هناء العمير سعودية تحمل أغاني البجع من بلادها إلى العالم

الكاتبة والمخرجة السعودية تكشف قصة مشاركة فيلمها "أغنية البجعة" في مهرجان برلين، وتعترف أن التحديات التي تواجهها النساء العاملات في الحقل الفني “هي ذاتها التي تواجه الرجال.
الخميس 2019/02/28
الأجواء الثقافية في السعودية اليوم أكثر انفتاحا وقبولا

هل يمكننا اختيار معاركنا؟ سؤال يطرح نفسه على المرأة السعودية في هذه الآونة، خاصة وأن التغيير في المجتمع السعودي قد بدأ بالفعل، وقضايا كثيرة تُعتبر عادية وطبيعية في أماكن مختلفة من العالم، لكنها الآن تشق طريقها في السعودية لتكون حاضرة وبقوة، في مجالات عديدة وهامة وحساسة في الحياة العامة، يبدو أكثرها حرارة اليوم، العمل على الصورة. فهل ستكون المرأة السعودية مؤثرة في المجال الفني كما تطمح بعض السعوديات، وهن يطرحن المزيد من الأسئلة؟

خلال زيارتها في الأسابيع الماضية إلى العاصمة الألمانية للمشاركة بفيلمها “أغنية البجعة” في مهرجان برلين، تقول المخرجة السعودية هناء العمير لـ“العرب” إن “هناك نظرة غير إيجابية عن السيدات العاملات في المجال الفني. بالنسبة لي، أعتقد أن رسالتي هي أن أجعل هذا المجال قريبا من الفتيات السعوديات، دون أن يتهيبن منه، حتى تكون هناك فرصة لهن كي يدخلنه، وأتمنى أن أكون ملهمة لهن أكثر وأستطيع مساعدتهن أكثر”.

أبعد من حرية المرأة

إخراج سينمائي متميز تقدمه العمير للمسلسل التلفزيوني “بدون فلتر” الذي عرض في رمضان الماضي. يضاف إلى ما تحمله من قدرات كتابية وفنية.
إخراج سينمائي متميز تقدمه العمير للمسلسل التلفزيوني “بدون فلتر” الذي عرض في رمضان الماضي. يضاف إلى ما تحمله من قدرات كتابية وفنية.

الأجواء الثقافية في السعودية اليوم، حسبما تقول العمير "أكثر انفتاحا وقبولا، المساحة أصبحت أوسع بكثير عما كانت عليه في السابق، حتى أنه من الصعب المقارنة. فمع الانتعاش الفني الذي نعيشه الآن في السعودية والدعم الحكومي للثقافة والفنون بشكل عام، من قبل عدة مؤسسات ثقافية، نلحظ تزايد إقبال الفتيات السعوديات على العمل الفني في مجال الإخراج والإنتاج والكتابة وكافة الأقسام الفنية الأخرى، كالتصوير والمونتاج وتصميم المواقع. وأتوقع أن نرى أعدادا أكبر من الفتيات في مختلف المجالات الفنية الأخرى في المستقبل القريب”.

العمير التي تعمل في المجال الفني والثقافي منذ العام 2006، ترى أن أمر الانفتاح لا يقتصر الآن على السماح بما كان ممنوعا سابقا فقط، وإنما هناك المزيد من الدفع بالاتجاه الأفضل، فهناك منح دراسية للسعوديات والسعوديين للدراسة ليكونوا حاضرين مع ترحيب وتشجيع واحترام، وهذا لم يكن موجودا سابقا.

ما تشهده السعودية اليوم يبدو سعيا جادا لأن تكون الفنون السعودية متطورة، وأن تكون هناك أفلام سعودية تعبر فعلا عن السعوديين. أمرٌ كان بمثابة الحلم البعيد الذي كانت العمير ومثيلاتها يتمنين حدوثه، ولكنهن كنّ يرين أن المسافة بعيدة جيدا، لكن الآن هناك قفزات هائلة وبفترات قصيرة.

إيماءة أخيرة

فيلمها “بعيدا عن الكلام” يعد مغامرة حقيقية، فقد قامت بتصويره في منطقة القصيم، متحدية هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فيلمها “بعيدا عن الكلام” يعد مغامرة حقيقية، فقد قامت بتصويره في منطقة القصيم، متحدية هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

تقول العمير “حتى الشارع يمكنك ملاحظة الفارق فيه وأنت تمشين؛ قوانين التحرش، القيادة للمرأة أصبحت متاحة، تواجد السيدات في كل الأماكن. كان الفضاء العام موحشا، وبصفتي امرأة كنت أرى الرجال أينما كان، كنت أشعر أنني أقلية في المجتمع، وأحتاج دوما إلى أن أدافع عن وجودي. حتى في المسرح، هناك ممثلات على الخشبة، في كل يوم هناك أمر جديد يحدث في المجال الثقافي، في حين كانت التسعينات في السعودية كارثية على كل الأصعدة، كان الجو مقفلا تماما، أما الآن فأنا أشعر بالسعادة”.

