هناك من يسعى إلى انقاذ مصر..

السبت 2013/08/17

تقف مصر عند مفترق طرق. هل لا يزال في الإمكان إنقاذ مصر؟ تصعب الاجابة عن هذا السؤال الذي يتناول مستقبل البلد العربي الأهمّ. لكنّ ما لا يمكن تجاهله أنّ ما يشهده البلد منذ ما يزيد على شهر ونصف شهر يؤكد أن هناك محاولة جدّية لمنع مصر من السقوط نهائيا.

ما جرى في الرابع عشر من آب/أغسطس 2013، كان حدثا تاريخيا بكل ما للكلمة من معنى. استفاقت الدولة المصرية من سباتها وقررت استعادة المبادرة. كان لا بدّ من تحرّك ما لتأكيد أنّه لا يزال هناك من يسعى إلى إنقاذ مصر ومنع تحوّلها إلى غزة أخرى.

الأكيد أنه ليس في الامكان تبرير العنف وسقوط ضحايا بأي شكل من الأشكال. لكنّ الملفت أن هناك من يريد تجاهل أن الإخوان المسلمين كانوا وراء افتعال العنف من أجل توفير الصور التي احتاجتها وسائل الإعلام الغربية لشن حملة على القوات المسلحة والأجهزة الأمنية المصرية. لقد وقعت وسائل الإعلام هذه في الفخّ الذي نصبه لها الإخوان وذلك من حيث تدري أو لا تدري. وربّما كانت تدري نظرا لأنّها رفضت أن تأخذ في الاعتبار أن هناك من بادر إلى إطلاق النار على رجال الشرطة والجنود الذين أرادوا إنهاء الاعتصام غير السلمي للإخوان في رابعة العدوية ومناطق أخرى من القاهرة.

ما لم يفهمه الأوروبيون، في معظمهم، والإدارة الأميركية خصوصا أنّ المؤسسة العسكرية، كانت شريكا في عملية إزاحة النظام الذي كان حسني مبارك على رأسه. لعبت المؤسسة العسكرية الدور الحاسم في التخلص من نظام يشبه إلى حدّ كبير ذلك الذي كان سائدا في الاتحاد السوفياتي خلال السنوات الأخيرة من عهد بريجنيف الذي توفي عام 1982.

سمّيت تلك السنوات «سنوات الجمود» ولعبت دورا أساسيا في تهيئة الأجواء لانهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة المرتبطة به ابتداء من نهاية الثمانينات من القرن الماضي.

لم تشارك المؤسسة العسكرية في ما سمّي «ثورة الخامس والعشرين من يناير» من أجل تسليم السلطة إلى الإخوان المسلمين. كانت هناك ثورة شعبية حقيقية استهدفت التخلص من نظام حسني مبارك الذي أصرّ على الاحتفاظ بالسلطة، كلّ السلطة، رغم تجاوزه الثمانين من العمر ورغم أنّه لم يعد يمتلك كلّ قدراته الذهنية… في بلد اسمه «جمهورية مصر العربيّة». وهذا يعني أنّ مصر لا تزال، إلى اشعار آخر، جمهورية يفترض أن تجري فيها انتخابات رئاسية وليس مجرّد استفتاء، خصوصا عندما يتجاوز رئيس الجمهورية سنّا معيّنة!

في كلّ الأحوال، امتلكت المؤسسة العسكرية المصرية، مدعومة بأغلبية من الشعب المصري، ما يكفي من الجرأة لتقول للإخوان المسلمين أن «كفى تعني كفى»، وأن مصر لن تسمح بخطف الثورة، لا بواسطة صناديق الاقتراع ولا بأي طريقة أخرى.

