هنا لا تنفع المداراة يا سيادة الوزير

الأربعاء 2014/02/12

تعدّ البلطجة من أهمّ القواعد الإخوانية التي تجلّت بقوة في الأعوام التي حكمت فيها حكومة الجماعات المتأسلمة دولة السودان، فالخلط المتعمّد بين الحكومة والوطن، ظلّ الجواد الذي امتطته حكومة (الإنقـــاذ)، لتصنيف وضرب معارضيها في كل مكــان، بعدما غدت مهاجمة الحكومة تهمة يعاقب عليها القانون بذات جرم مهاجمة الوطن، بل وتستوجب عقوبات تفوق التّهجم على الوطن، حتى ولو أتت دون محاكمات كما في حالة الضبّاط الذين تم إعدامهم قبل أن يستقر البشير على كرسي الحكم.

ما أعقب ذلك من إعدامات متتالية بمختلف المسميات، ولاتزال الصور المهينة لجلد الفتيات في الشوارع تلاحق النظام في مختلف مواقع الإنترنت، إضافة إلى قمع العديد من الاحتجاجات بطريقة وحشية غير مسبوقة في التاريخ السوداني، والتعامل مع الدولة على أساس الاقطاع.

فالنظام الحاكم هو من يملك الدولة، ويمنح من الحقوق لمن يريده هو، لا لمن يستحق، وهو الذي يقرر إقامة الاتفاقات الخاصة بالدولة، والملزمة لها قبل النظام، من قبيل نيفاشا التي فصلت الجنوب، وأبوجا والدوحة اللتين أبقتا دارفور في حكم الاقليم المنفصل، وكردفان تائهة مابين الطرفين تمزّقها الحروب الأهلية في أكثر من جهة، والشرق فقد توازنه الأمني تماما، والنظام أيضا هو من يقرر ما إن كان الأمر مسموحا لحزب من الأحزاب أو فئة من الفئات أن تمارس السياسة أو لا، وأن تكون لها فرصة عمل ولو حرّة في الحياة من عدمها.

اغتيال شخصيات الذين لايتفقون مع سياسات النظام، مفردة أخرى عرفها السودان في فترة حكمهم الفاشلة، وقد تعرّضت شخصيا لتلك البلطجة أثناء ندوة اقتصادية بأبوظبي، نظمها مركز دراسات وبحوث أنتمي إليه وظيفيا، واعتبر الوزير المفوض، القائم بأعمال السفارة السودانية في أبوظبي، رأيي في رد لسؤال حول النموذج السوداني، أنه أثبت تماما فشله الاقتصادي وعدم امتلاكه أية حلول مقنعة لانقاذ الاقتصاد السوداني المتعثّر بسبب سياساته الاقتصادية العقيمة، اعتبره ضربا من ضروب اللاوطنية، وكأنما الوطنية الحقيقية هي تلك الشعارات التي تروجها وسائل إعلامنا المنهارة، تذكرنا بطفل يقرأ في كتاب الرياضيات (سعر الصابونة 5 قروش) ويشتريها من السوبرماركت بألف جنيه.

فالحكومة والوطن كمفهوم، ظل يعاني من التأرجح بين التهمة والحقيقة، وأيّ حديث من سوداني عن سوء الحكومة، يتم تصنيفه بالمعارض، لأن الحكومة حتى الآن لم تفهم معنى المعارضة، ولاتريد رأيا مغايرا في مملكتها، وهو دأب الأخوان في كل مكان، وأصرّ على إلصاق الأخوانة بحكومة المؤتمر الوطني في السودان مهما أنكرت، فقد تعودت على الانكار الذي بدأت به.

ألم تستقبل فترة حكمها بخداع المواطنين وغير المواطنين، حينما نفت علاقتها بمهندسها الذي عقّت أبوته، ودفعته مــع بقية بررتها الظاهريين، لإقامة نسخة مشابهة تحفظ توازن البقــــاء الطويل الأجل في السلطة لأن الأخونة في مفهومي ليست تنظيما فحسب، الاخونة فعل يمتطي براق الدين تفسيرا نحو الاتجاه المعاكس.

