هنا في بيروت أنت على موعد مع حمزة وليال وآخرين

الأحد 2014/02/09
يوسف عبدلكي في افتتاح معرضه الجديد: متحف الألم السوري

ما إن نقترب من عوالمها الكابوسية- التي أمعنت كائنات الفنان السوري يوسف عبدلكي في ترسيمها وتمثيلها على نحو فجائعي، في معرضه المتواصل (5/2/2014) وإلى غاية (5/3/2014) بغاليري تانيت Galerie Tanit منطقة مار ميخائيل– بيروت، وهو المعرض الفردي الأول الذي يقيمه عبدلكي بعد خروجه من سجن السلطة السورية- حتى تدخل معها في معترك تراجيدي، له من العنف والفجيعة، بقدر ما له من التألق والانسياب. كائنات تقذف بتعبيراتها وتحويراتها، تعالج فكرة الموت والشهادة بعيداً عن “الصراخ السياسي” كما سماها هو. في جدلية الحياة والموت، الأبيض والأسود، الوطن والغربة، النور والظلام، الجمال والقبح، كل التناقض في منظومة واحدة هي نحن، نحن: الأجيال التي انهزمت كثيراً!


أعمال مرعبة


هذه القناعة انعكست في معظم أعمال الفنان عبدلكي الذي كان على مسافة واحدة من كل أنواع الاضطهاد الذي يمارس على الإنسان في سوريا وفلسطين ولبنان ومصر وغيرها، فميوله السياسية اليسارية أثرت على طبيعة أعماله ولكنه لم يدع هذه الميول تقيد فنه وتجرفه إلى قوالب الأيديولوجيا الجاهزة، فعرف كيف يبقى وفياً للواقع من جهة وأن يطلق لفنه حرية الاستكشاف، والبحث عن اللامألوف دون السقوط في هاوية الفن من أجل الفن من جهة أخرى.

أمام لوحات يوسف تحس بالرهبة، يتملكك الخشوع، تحس بالاختناق، وأرجلك لا تستطيع الوقوف طويلاً أمام الأعمال المخيفة، المرعبة، القاسية، الصامتة، يعاين عبدلكي بأعماله الحياة، ويحرص على مرارتها ومذاقات أخرى حافلة بآثامه وأفراحه وتشرده، في لوحاته نجد الإنسان بالمطلق، بعيداً عن العقائد والأيديولوجيات، الأفكار، الأزمان، القوميات، وبعيداً عن كل هذا، يتحدث عن قصة الإنسان الذي يعيش على الهامش، قصة الإنسان المتألم، ويبني عالمه التشكيلي من خلال تشربه لمجموع الخليط الثقافي والإنساني، فهو بمثابة أسفنجة ماصة لمجموع هذا، ولوحته تعكس هذا المجموع لتحلّق مع شخوصه في فضاء كتيم ومعتم، لكنّه لمزيد من الوحشية يربطها بخيوط تتدلّى من سقف اللوحة ويتركها معلّقة بين الأرض والسماء كما لو أنها مصابة بلعنة أبدية.

في تفسير مكوّنات خطوطه وألوانه المتقشّفة التي تتوارى وتخفت أمام فزع نظرة الكائن في عمق اللوحة، فيض من رماد الموتى تأتي، لوناً، رائحة، إضاءة عبر مواشيره المرهفة والجارحة في آن معاً، يرَى انعكاس أرواحنا، وأرواحنا انعكاس لها. فثمة مرجعيات تشكيلية لأعمال هذا الفنان، تلتقي عميقاً مع تشظيات ما بعد الحداثة، في طريقة بناء عمارة النص البصري للإنسان بمعوقاته وتحويراته وعذاباته وذكرياته، لتأسرك في تأمل لا ينتهي، تبحث فيها عنك، عن شيء يختبئ فيك، تحتفظ به كسر دفين.. تدهشك رغم ارتعاشها وقلقها وتقشفها الموحي بتعبها، فهي مشبعة بالأفكار والأسئلة، بدافع العزلة أو التوحد أو التمرد، فتكويناته السابحة في فضاء معتم لها علاقة مباشرة بالاختناق والضجيج، يخيل إلينا كلما تأملنا في إحدى لوحاته أن كارثة تكاد تقع.

الخلفية في أعماله تأتي خالية من أية عناصر، فهو يعمل على الفراغ، وعلى الشكل، وهذا الشكل لديه هو شكل مبسط، الفراغ هو جزء رئيسي وغير رئيسي، تعكس إشعاع الألم الذي يريد تصويره وإيصاله، فهذا الفراغ يعكس حالة التوحد والعزلة، وتمكن الإضافة إلى أن هذا الفراغ التشكيلي يحتوي في داخله فراغاً آخر غير مرئي، هذا الفراغ هو امتلاء تعبيري ومن الضروري لديه أن يكون بهذه الصورة ليتمم ما أريد قوله، ألا وهو المسوخ.

الحداثة مرجعيات الفنان في التعبير عن فداحة التراجيديا السورية


طواف ميثولوجي


تشعر بالاستغراب والمفاجأة والرهبة عندما تدخل إلى معرضه، خاصة أنه ملأ الصالة بلوحات ضخمة مرصوصة إلى جانب بعضها البعض، بطريقة تدفعك إلى التساؤل والاستفسار عن طبيعة تلك الشخوص (قلب يخترقه مسمار، سكين تهوي على عصفور، يوحنا المعمدان)، لوحات عبدلكي تعكس في معظمها أثراً نفسياً، شغل طويل ودقيق يمكن من خلاله اختراع العزلة التي قضاها في دمشق ليظهر خيار الاستغناء عن ثلث وأحياناً ثلثي اللوحة مقابل مساحة ضيقة، وخالية من الأوكسجين.

أكريليك، فحم، ألوان مائية، أدوات مختلفة، وأحياناً حبر، تنضج هذه المواد على مهل، لتمنح المتلقي بداية الخيط للدخول إلى عالمه الخرافي لعله يستطيع الاندماج معه أو حتى الاقتراب من طبيعة أفكاره وأسلوب معالجتها لديه لكنه استطاع أيضاً من خلال تغيير رداء شخوصه في طواف ميثولوجي حول معنى الحياة في دورتها الأزلية من دون أن يتخلى عن فطريته في تفسير مكوّنات خطوطه وألوانه المتقشّفة التي تتوارى وتخفت.

16