلى مشاكل تستمر مدى الحياة، وتتمثل في الإصابة بالاكتئاب وصعوبات في التعلم ومحدودية القدرة على التغلب على التوتر. وأوضحت بناء على هذا البحث قائلة “أصبحت لدينا خارطة طريق فريدة من نوعها تكفل الحفاظ والدعم لأهم إرث في مجتمعنا ألا وهو الدماغ النامي”.

والأمر الذي يبعث على القلق ـ في البلدان العربية تحديدا- هو أن 11 مليون شخص يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم، وهو ما يمكن أن يكون له نتائج سلبية طويلة الأمد على تطور أدمغة الأطفال وصحتهم الوجدانية وتحصيلهم الدراسي.

ودقت الأبحاث الأخيرة ناقوس الخطر حول حاجة الأطفال الفقراء للإحاطة النفسية والاجتماعية قبل فوات الأوان، داعية إلى العمل على مساعدتهم ودعمهم نفسيا وماديا لتقليل تعرضهم إلى مشاكل في الصحة العقلية.
21