شاركت العمير بفيلمها القصير “أغنية البجعة” الذي يُعرض للمرة الأولى في مهرجان السينما البرليني، وهو عبارة عن لقطة طويلة مدتها 18 دقيقة، ويمكن القول إنه مسرحية داخل فيلم.

 تقول العمير لـ“العرب” إن “الفكرة كانت موجودة في ذهني منذ مدة، كنت أرغب بتصوير حالة الممثل عندما يكون في حالة توهج على المسرح وحالة الموت خارج المسرح. واستطاع الممثل أسامة القس أن يقدم مساحات واسعة للشخصية والتي تشبهه بالواقع إلى حدّ بعيد”.

الحياة العامة في السعودية تبدو حسب وصف العمير مختلفة تماماً الآن، تقول لـ"العرب" عن ذلك "كان الفضاء العام موحشاً، وبصفتي امرأة كنت أرى الرجال أينما كان، كنت أشعر أنني أقلية في المجتمع، وأحتاج دوماً إلى أن أدافع عن وجودي. في كل يوم هناك أمر جديد يحدث في المجال الثقافي، في حين كانت التسعينيات كارثية على كل الأصعدة، كان الجو مقفلاً"

  "أغنية البجعة" هو تعبير مجازي يرمز إلى آخر عمل أو جهد أو إيماءة قبل الوفاة أو الرحيل. ويعود هذا التعبير إلى اعتقاد قديم مفاده أن البجع تقوم بالغناء قبل لحظات من وفاتها بعد أن تظلَّ صامتة طيلة حياتها. وفي ما بعد أصبحت “أغنية البجعة” مصطلحا يُشير إلى الظهور المسرحي أو الدرامي الأخير، أو أي عمل أو إنجاز أخير، حيث يعي الممثل أن هذا هو آخر عرض له في حياته، لذا يبذل كل ما في وسعه ليكون أفضل ما قدم.

يصور الفيلم ممثلا مسرحيا كما في مسرح تشيخوف، يتحدث عن نفسه ويتداعى في ذكرياته، لكن الممثل السعودي يأخذ جانبا آخر، بالتحدث عن حبيبته التي تركته لكونه ممثلا، والجمهور الذي يطلب منه نوعا آخر من الفن هو لا يستسيغه، يريده أن يكون مهرجا بطريقة مبتذلة. يقوم الممثل بأداء بعض المشاهد التي مثّلها سابقا على الخشبة مستعينا بالألبسة والأكسسوارات المتوفرة بالمكان ليضيء بوجوده الصالة الفارغة من الحضور والتصفيق.

في النهاية، يجد بطل الفيلم لنفسه حلا في الموت، لكن بشكل آخر، عندما يصبح آلة تكرر نفس المعلومات بشكل جاف، كمعلم رياضيات، بعيدا تماما عن حلمه، وما يحب أن يكون عليه.

عادة ما يظهر المسرح في السينما عن بعد، لكن في هذا الفيلم تقوم العمير بجعل المشاهد يعيش حالة الوجود داخل المسرحية، ليكون جزءا منها. وقد يختلط أحيانا الواقع والحالة الشعورية للممثل بالمسرحية، مما يشكل التباسا آنيا سرعان ما يتجلى في اللقطة الختامية المفاجئة.

 وتعترف العمير بأن الفيلم “يتحدث عن عالم الممثل الداخلي الذي يعيشه هذا الشخص والذي هو من الخارج شخص ميت، لكن بداخله كل تلك الشخصيات المكتومة. وهذا يمثلنا جميعا فالجميع لديه شخصيات متداخلة، متفاوتة في واقعنا لا نستطيع أن نعبر عنها نجدها بلا روح، هي موجودة في الداخل وتنتظر من يُخرجها في النهاية”.

بعيدا عن الكلام

إخراج سينمائي متميز تقدمه العمير للمسلسل التلفزيوني “بدون فلتر” الذي عرض في رمضان الماضي. يضاف إلى ما تحمله من قدرات كتابية وفنية.
“أغنية البجعة” فيلم العمير الجديد يُعرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي، وهو عبارة عن لقطة طويلة مدتها 18 دقيقة، ويمكن القول إنه مسرحية داخل فيلم.

