هنا لا مكان للصدفة

اليوم انتهت رسميا في مونديال روسيا أسطورة "النجم الأوحد"، رحل ميسي الأرجنتين ورونالدو البرتغال ونيمار البرازيل، ورحل كل منتخب لاتيني عول على إمكانيات لاعب واحد في الفريق.
الاثنين 2018/07/09
المنتخبان الكرواتي والروسي قدما درسا لكل المبتدئين الخبيرين

كم يبدو عادلا هذا المونديال الروسي.. هنا لا مجال للصدفة، لا مجال لبطل “أوحد” يغير كل شيء ويطوعه بنفسه، فقط هم المجتهدون والمنضبطون والمنظمون من وصلوا إلى مراتب عليا وواصلوا رحلة مطاردة اللقب العالمي.

هي نصف ساعة فقط، قد تكون كافية لحوصلة مونديال كامل، ثلاثون دقيقة بحساب القوة والتنظيم المحكم واللعب دون كلل تلخص هذه المنافسات المونديالية في النسخة الروسية.

فما حصل خلال مباراة الدور ربع النهائي بين كرواتيا وروسيا مدهش وموغل في الروعة لدرجة الكمال الكروي في زمن شهدت خلاله كرة القدم عدة تغيرات جوهرية، فلم تعد تعترف بالقوالب الجاهزة والشعارات المحنطة.

هي نصف ساعة فقط مدة الوقت الإضافي كانت كافية وكفيلة كي تبرهن أن العالم الكروي شهد تقلبات “عظيمة” في طريقة التدريب والتحضير والإعداد للتظاهرات الكروية الكبرى.

كانت نصف ساعة من الإثارة والمتعة والفرجة والأهم كانت فسحة قصيرة من الزمن الذي أثبت أن كرة القدم باتت اليوم بمثابة العلم الدقيق الذي يعتمد على الإعداد الجيد بدقة متناهية وخاصة من الناحية البدنية.

ما قدمه المنتخبان الكرواتي والروسي في الثلاثين دقيقة قد يصلح أن يكون اليوم درسا لكل المبتدئين وكذلك الخبيرين في الحقل الكروي، كانت ثمة معركة أو لنقل “حربا” لم تهدأ إلا بعد اللجوء إلى ركلات الحظ، والسبب في ذلك أن المنتخبين قدما واحدة من أفضل العروض الكروية إلى حد الآن في المونديال.

عرض رائع بأتم معنى الكلمة من ناحية الجاهزية البدنية والقوة الجسمانية، فالكل يدافع دون هوادة والكل يهاجم بكل ضراوة، ولا وجود للاعب مقصر أو متخاذل أو يعاني من نقص على المستوى البدني، كان كل فرد في خدمة المجموعة، وكل مجموعة صهرت إمكانات كل فرد فطوعتها ببراعة كي تغدو هذه المجموعة متكاملة متجانسة قوية للغاية على جميع الأصعدة.

حديثنا عن هذه الدقائق الإضافية بهذا الإطناب دفعنا إليه ذلك الجهد الكبير الذي بذله لاعبو المنتخبين، فإلى غاية الدقيقة الـ120 من المنافسات “المستعرة” لم يهدأ بال أي لاعب، كان كل لاعب بمثابة “المقاتل” الذي يركض وكأنه بدأ للتو “معركة” الحسم، كان الجميع في أوج العطاء والجاهزية البدنية.

ظهر المنتخبان طيلة الدقائق الـ120 وكأنهم لم يخوضوا أي مباراة سابقة في الفترة الأخيرة، ظهر وكأن المنتخبين الروسي أو الكرواتي لم يخض في الدور الماضي أي مباراة قوية للغاية تستنزف كل الجهود، فالمنتخب الكرواتي هزم نظيره الدانماركي بعد مباراة ماراطوانية تطلبت الوصول إلى ركلات الجزاء، ومثله فعل المنتخب الروسي الذي تجاوز نظيره الإسباني بضربات الجزاء أيضا.

لكن رغم ذلك لا أثر للإرهاق والتعب، الأمر يدعو إلى رفع القبعة لهذين المنتخبين ويتطلب أيضا إعادة النظر في ما حصل من تغييرات مست جوهر كرة القدم.

اليوم لم يعد المجال ممكنا لتلك المنتخبات التي تعتمد على الكرة “الجميلة” فقط، فالبرازيل رائدة الكرة الممتعة غادرت السباق بحسرة متجددة ودموع متواصلة، سارت على دربها كل منتخبات أميركا اللاتينية، ولم يعد المكان في روسيا يتسع لغير المنتخبات الأوروبية.

اليوم انتهت رسميا أسطورة “النجم الأوحد”، فرحل ميسي ورونالدو، ورحل كل منتخب عوّل على لاعب واحد. ربما لو كان مارادونا لاعبا من هذا الزمان، لما أمكن له تحقيق معجزاته القديمة، فاليوم باتت كرة القدم بمثابة العلم الصحيح، لا مجال فيه للخطأ أو الصدفة، هنا فقط لا يبرع سوى المنتخب الذي ينبني على أسس سليمة صحيحة ويستغني عن الطرق العتيقة.

كل هذا الأمر ينطبق على المنتخب الفرنسي الذي استمد قوته حاليا من لاعبين تكونوا على أسس صحيحة ولم يهمل الجانب البدني، هذا ما ينطبق أيضا على المنتخب البلجيكي الذي كان في مواجهته ضد المنتخب البرازيلي بمثابة “الأسد بسبعة أرواح”، فالقوة الجسمانية الهائلة واللياقة البدنية العالية والانضباط التكتيكي الرائع كلها عوامل صنعت الفارق.

سار أيضا على هذا الدرب المنتخب الإنكليزي، فاستعان بروح الشباب، أخرج كل “الحرس القديم” من الحسابات، وتم التعويل على لاعبين صغار السن يتقدون حماسا وقوة بدنية والأهم من ذلك اكتسبوا منذ الصغر كل الطرق الحديثة وتشبعوا بأساليب التدريب الحديثة.

اليوم لم يعد هناك مجال للصدفة أو الأساليب البالية، ومونديال روسيا سيؤسس حتما لقيام “ثورة” غامرة ستعمّ كافة الأرجاء.

22