هناك من يسطو على نومي

لا بد من فتح أصفاد المساجين وحبس المواطنين، أليس من يقتل دون قصد يتم التحفظ به لحمايته! إذن لا بد من حماية الشعب.
الثلاثاء 2018/08/07
البلاد غارقة حتى النخاع في عمليات السطو

جلبة في الخارج ونباح كلاب أذهبا النوم من عيني، وبدل أن أستمتع بدفء فراشي وقفت ساعات أنصت بانتباه لهمسات الليل البهيم.

لم يكن صرفي جزءًا من الليل مستيقظة من فراغ فقد بدا لي أن هناك حركة غير عادية فوق سطح المنزل وأن أحدهم يحاول التسلل إلى الداخل، ولا أعتقد أن الأمر كابوس سببه مطالعتي خبرا عن سطو على مخيم نصب بإحدى المحافظات، ولا هي تهيؤات كما أصر أبي على وصفها.

في النهاية منزلنا لا يعد الأول أو الأخير الذي تعرض أو قد يتعرض لعملية سرقة، فالبلاد غارقة حتى النخاع في عمليات سطو في سلسلة متصلة الحلقات.

هناك تسلسل وترابط ينظمان السرقة، إذ أن الأمر ليس اعتباطيا، وتاريخ تونس حافل بحوادث سرقة خَطا وزير المالية محمود بن عياد سنة 1852 أولى خطواتها تلاه يهودي تونسي يدعى نسيم شمامة فمصطفى خزنه دار وهو أكثر الأسماء العالقة في أذهان كل التونسيين تقريبا، ويشهد تاريخ تونس الحديث أن ثورة قامت في وجه نظام عائلي أسس للسرقة والنهب، لكن أين انتهى المجتمع التونسي؟ وإلى أين المفر من آفة نهشت وتنهش البلاد والعباد؟

أتخيل لو أننا أقمنا الحد وطبقنا الشريعة فإن الشعوب العربية ككل ستوسم بصفة المبتورين، لا تونس فقط، فالظاهرة مستشرية في جل المجتمعات العربية، لا سيما مع تطبيق قانون العفو في بعض المناسبات التي تمر بها البلاد.

ولم يعد اللصوص يلتحفون ظلمة الليل للتخفي على العيون للقيام بالسرقة، بل صارت السرقة حقا مكتسبا يحصل في العلن وعلى مرأى من الجميع دون أن ينبسوا ببنت شفة، صمت يبارك هذه السلوكات الدنيئة، والمبرر تجنب المشكلات!

من الجميل أن يحاول المرء عدم الدخول في مشكلات هو في غنى عنها، لكن دور المشاهد المتخاذل لا يعمق إلا قانون الغاب، ولا يجر سوى سلسلة من الحوادث المشابهة التي قد تعيد تقسيم الأدوار والمشاهد يصير ضحية والعكس صحيح.

هذه الظاهرة التي يقودها لصوص متنكرون بهيئة مواطنين صالحين تزيح الستار عن اندثار البعض من أخلاقيات المجتمعات العربية التي كان أفرادها لا يتوانون عن الدفاع عن بعضهم البعض ويهبّون لنجدة الضعيف ويتعاونون في السراء والضراء.

أفكر بعمق لو أن لصا بالفعل تسلل إلى منزلنا هل كان الجيران سيساعدوننا؟ الإجابة نعم ولن يتردد أي منهم، وأستمد ثقتي هذه من اللحمة التي ما زالت من حسن الحظ تجمع أجوار الأحياء الشعبية، لكن في المقابل ما كان أفراد الأمن ليسارعوا بالمجيء حالهم حال الشرطة الحاضرة في كل سيناريوهات الأفلام العربية قديمها وجديدها في نهاية المشاهد الدرامية لتحمل اللص غالبا إلى القبر وتقود الضحية إلى السجن.

الغريب أن أجهزة الأمن غير غافلة عن سجل اللصوص المنتشرين في البلاد، لكن متى تنوي غلق الباب في وجوه هؤلاء وإحكام إطباقه؟ لا أحد يعلم هل تراها تختبر مدى قدرات المساجين على التجاوب مع برنامج تقويم السلوك الذي يخضعون له في السجن، بعد إطلاق سراحهم؟

إن كان ذلك ما تحاول الأمم بالفعل إثباته، فلا بد من فتح أصفاد المساجين وحبس المواطنين، أليس من يقتل دون قصد يتم التحفظ به لحمايته! إذن لا بد من حماية الشعب.

21