هناك، حيث تُحرق الكتب يؤول الأمر إلى حرق البشر

الدافع إلى حرق الكتب إما أيديولوجي أو سياسي أو ديني وإن اصطبغ أحيانا بصبغة طائفية ومذهبية.
الخميس 2021/04/29
حرق الكتب.. اعتراض ثقافي أم ديني أم سياسي

قوبلت الكتب منذ ظهورها بالريبة، لاسيما من طرف السلطتين السياسية والدينية، فكانت عرضة للمصادرة، أو التصنيف في قائمة المنشورات التي ينبغي وقاية الناس منها، أو إحراقها تماما، أو تصحيح ما جاء فيها في أحسن الأحوال، فقد وُجدت على مرّ العصور إرادة قوية لمراقبة النص المدوّن والتصدي للأفكار الخارجة عن الأنماط السائدة، وما زالت هذه الظاهرة تتجدد من حين إلى آخر وإن بأشكال أخرى، حتى في البلدان المتقدّمة.

حظيت الكتب على مرّ الأزمنة بالاحتفاء والتمجيد كآية من آيات الفكر والمعرفة، ولكنها شهدت أيضا أوقاتا عصيبة.

 ولئن احتفظت الذّاكرة بعمليات إحراق الكتب في ألمانيا تحت حكم النازيين، فإن التاريخ يشهد بأن العنف المسلَّط على الكتب والكتّاب ليس بالأمر الجديد، بل رافق الكِتاب حتّى قبل ظهور الطباعة.

اعتراض سياسي أو ديني

ممّا دوّنه فريديغير ملك القوط الغربيين أن روكاردير الأول، أوّل ملوك إسبانيا الكاثوليكية في نهاية القرن السادس، أمر بحرق كل الكتب والمخطوطات الآرية في مملكته.

وفي إسبانيا أيضا، تحت سلطة محاكم التفتيش، كان يقام حفل مشهود يبدأ بموكب مؤلّف من أعضاء الكنيسة والتائبين، يليه قُدّاس رسميّ في الساحة العامّة، ثمّ تجري محاكمة تشمل الجهر بالتوبة وإعلان الطاعة للسلطة التفتيشية قبل إصدار الأحكام بإحراق الكتب ومعاقبة أصحابها، وقد مارسوها بخاصة على الكتب والمخطوطات العربية بعد سقوط غرناطة، ثمّ نقلوا الأساليب نفسها في تعاملهم مع مخطوطات الأزتيك والمايا، بعد غزو شعوب أميركا الجنوبية.

التاريخ يشهد بأن العنف المسلَّط على الكتب والكتّاب ليس بالأمر الجديد

 كذلك شأن الممالك الإيطالية في فجر النهضة، حيث أقام الراهب جيروم سافونارول في فلورنسا أواخرَ القرن الخامس عشر “محرقة الأشياء المبتذلة” أي التي تعكس تمسك الأفراد بمتاع الدنيا، أتلِفت خلالها الكتب واللوحات الفنية والجواهر والحلل. ولم تسلم الثورة الفرنسية من تبديد الكتب، برغم شعاراتها المرفوعة عن حق الإنسان في التعبير عن نفسه بالوسيلة التي يراها، إذ رافق إحراقُ كتب النظام القديم تدميرَ الرموز الثقافية والسياسية السابقة، وخاصة رموز المنظومة الإقطاعية كالنبلاء ورجال الدين، فضلا عن المكتبات.

وعادة ما تكون عملية حرق الكتب تعبيرا عن اعتراض ثقافي أو ديني أو سياسي على الكتب نفسها أو على أصحابها، واعتبارهم منشقين أو هراطقة أو خطرا يهدد النظام القائم.

وليس الكِتاب كأداة مادية هو المستهدف في العادة، بل كحامل لمضمون مزعج، أو رمز لثقافة معينة، وقد يلاحق الكُتاب لأنهم يخالفون ثقافة السلطة كحال السوفييت مع الأدباء الذين انتقدوا الواقعية الاشتراكية.

 ولكن قد يكون بسبب انتماء ديني أو أيديولوجي، وهو ما أقدم عليه النازيون حين صادروا كتب مجموعة من الكتاب والمفكرين والفنانين لكونهم شيوعيين أو يهودا أو دعاة سلام أو من أنصار الحركة النسوية، أو لمجرد أن لهم رؤية فنية لا تروق لهتلر وأتباعه أمثال برتولد بريخت وألفريد دوبلين وزيغموند فرويد وفريدريش فيلهم فورستر وكورت توشولسكي وفرانز فيرفل وأرنولد زفايغ وستيفان زفايغ الذين اعتبروا جميعا من ممارسي “الفن المنحرف” حسب التعبير الذي ابتدعه النازيون.

 تلك المصادرة العنيفة ترامت أصداؤها في إسبانيا، حيث قامت الكتائب الفرنكية بعملية حرق مماثلة في جامعة مدريد في نهاية أربعينات القرن الماضي، وأتلفت كتب ماكسيم غوركي وسابينو أرانا وفرويد وماركس وحتى لامارتين وروسو وفولتير، وفي شيلي أيضا حيث عمد نظام بينوشي إلى إتلاف كتب نيرودا وماركيز وسواهما.