توجّه المصريون بعد «ثورة الخامس والعشرين من يناير» إلى صناديق الاقتراع واختاروا الدكتور محمّد مرسي رئيسا. كان يمكن للمصريين الصبر سنوات قليلة على مرسي الذي لم يكن سوى واجهة للإخوان المسلمين. لكنّ عاملين جعلا كيل المواطنين يطفح باكرا. كان العامل الأول مسارعة الإخوان إلى العمل على تغيير طبيعة مؤسسات الدولة المصرية. مسّوا بالجيش والأمن والقضاء وكلّ ما تقع عليه أيديهم. أرادوا افهام الجميع أن مصر صارت دولة الإخوان مثلما أن غزة «إمارة طالبانية» تحكمها «حماس» التي هي فرع من فروع الإخوان. كان لديهم جوع ليس بعده جوع إلى السلطة…

أمّا العامل الآخر الذي جعل المصريين يدفعون المؤسسة العسكرية إلى التحرّك، وذلك بعد نزولهم إلى الشارع بالملايين يوم الثلاثين من حزيران/يونيو الماضي، فيتمثّل في الفشل الإخواني في إدارة شؤون البلاد. ففي غضون سنة، زاد الفقير المصري فقرا وتراجع الاقتصاد تراجعا ملحوظا. و لكن الأهم من كل ذلك أن الإخوان جعلوا المنظمات الإرهابية الموجودة بكثرة في غزة تتمدد في اتجاه سيناء من أجل إلهاء الجيش المصري وإدخاله في مواجهات كان فيها عرضة لعمليات إرهابية موصوفة. كان الهدف الدائم ضرب معنويات الجيش المصري وصرفه عن أي دور وطني من أي نوع كان.

ثمّة محاولة جدّية لإنقاذ مصر. الملفت في الأمر أن المؤسسة العسكرية التي تحظى بدعم شعبي حقيقي لم تتراجع أمام التهديدات الأميركية والأوروبية. هل تريد إدارة أوباما، إيران أخرى في مصر يقودها «المرشد» السنّي كي يرتاح بالها؟ هل تريد التأكد من أنه لن تقوم لمصر قيامة بفضل الإخوان المسلمين كي تطمئن إلى أن المسيرة الديمقراطية في البلد العربي الأكبر هي في أحسن أيامها وأحوالها؟

ما هو لافت أيضا أن هناك عربا يدركون تماما ما على المحكّ في مصر وما معنى سقوط مصر. هؤلاء لم يشجعوا الإخوان ولم يدفعوا بهم إلى الهاوية عن طريق تصوير الأمور على غير حقيقتها لهم. هؤلاء العرب، رفضوا غشّ المصريين، بمن فيهم الإخوان. كان من بينهم دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ودولة الكويت، وقد سارعوا إلى دعم الشعب المصري من دون تردّد. هؤلاء غير مستعدّين لمسايرة إدارة أميركية ساذجة وفي حال ضياع، إدارة لا تعرف شيئا عن الشرق الأوسط ولا عن مصر تحديدا. إنها إدارة تقف موقف المتفرج أمام الأحداث السورية حيث ثورة شعبية حقيقية في وجه نظام ظالم ومتوحش قتل إلى الآن ما يزيد على مئتي ألف سوري ودمّر مئات المدن والقرى وهجّر ملايين السوريين من منطلق مذهبي بحت.

كان لا بدّ من الحؤول دون سقوط مصر. لم يكن في استطاعة العرب الشرفاء السماح بذلك بأي شكل. لا لشيء، سوى لأنّ هؤلاء يدركون جيّدا النتائج التي ستترتب على تمدّد قطاع غزة في اتجاه القاهرة وتحوّل مصر إلى «ساحة» يسرح ويمرح فيها «الجهاديون»، بسلوكاتهم الإخوانية الجديدة!

هل كثير على مصر أن تجد من يقف إلى جانب شعبها بما يحميه ويحميها ويحمي المنطقة من مزيد من الجهل والتخلف وانتشار الفكر الديني المتطرف الذي لا علاقة له بالإسلام من قريب أو بعيد؟

8