هناك ما هو أسوأ من الموت في سوريا

صور قيصر تتضمن صورا لـ6785 معتقلا معظمهم تعرض للتعذيب على أيدي السلطات في بداية الانتفاضة.
السبت 2020/08/08
قتلونا مرتين

إدلب - تقول بعض العائلات السورية إنه من الأفضل لها أن تعرف الحقيقة وتحزن، غير أن عائلات أخرى تقول إن معرفة ما حدث أسوأ لها من الموت نفسه، بعد أن بدأ يتكشف ما حدث للمئات من الضحايا في غرف التعذيب السورية بفضل جهد جديد للتعرف على الجثث من عشرات الآلاف من الصور التي تم تهريبها من دمشق قبل سبع سنوات.

وبالنسبة لأسر هؤلاء الضحايا تمثل صورة لجثة تكسرت عظامها وعليها رقم نهاية رحلة البحث.

وعثرت أم منذر ياسين (58 عاما) على صورة ابنها جميل في الشهر الماضي بعد فحص عدد لا حصر له من الصور لجثث مشوهة. وقالت إن الضحايا ماتوا “جوعى وعرايا”.

ظل جميل مهندس الكمبيوتر مفقودا منذ إحدى ليالي يونيو 2011 عندما ألقت الشرطة السرية القبض عليه من شقة الأسرة في دمشق.

وفي الصورة التي اكتشفتها أمه كانت عيناه مفقوءتين وساقاه مكسورتين. قالت في عمان التي لجأت إليها هي وزوجها منذ فرارهما من سوريا في 2013 إنه “كان من الأفضل لابنها أن يموت برصاصة لو أنهم أطلقوا عليه النار بدلا من أن يعاني ما عاناه”.

وقال زوجها الذي يعمل طبيبا “قتلونا مرتين” الأولى عند إلقاء القبض عليه والثانية عندما شاهدت الأسرة الصور. وتساءل الأب “ألسنا بشر؟”.

كانت صورة جميل بين 53275 صورة هربها على أقراص من سوريا للخارج مصور سابق بالجيش السوري أطلق عليه الاسم الكودي قيصر وهرب من سوريا في أغسطس 2013. وكانت مهمته تتمثل في تسجيل حالات الوفاة في السجون العسكرية.

وقال بعض الأصدقاء إن قيصر يعيش متخفيا في بلد لم يتم الكشف عنه خوفا من التعرض للانتقام منه ومن عائلته. والآن وبعد سنوات من الاهتمام الذي أثارته صور قيصر عادت الأضواء لتسلط عليها من جديد. وسرى مفعول أشد عقوبات أميركية على سوريا في يونيو الماضي على ما قيل إنها جرائم حرب ارتكبت بحق السكان المدنيين وذلك بموجب قانون سمي باسم قيصر.

ولم يعلق الرئيس بشار الأسد مباشرة على صور قيصر منذ مقابلة عام 2015 وصفها فيها بأنها ادعاءات بلا أدلة.

وتعتقد جماعات حقوقية أن صور قيصر تتضمن صورا لعدد 6785 معتقلا معظمهم تعرض للتعذيب على أيدي السلطات السورية في الشهور الأولى من الانتفاضة التي تطورت إلى حرب أهلية أصبحت الآن في عامها التاسع.

نشر صور قيصرعلى بعض منصات التواصل الاجتماعي منح الأسر فرصة جديدة لمعرفة مصير أحبائها

وقال فاضل عبدالغني رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان ومقرها الدوحة إن حالة الجثث التي تعرض أصحابها للتعذيب والتشويه والتجويع تجعل من الصعب التعرف عليها. وتبين الشبكة أنها حددت هوية 900 ضحية حتى الآن.

ومع تجدد الاهتمام بدأ حقوقيون حملة جديدة لتحديد هويات القتلى.

وكانت الأضواء سلطت على الصور للمرة الأولى في العام الذي هرب فيه قيصر من سوريا، إلا أنه بعد فرض العقوبات تم نشر الصور من جديد على بعض منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بالناشطين الأمر الذي منح الأسر فرصة جديدة لمعرفة مصير أحبائها.

وتقول الفنانة والمعلمة السورية فداء الوعر التي أُخذ شقيقها محمد مختار البالغ من العمر 19 عاما عند حاجز أمني في حمص في العام 2012 إن العثور على صورته قضى على أمل الأسرة في رؤيته على قيد الحياة مرة أخرى.

وقالت الفنانة الشابة “أراه في أحلامي حيا وأنه سيرجع”. وأضافت أن حزن الأسرة عليه تجدد عندما رأت الصورة لأنها كانت تأمل دائما أن يأتي اليوم الذي يطلق فيه سراحه.

وتعود فداء بذاكرتها إلى اليوم الذي توسلت فيه الأسرة لابنها الشاب ألا يذهب إلى المنطقة التي كان المتظاهرون يحتجون فيها في المدينة على حكم الأسد في الأيام الأولى للانتفاضة والتي كانت قوات الأمن تلقي فيها القبض عشوائيا على الشبان عند الحواجز الأمنية.

وقالت فداء إن شقيقها بالنسبة للسلطات مجرد رقم موضوع على جبهته ولا شيء غير ذلك.

وبعد تسع سنوات من انطلاق شرارة الحرب التي سقط فيها أكثر من نصف مليون قتيل وأدت إلى تشريد ما يزيد على نصف سكان سوريا، استعادت حكومة الأسد في السنوات الأخيرة وبدعم من روسيا وإيران معظم الأراضي التي كانت في وقت من الأوقات تحت سيطرة مقاتلي المعارضة.

وأشارت المحامية سارة كيالي الخبيرة في الشأن السوري بمنظمة هيومن رايتس ووتش التي يوجد مقرها بالولايات المتحدة والتي أجرت دراسة عن الصور إلى أن هذه الصور تجعل من المستحيل إنكار استخدام التعذيب الممنهج في نظام سجون الأمن السورية.

وقالت كيالي في عمان “لقد أظهروا لنا دليلا لا يمكن دحضه على أن الحكومة السورية احتجزت وعذبت الآلاف الذين اختفوا، والذين كانت تنكر وجودهم، وأنها عذبتهم حتى الموت”.

وتعرفت مريم الحلاق على صورة ابنها أيهم (25 عاما) الذي كان طالبا بالدراسات العليا في طب الأسنان عندما تعرض للاختطاف من حرم جامعة دمشق في نوفمبر 2012 لتنهي بذلك سنوات الشك.

وقد أمضت أكثر من 17 شهرا وهي تدق أبواب كل الإدارات الحكومية بحثا عن شهادة وفاة لابنها. وقالت مريم في شقتها ببرلين “الحمد لله أنه مات في البداية ولم يتعرض للتجويع حتى يصبح هيكلا”.

وأوضح زميل لابنها في الكلية اعتقل معه وتم الإفراج عنه في ما بعد أن أيهم تعرض للتعذيب لمدة ساعتين على الأقل قبل أن يفقد الوعي بعد أن تعرض للضرب على رأسه بقضيب معدني. وبعدها توقف التعذيب.

ولفظ أيهم أنفاسه الأخيرة بين ذراعي زميله بعد خمسة أيام من القبض عليه. وفي صور قيصر لجثته كان على جبهته ملصق يقول إن الجثة رقم 320 من مركز الاحتجاز رقم 215.

7