هموم وشجون وصنائع في البحث عن الفيلم الضائع

دور السينما لم تعد مجهزة بآلات عرض مناسبة للأفلام الصامتة بعد دخول الصوت، واليونسكو حذرت من أن العالم يشهد اختفاء فيلم قديم كل دقيقة تقريبا.
الأربعاء 2019/08/28
فيلم "المومياء" المصري أنقذته مؤسسة سكورسيزي من التلف

من أخطر المشاكل التي قابلت الأفلام الصامتة أنه مع ظهور الفيلم الناطق تم التخلّص من آلاف الشرائط القصيرة والطويلة الصامتة اعتقادا من أصحابها بأن الجمهور لن يشاهدها، كما أن دور السينما لم تعد مجهزة بآلات عرض مناسبة لها بعد دخول الصوت.

من التحذيرات التي نشرتها اليونسكو في تسعينات القرن الماضي أنه مع كل فيلم جديد يولد يختفي ألف فيلم قديم، وأن العالم يشهد اختفاء فيلم قديم كل دقيقة تقريبا.

والمقصود تحلّل النسخ السلبية القديمة المصوّرة حسب الأنظمة الكيميائية التقليدية قبل الانتقال إلى الشرائط الأكثر أمانا وقبل ظهور عصر التقنية الرقمية الحالية، أو قيام أصحاب الأفلام بالتخلص من نسخها الأصلية بالحرق والتدمير، لاعتقادهم بأن لا قيمة لها وأنهم يستطيعون إنتاج أفلام أهم.

أفلام مفقودة

من المعلومات المزعجة ما نشرته مؤسسة مارتن سكورسيزي لإنقاذ الأفلام التي قالت إن نصف الأفلام الأميركية المنتجة قبل عام 1950 (أي قبل الانتقال من الأفلام التي تصوّر على شرائط مصنوعة كانت تدخل في صنعها مادة نترات الفضة القابلة للاشتعال وذات العمر الافتراضي القصير) وأكثر من 90 في المئة من الأفلام المنتجة قبل العام 1929 قد اختفت من الوجود.

وقدر الأرشيف السينمائي الألماني أن ما بين 80 إلى 90 في المئة من الأفلام الصامتة قد اختفت، وتتضن القائمة التي أعدها الأرشيف نحو 3500 فيلم مفقود.

أفلام ما قبل 1950 لم تتعرّض فقط للحرائق والإهمال في الحفظ بل كان السبب الرئيسي في اختفائها هو عدم إيمان شركات الإنتاج بأهمية حفظها والاحتفاظ بها لقيمتها التاريخية، فقد كانت القيمة التجارية أهم من التاريخ، وبالتالي تم تدمير آلاف الأفلام التي رأى صناعها أنها لن تدر عليهم أرباحا وأن الإنفاق على حفظها يحملهم عبئا ماليا دون مردود.

وكان هناك دون أدنى شك، تفكير مماثل لدى أصحاب شركات الإنتاج السينمائي في مصر، فقد فضل الكثيرون منهم بيع النسخ السلبية “النيغاتيف” للأجانب أو لبعض شركات التلفزيون التي تخصّص قنوات تعرض الأفلام، وضاع بالتالي قسم كبير من الأفلام المصرية.

فقد تقاعست الدولة التي رفعت أيديها تماما عن السينما، ورفضت بالتالي تحمّل مسؤولية شراء مئات الأفلام من أصحابها، مفضلة ترك المشكلة لأصحابها يتصرّفون فيها كما يحلو لهم بدعوى أن السينما أصبحت تخضع مثل أشياء أخرى كثيرة في مصر، لمنطق السوق. كما لو أن قيمة الفيلم قد اختصرت في الناحية المادية فقط، مع تجاهل قيمته الثقافية والتاريخية.

وزعم البعض أن شركات التلفزيون (غير المصرية) التي اشترت النسخ السلبية من الأفلام المصرية قامت بترميمها وتحويلها إلى نسخ رقمية بعد أن أنفقت عليها أموالا طائلة لا تمتلكها أصلا وزارة الثقافة المصرية، وأن اللوم يجب أن يقع بالتالي على من تقاعس عن إنفاق المال والشراء والاحتفاظ بالنسخ الأصلية داخل مصر، وليس على من تقدم واشترى وأنفق المال على الترميم والإنقاذ. وهي زاوية أخرى للنظر إلى الأمر.

الأرشيف السينمائي الألماني قدّر أن ما بين 80 إلى 90 في المئة من الأفلام الصامتة قد اختفت، أي فقدان نحو 3500 فيلم

في عام 2002 عندما كنت رئيسا لجمعية نقاد السينما المصريين تصديت لقيادة حملة إعلامية لإنقاذ تراث السينما المصرية. نشرنا سلسلة مقالات ودراسات في مجلة “السينما الجديدة” التي ترأست تحريرها وكانت تصدر شهريا عن الجمعية، ونظمنا ندوة في المجلس الأعلى للثقافة حضرها عدد كبير من السينمائيين والمثقفين والنقاد، وكان يجلس إلى جواري على منصة الحوار كمتحدثين رئيسيين: سمير غريب الرئيس السابق لما يسمى صندوق التنمية الثقافية الذي كانت له تجربة مباشرة في هذا المجال، والدكتور صلاح حسب النبي وكان وقتها رئيس شركة مصر للأستوديوهات والتوزيع التي تمتلك التراث السينمائي من الأفلام التي أنتجت في عصر مؤسسة السينما الحكومية، وكانت الشركة وربما ما زالت، تتبع وزارة الاستثمار التي تولّت الإشراف على تركة القطاع العام في السينما من الأستوديوهات والمعامل وأرشيف الأفلام المنتجة من قبل “مؤسسة السينما”.