العمير أيضا كاتبة حصلت على ماجستير في الترجمة من جامعة “هيروت وات” في اسكتلندا عام 1996، ولها العديد من التجارب المتميزة في الكتابة والإخراج بداية من فيلمها الوثائقي الأول “بعيدا عن الكلام” الذي شارك في عدة مهرجانات منها مهرجان الخليج 2009. قامت العمير بتصوير فيلمها الوثائقي في منطقة القصيم، بالرغم من مخاوفها من أن تتعرض لها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هناك حينها، خاصة وأن القصيم من أكثر المناطق تشددا في السعودية، لكنها نجحت في ذلك، وكان فيلم “بعيدا عن الكلام” الذي يتحدث عن لقاء بين نوعين من الموسيقى الفلكلورية؛ أرجنتينية وسعودية. لقد كانت العمير ترغب في اكتشاف هل يمكن للموسيقى أن تكون فعلا لغة جامعة بين موسيقيين لا يعرفون لغة بعضهم البعض؟

تقول العمير “كنت أرغب في أن أرى كيف يمكن للموسيقي أن يرى تراث وفلكور بلد آخر من خلال الموسيقى فقط، وكيف يكون شكل الحوار في ما بينهما”.

أخرجت العمير فيلما قصيرا آخر بعنوان “شكوى” يتحدث عن الفتاة السعودية عنود التي تعمل على “الكاونتر” وترغب في تقديم شكوى ضد زميلتها في العمل، لكن بعد أن تعود تلك الفتاة إلى البيت، نرى عالمها الداخلي، نرى والدها

العاجز الذي تقوم برعايته. لنكتشف أن لديها اشكالية مع هذا الأب، الذي كان قد تزوج في ما مضى من امرأة أخرى وترك المنزل، لكنه بعد أن أصبح عاجزا عاد إلى زوجته الأولى، والدة عنود، لترعاه. وهنا نرى الصراع الذي تعيشه بطلة الفيلم ما بين واجبها تجاه والدها وبين قدرتها على مسامحته وتخلصها من غضبها تجاهه كونه تركها وأمها، ورحل مسلّما عائلته للفقر والحاجة. وقد حصد هذا الفيلم جائزة “النخلة الذهبية” للأفلام الروائية السعودية، بعد أن استغرقت كتابته أياما قليلة، حسب وصف العمير، لكنه بقي سجينا لشهور قبل أن تختار الممثل إبراهيم الحساوي والممثلة زارا البلوشي لبطولته.

سعودية من دون فلتر

"شكوى"  فيلم قصير ضد تعدد الزوجات، يتحدث عن "عنود" التي ترغب في تقديم شكوى ضد زميلتها في العمل. لكن بعد أن تعود إلى البيت، نرى عالمها  الداخلي، ونرى والدها العاجز الذي تقوم برعايته، والذي كان قد هجر المنزل وتزوج، تاركاً أسرته للفقر
"شكوى"  فيلم قصير ضد تعدد الزوجات، يتحدث عن "عنود" التي ترغب في تقديم شكوى ضد زميلتها في العمل. لكن بعد أن تعود إلى البيت، نرى عالمها  الداخلي، ونرى والدها العاجز الذي تقوم برعايته، والذي كان قد هجر المنزل وتزوج، تاركاً أسرته للفقر

تشير العمير إلى أن التحديات التي تواجهها هي ومثيلاتها من النساء العاملات في الحقل الفني “تكاد تكون ذات التحديات التي تواجه الرجال، ألا وهي غياب الثقافة الفنية وعدم وجود كوادر فنية مؤهلة لاكتساب الخبرة منها أثناء العمل، ولذلك فإنتاج أعمال بمستوى فني عال هو تحد كبير في المرحلة الحالية”.

كثيرا ما تروي العمير كيف أن صالات السينما في بريطانيا سحرتها وجذبتها إلى هذا العالم الواسع، إضافة إلى تعلّقها بالمخرج الياباني أكيرا كيروساوا وتأثرها بالسينما الواقعية الإيطالية.

تترأس العمير العديد من ورش الكتابة وشاركت كعضو لجنة تحكيم في عدد من المهرجانات والمسابقات الفنية، منها مهرجان الفيلم السعودي ومسابقة ألوان للأفلام القصيرة، كما أنها حققت عملا مميزا في تجربة تلفزيونية هامة مؤخرا، من خلال الإخراج السينمائي الذي قدمته للمسلسل السعودي “دون فلتر” الذي عُرض في شهر رمضان الماضي، وتحضّر الآن لعملها التلفزيوني الجديد والذي سيعرض في الموسم القادم.

ووسط عدد يتزايد باستمرار من المخرجات والكاتبات السعوديات يبرز اسم العمير، مع هيفاء المنصور وهند الفهاد وهناء الفاسي وعهد كامل وريم البيات، ليعكس طاقات كانت حتى وقت محجوبة خلف الكثير من الجدران، لكنها اليوم لا تضيع الوقت وتقدم نتاجها على الساحة بقوة ودون تردد.

12