وليس العرب والمسلمون قديما وحديثا بمنأى عن هذه الظاهرة، ولعل أهمّ المكتبات التي استهدفت في الشرق الأوسط المكتبة السورية التي أحرقها الصليبيون في القرن العاشر الميلادي، وبيت الحكمة التي دمّرها المغول في منتصف القرن الثالث عشر إلى جانب عدد آخر من المكتبات، وألقوا بجميع محتوياتها في نهر دجلة.

أما في الغرب الإسلامي فقد جدّت في الأندلس سلسلة من الحرائق استهلّها عبدالرحمن الناصر بإحراق كتب ابن مسرّة، ثم تواصلت بإحراق كتب الإمام ابن حزم في عهد المعتضد بن عبّاد، وكتب الغزالي في عهد أمير دولة المرابطين علي بن يوسف بن تاشفين، وكتب ابن رشد في عهد المنصور الموحّدي، قبل أن تأخذ عنهم محاكم التفتيش “المشعل” بشكل طقوسي كما أسلفنا.

مفارقة المصادرة

ليس الكِتاب كأداة مادية هو المستهدف في العادة، بل كحامل لمضمون مزعج، أو رمز لثقافة معينة
ليس الكِتاب كأداة مادية هو المستهدف في العادة، بل كحامل لمضمون مزعج، أو رمز لثقافة معينة

لا تزال عمليات إعدام الكتب أو مصادرتها متواصلة في فضائنا العربي حيث تم في أواسط الثمانينات إحراق نسخ من “ألف ليلة وليلة” في القاهرة، أو الفضاء الإسلامي حيث دمّر الصرب مكتبة ساراييفو خلال حرب البلقان الأخيرة، وأقدمت حركة طالبان على إتلاف عشرات الآلاف من الكتب النادرة في أعرق مؤسسة أفغانية، إضافة إلى تدمير فرع القاعدة في شمال أفريقيا لجانب هام من مخطوطات تمبكتو، وتدمير جماعة بوكو حرام لكل الكتب التي تصادفها في نيجيريا وسواها، وإحراق داعش لعدد من المكتبات الخاصة والعامة في الموصل وغيرها من المدن العراقية.

والدافع إلى حرق الكتب كما قلنا أيديولوجي أو سياسي أو ديني، وإن اصطبغ أحيانا بصبغة طائفية ومذهبية في الدين الواحد، حيث يفتح الحاكم الجديد الباب لمصادرة الكتب التي لا توافق مذهبه، كما حصل في الأندلس مع ملوك الطوائف. وهي الأسباب نفسها التي تتذرع بها السلطتان السياسية والدينية لمصادرة الكتب، كأن تبرَّر المصادرة باحتواء الكتاب على مشاهد ومضامين تمسّ بالأخلاق الحميدة، أو تحضّ على الكفر، أو تسيء إلى سلطة سياسية أو دينية، أو تتعرض بغير وجه حق للحياة الخاصة لهذا الشخص أو ذاك.

ولئن كانت بعض البلدان تستند إلى القضاء للبتّ في أوجه الخلاف التي يثيرها كتاب ما، فتحذف منه الفقرات المتهمة، أو تجبر الناشر على وضع تنبيه على الغلاف، ولا تعترض على نشره إلا في حالات خاصة حدّدها القانون، فإن بلدانا أخرى تمنع تداول بعض الكتب منعا باتّا، مثل “الكتاب المقدس” في جزر المالديف، و”القرآن” في كوريا الشمالية، و”كفاحي” لهتلر في النمسا، و”لوليتا” لنابوكوف في الأرجنتين، و”الكيميائي” لباولو كويلهو في إيران، و”الظلام” لجون ماكغاهين في أيرلندا.

المفارقة أن المصادرة تساهم في تسليط الضوء على كتب منسية، وترغّب الناس في الحصول عليها بأي وسيلة

القائمة طويلة حتى أن جمعية المكتبات الأميركية صارت تنظم كل عام أسبوعا لنشر قائمة الكتب المحظورة عبر العالم والاحتفاء بها كنوع من التنديد بالمنع والمصادرة. أي أن المصادرة تشمل أيضا البلدان التي ترفع شعار حرية التعبير، وإن كانت أقل حدّة مما يجري في البلدان النامية، حيث تخضع بعض كتب التراث أحيانا إلى البتر والتشويه والحرق، بدعوى احتوائها على مشاهد فاضحة أو أشعار خليعة أو نقد للفكر الديني المتزمّت، رغم أنّها لم تقابل بالرفض في حينها، وكأنّ الأسلاف أكثر تفتّحا وتسامحا من الأخلاف.

المفارقة أن المصادرة تساهم في تسليط الضوء على كتب منسية، وترغّب الناس في الحصول عليها بأي وسيلة. والمفارقة أيضا أن تتواصل المصادرة في عصر الإنترنت، حيث يمكن لشخص واحد استطاع الحصول على الكتاب الممنوع أن يعمّمه على كل راغب. والخطر أن تتحول المصادرة إلى حرق، خصوصا في البلدان التي تغلغل فيها الفكر المتزمت، لأن دعاته لا يقنعون بالكتاب بل يتجاوزونه إلى صاحبه، كما حصل مع الراحل نجيب محفوظ.

يقول الألماني هاينريش هاينه “هناك، حيث تُحرق الكتب، يؤول الأمر إلى حرق البشر”.

14