كنا قد عرضنا في البداية فيلما تسجيليا طويلا بعنوان “إنقاذ كلاسيكيات السينما المصرية” من إخراج الممثل المصري المقيم في هوليوود سيد بدرية. وكان الفيلم صادما فقد أظهر بالتصوير المباشر كيف تم إهمال حفظ الأفلام القديمة في أرشيف الدولة مع تغاضي الجميع وصمت المؤسسات الرسمية، بل وكيف طالب بعض المنتجين وقتها بحرق الأفلام القديمة!

نزيف مستمر

فيلم سيد بدرية قوبل في الصحافة المصرية وقتها بهجوم شديد وصل إلى حد القول إن بدرية كان لصا للمنازل في بورسعيد قبل أن يهاجر إلى أميركا ويعمل بالتمثيل.

ورفض رئيس المركز القومي للسينما وقتها إرسال فيلم “المومياء” لترميم نسخته السلبية وإنقاذ ألوانه، بدعوى أن الشركة الأميركية التي اقترحت القيام بهذه العملية يمكن أن تستولي على النسخة ولا تعيدها إلى مصر.

ولكن الحقيقة أن الشركة أرادت مقابل قيامها بالعملية، الحصول على حق تنظيم بعض العروض (غير التجارية) للفيلم وهو ما رفضه مخرج الفيلم شادي عبدالسلام، بينما الحقيقة أن عرض الأفلام المصرية (خاصة التي أنتجتها الدولة) عن طريق المركز القومي للسينما يتم في العالم كله من خلال أسابيع الأفلام والمهرجانات التي تشارك فيها مصر من دون أدنى اعتراض أو تحفظ. وكلها تصوّرات ساذجة قُمت بالرد عليها وتفنيدها في الصحف في ذلك الوقت. لكن الجدل استمر، وكان أساسه تبرير الفشل. وكفى!

المهم أن سمير غريب اعترف في الندوة التي أشرت إليها بأن فيلم سيد بدرية “يفضح الواقع المزري” وهو حقيقي. وقال إنه شخصيا كان صاحب مشروع لترميم الأفلام المصرية القديمة يعتمد على إنشاء معمل للترميم، وتكوين أشخاص قادرين على القيام بالعملية عن طريق إرسال بعثات للخارج، وضرورة عمل أكثر من نسخة سلبية من الفيلم على أن تحصل الدولة على نسخة منها تضمها إلى الأرشيف إجباريا.

إلاّ أن سمير غريب بعد أن سألته، لماذا لم ينفذ هذا المشروع وهو كان “في السلطة” وقتها؟ قال إن المشكلة الأولى تكمن في البشر، فالحلول معروفة لكن المشكلة أن الجميع فاقدون إرادة الحل على جميع المستويات في الدولة. وكان هذا اتهاما مباشرا لوزير الثقافة فاروق حسني.

وقال صلاح حسب النبي إنهم تمكنوا من استعادة نسخ 350 فيلما من “أفلام النترات” بالأبيض والأسود من فرنسا بالتعاون مع وزارة الثقافة الفرنسية كانت قد بيعت من قبل أصحابها. إلاّ أن الناقد العزيز الراحل سمير فريد رد قائلا إنه لم يسمع عن هذا الأمر من قبل، وإن كان قد حدث فهو يعتبره نوعا من “القرصنة” لأنه لا يوجد شيء اسمه مباع بل كانت هناك حقوق توزيع لمدد محددة انتهت، وقد صنعوا نسخا سلبية من النسخ الإيجابية وهو تصرّف غير قانوني تتحمّل مسؤوليته غرفة صناعة السينما في مصر التي تمثل المنتجين والموزعين.

في عصر لاحق تم ترميم “المومياء” عن طريق مؤسسة سكورسيزي دون أن تستولي المؤسسة على الفيلم، وتم وضع تخطيط كامل شامل لبناء أرشيف لحفظ الأفلام المصرية وصيانتها، وسافر كل من تعاقبوا على رئاسة المركز القومي للسينما منذ العام 2001 حتى عهد قريب جدا، إلى فرنسا بزعم توقيع اتفاقية مع فرنسا بهذا الشأن، والاتفاق والتنسيق وبحث التعاون وتوقيع العقد.. وكُنت شاهدا على بعض هذه التفاصيل عن قرب في العام 2012.

ولكن شيئا لم يحدث، فلم تتم إقامة “السينماتيك” المصرية رغم تخصيص مكان للبناء، ولم يتم إصدار قانون جامع مانع لتنظيم عملية حفظ الأفلام، وكلما أمكن، تبرّع الفرنسيون بنسخة من فيلم ما من الأفلام “المفقودة” كما لو كانوا يلفتون نظر السلطات المصرية المسؤولة إلى حقيقة تقاعسها عن القيام بمهمتها، ولكن الجميع سعداء بأنفسهم، وبرحلاتهم إلى باريس والاستمتاع بمشاهدة بعض الأفلام ولكن أساسا “التسوّق” وإنفاق “بدل السفر” في شراء “لوازم المدام” والذي منه. أما نزيف الأفلام المصرية القديمة فهو مستمر حتى إشعار آخر!

16