ليس بالضرورة أن يقدّم الشخص قسم الولاء والطاعة أمام المرشد، أو يقتل صانعه كما حدث بين التنظيم السرّي للأخوان والبنا، ولكن كل من أتى فعل الأخوان فهو إخواني، هذا بغض النظر عن دلائل لا تخطئها عين، ويكفي ما كتبه القائد الاخواني المنشق (ثروت الخرباوي)، في كتاب (أئمة الشر) حينما وصف لقاء الرئيس البشير بالمرشد في أول زيارة له لمصر بعد توليه السلطة، وماذا حدث وماذا قيل بحضور الخرباوي شخصيا، وكان التهجم الحاد بالاتهام من وزير الدولة المفوض، القائم بأعمال سفارة بكاملها على مركز بحوث ودراسات يمارس عمله الأكاديمي يدعونا لنتساءل، هل بدأ التضييق على الحريات ومحاربة الرأي يلاحق حتى من هاجر عن الوطن؟

ويقودنا موقف الوزير المفوّض إلى تساؤل آخر، وهو، هل تقوم الخارجية السودانية بدورها الحقيقي في اختيار وتأهيل دبلوماسييها، وكيف يميّز الفرد منهم بين كونه أمام شعوب أخرى، وبين خطابه لمجموعته، مثله مثل القنوات الفضائية التي تخاطب السودانيين لاغيرهم، غير واعية بفروق التناول الفضائي والأرضي، وهي ذات الهفوة التي يرتكبها الدبلوماسيون الذين يهدرون معظم الوقت المحدد لهم في المنابر، للترحم على الشهداء، بدلا عن استغلاله في إيصال رسالة علائقية، حينما يتحدثون على منابر الآخرين.

وبدلا عن أن يبرز الدبلوماسي وجها مشرقا للسوداني في المنطقية والهدوء، وتوصيل حجته بطريقة الدبلوماسية التي ألصقوها بصفته، أضحك الجميع حينما قال إن شهادة الأمم المتحدة تؤكّد أن السودان هو أفضل بلدان الشرق الأوسط تحسٌّنا في أدائه الاقتصادي، ثم اتهم المركز المنظم للندوة ومتحدثيه بمهاجمة السودان، بالرغم من أنهم ليسوا سودانيين، ولامصلحة لهم في الهجوم على الحكومة، غير أن الفعل الاخواني الساري في عروق الفكر الحكومي في السودان، لايقبل النقد ولايقرّه، فالحكومة التي لازالت تتهم الغرب وإسرائيل بفصل الجنوب، نسيت أن تقدّم تفسيرا لسبب قبولها بشرط تحقيق المصير في نيفاشا، ولماذا رضيت بنيفاشا أصلا؟

وهل استشارت أو أشركت الشعب أو القوى السياسية فيها؟

لا إسرائيل ولا كل قوى الدنيا تستطيع قسمة السودان دون موافقة الحكومة، أو إرغامها على القبــــول بالشرط، ولو كانت تستطيع ذلك، ما أجلست الحكومــــة والمتمردين على طاولـــــة واحدة، وتعلّق الحكومة حالة العنف اللامسبوقة في البلاد بحركات من أسمتهم بالمعارضة، متنـاسية أنهم مواطنـون يملكـــون ذات الحـــــق، بغض النظر عن رأيي الرافض لتسليح الصراع.

فالحل يجب أن يكون بالرأي والعقل لا البندقية، وبتوفّر الارادة والصدق، وبعودة لأسباب تفجّر هذه الصراعات، وكيفية إدارتها، نجد تفسيرا للكثير من الحقائق الغامضة، فوزير يتبع الخارجية من المفروض أن يعلم بأن عمل مراكز الدراسات والبحوث هو عمل منهجي، وليس عاطفيا، وهو عمل يعتمد على الأرقام والحقائق، لا على العاطفة التي تداري سوءة لم يكن المواطن طرفا فيها، وليس الدفاع عن الحكومات والأوطان بإخفاء الحقائق إلا من عمل مراكز الدراسات الاخوانية وحدها، لأن مراكز الدراسات الحقيقية هي التي لاتخفي أية معلومة، لأن إخفاء معلومة قد يشكّل ضررا لفئات وشعوب كثيرة تتخذ من الدراسات منهجا تضيء به مخططاتها الآنية والمستقبلية.


كاتب سوداني

9